شكسبير كما لم يحارب العنصرية أحد غيره

2021-09-18 | منذ 1 شهر

مأساة عطيل ومحنة ديدمونة

حكيم مرزوقي*

"كمشة" من الشخصيات قبض عليها وليم شكسبير بمكره الطافح وحنكته الفائضة لينثرها مثل البذار في تربة خصبة ضمن حقل يغذيه خيال عبقري ما زال ينتج طرحه حتى يومنا هذا. لتتجاوز "عطيل" كونها مسرحية، وتتحول كما تحولت أعمال الكبار إلى ملحمة صالحة لكل العصور، وتنبت حكاية ممتدة الجذور ومتشابكة الفروع.

لنبدأ من صلب الحكاية وجوهرها قبل سرد تفاصيلها التي قد تكون مضللة:

لعل المفتاح الأمثل لولوج وفهم ما أراد شكسبير الذهاب إليه في مسرحيته الشهيرة المتمحورة حول الغيرة القاتلة، هو ما أشار إليه الكاتب جبرا إبراهيم جبرا، في كون “عطيل” ليس تحريفاً لاسم عربي كما ظنه خليل مطران (1849 – 1969)، الذي كان أول من نقل المسرحية إلى العربية، وإنما هو موجود باللغة الإيطالية ويعني “الحذر”.

حقل ملغوم بالمكائد

"عطيل" ما كان لها أن تأخذ هذه المكانة في تراث المسرح لولا حوار الثقافات الذي عناه شكسبير في كتابة المسرحية نفسها

 

هل كان البطل المخدوع حذرا فعلا وممن؟ بل من هو البطل الحقيقي أصلا، في حقل ملغوم ومليء بالمكائد والحفر؟ ثم لماذا كل هذا التفنن والدقة والإتقان في نسج خيوط المؤامرة، ومحو آثار الجريمة؟ هل تستحق الرذيلة كل هذا الجهد المسفوح أم هي الغواية في سرد الحكاية، وعلى طريقة ألف ليلة وليلة؟

نعم، أغلب الظن أن حكايات الشرق الآسرة حول ما يدور من دسائس ومؤامرات في قصور السلاطين، قد تمادت وتناهت إلى سمع شكسبير عن طريق البحارة والتجار في البندقية، مسرح الأحداث ومنتهى طريق الحرير المطرز بالقصص القادمة من الشرق، خصوصا إذا علمنا بأن هذه المدينة الساحرة قد جمع فيها العبقري الإنجليزي عنصري المغربي والأوروبي في اثنتين من مسرحياته هما “عطيل” و“تاجر البندقية” بداية القرن السابع عشر.

   

"عطيل" أعقد من مجرد يد خشنة سوداء تمسك بمنديل حريري أبيض.

البندقية كانت منطقة للتبادل الحر في البضائع والحكايات، وإلا فما معنى أن يكتب شكسبير مسرحية “عطيل” اقتباساً من كتابات الإيطالي “سينتييو” عن حكايات ألف ليلة وليلة، ويقوم هذا الشاعر الدرامي الكبير باستبدال “حكاية التفاحات الثلاث” بالمنديل الذي أهدته والدة عطيل له لكي يهديه بدوره إلى المرأة التي يحب، كما تؤكد الدراسة المقارنة التي أجراها الباحث سامي عبدالحميد.

يحيلنا ما تقدم إلى حقيقة مفادها أن حضارة الإنسان تصنعها ثنائية التقارب والتصادم، ومن ثم استنباط العبرة ولو بعد فوات الأوان أي أن الملاحم عادة ما تخطها الضحايا، بدليل أن عقلانية الغرب بدأت تتعظ من روحانية الشرق.

ليست الحداثة اليوم، سوى المزيد من الذهاب نحو الآخر إلى حد الانصهار الذي تتلاشى فيه الملامح حين تلتقي المصالح. ساعتها، تضمحل الخصوصيات لتنتج ثقافة تنتمي إلى الجميع، وينتمي الجميع إليها بقدر ما تحققه من تواصل وتكامل، وحتى اختلاف.

مسرحية “عطيل” في ما تطرحه من مواضيع الحب والحرب والغيرة والخديعة والمؤامرة والتسرع والعنصرية، ما كان لها أن تأخذ هذه المكانة في تراث المسرح العالمي لولا حوار الثقافات الذي عناه شكسبير، وتأثر به في كتابة المسرحية نفسها، إذ يُعتقد أنها كتبت في سنة 1603 وهي مستوحاة من قصة إيطالية بعنوان “النقيب المغربي” كتبها سينثو، تليمذ جيوفاني بوكاتشو. ونشرت المسرحية لأول مرة في عام 1565.

خيوط المؤامرة

جبرا إبراهيم جبرا: "عطيل" ليس تحريفاً لاسم عربي كما ظنه خليل مطران

الشخصيات التي نسجت مأساة عطيل ومحنة ديدمونة هي ياغو النبيل البندقي، دوق البندقية، الدوق غراسيانو، أخو برابنسيو، لودوفيكو، نسيب برانسيبو ابن عم ديدمونة، مونتانو، سلف عطيل في ولاية قبرص، المهرج، الخادم، بالإضافة إلى جنود، مرسول، سفير، جار، خدم وموسيقيون.

ياغو، حامل علم القائد الأسود في جيوش البندقية عطيل، ذي الأصول المغربية والنسب النبيل أيضا (لننتبه.. شكسبير يبدأ بزرع الألغام كعادته منذ البداية). ياغو يفصح عن نواياه من المشاهد الأولى: إنه يسعى للانتقام من عطيل، ولا شيء غير الانتقام، حتى وإن كانت الأسباب مختلطة وضبابية وبعضها غير مقنع.

ياغو يحمل وجهين: وجه مطيع، وآخر يخفي حبّ الثأر والانتقام، ويخاف أن يحصل عطيل على ديدمونة ابنة أحد أعيان البندقية واسمه برابانتيو، ويعتمد ياغو في الوصول إلى غاياته على الدسيسة، وعلى معرفته العميقة بشخصية ضحيته (لاحظوا أننا نلاحق شخص ياغو وتحركاته مثلما يتابع المعلق الرياضي لاعبا نجما في الملعب).

ياغو لا تظهر عليه علامات الإنسان الشرير، ولا يعرف الارتباك، لا يعرف الخوف إلى قلبه طريقاً، وذو إرادة صلبة قوية لكنه شديد الحساسية لأي شيء يمس كبرياءه، لأنه يعي تفوقه على الآخرين، إنه يكره عطيل لأنه جعل كاسيو ملازمه، وهو أيضاً ينزعج من كاسيو لأن عطيل فضله عليه، وهو يرغب في الحصول على منصب يليق بإمكانياته الكبيرة، يتعاون مع رودريغو وهو وجيه من وجهاء البندقية، لا يرغب به برابانتيو زوجاً لابنته ديدمونة، فيبلغ ياغو ورودريغو والد ديدمونة أن عطيل يلتقي بها، ويتزوج عطيل ديدمونة لأنه أحبها وأحبته مثل أي أرستقراطي نبيل.

في غمرة انتصارات عطيل على جيوش الأعداء في قبرص، يختار ياغو الوقت المناسب لكسر جناح عطيل فيوحي إليه بأن امرأته تخونه، ويبدأ في البحث عن وسيلة يحاول فيها تخريب بيت عطيل بيد عطيل نفسه، ولأنه لا يستطيع تنفيذ المؤامرة بمفرده، يطلب من زوجته إميليا مساعدته، دون أن يشرح لها أنه يحيك خيوط مؤامرة، ذلك أنها امرأة بريئة وفاضلة.

ياغو يطلب من زوجته إميليا سرقة منديل زوجة عطيل، دون أن يشرح لها الأسباب. وهذا المنديل ذو مكانة خاصة، ورثه عطيل عن أمه، وله قيمة روحية. تسرق إميليا المنديل وتعطيه لزوجها ياغو الذي يرميه في غرفة كاسيو، بعد أن قال لسيده، وفي لغة شكسبيرية لا تخلو من كوميديا “إنني كنت منذ ليال أنام عند كاسيو (…) تبينت أن كاسيو يرى حلماً (…) سمعته يقول وهو مستغرق في رؤياه ‘حبيبتي ديدمونة لنكن حذرين ولنخف حبنا’ وحينئذ يا سيدي أمسك بيدي يشدها ويصيح يا لك من حسناء شهية ثم طفق يلثمني بقوة.. ثم ألقى بساقه على فخذي وتنهد وعانقني وصاح لعن الله الحظ الذي وهبك للمغربي الأسود”.

ويقول ياغو لعطيل إنّ كاسيو اعترف لـه بفعلته، واتفق وإياه أن يسمع حديثاً بينه وبين كاسيو ويكون عطيل مختبئاً، ووافق عطيل، وسمع الحديث الذي دار حول امرأة أخرى كان خليلية كاسيو، وظن عطيل أن الحديث يدور حول زوجته ديدمونة.

ويجند ياغو كل ما لديه من حس المؤامرة والخيال والقدرة على الإيذاء مع مختلف الأطراف، ولكل واحد طريقته في التعامل معه بحسب مداركه ومزاجه، إلى درجة أن متابع المسرحية يعجب بذكاء وفطنة ياغو بل قد يتعاطف معه بعضهم ويعذره فيغفر أفعاله المشينة بسبب قدرته الهائلة على الإقناع.

وفي هذا الصدد تناول مخرجون كثيرون شخصية ياغو بالطريقة غير المعهودة أي تصويره كمحور للشر المطلق، فالتمسوا له الأعذار، وأصبح بعد الإعداد، شخصية محببة وطريفة كما فعل المسرحي التونسي توفيق الجبالي قي قلبه للأدوار المعهودة والمستهلكة في إحدى مسرحياته التي حملت نفس العنوان.

الفضيلة لن تكتمل أبدا

هكذا يختار شكسبير الحب مضمارا لصراع الرغبات والغرائز والإغراءات ويلقي بشخصياته في مواجهة العواصف والأقدار

 

بالعودة إلى نهاية هذه المسرحية التي تعد من أنفس وأروع مآسي شكسبير، فإن عطيل يخنق ديدمونة بتهمة الخيانة مع كاسيو، ولكن إميليا زوجة ياغو تكشف الحقيقة لعطيل بأنّ المنديل هي أخذته وأعطته لزوجها دون أن تعلم أنه يبيت أمراً خبيثاً وإجرامياً.

يطعن عطيل نفسه حزناً على ديدمونة بعد أن استدرك وحاول قتل ياغو، لكنه لم يمت.. وهنا إشارة شكسبيرية ذكية في أن الشر يظل موجودا وينتصر غالبا على النوايا الطيبة في دلالة على أن الفضيلة لن تكتمل أبدا.

ولولا مأساوية وفظاعة هذه النهاية لما استمتعنا بمونولوغ النهاية الذي يقول فيه عطيل “رجل لم يعقل في حبه، بل أسرف فيه (…) رجل رمى بيده – كهندي غبي جاهل – لؤلؤة أثمن من عشيرته كلها، رجل درت عيناه دموعاً غزيرة كما تدر أشجار العرب صمغها الشافي..”.

وفي حوارية أخاذة تسبق الفاجعة، تقول له ديدمونة: ألتمس منك جاثية أن تقول لي ما معنى هذا الخطاب. أحسّ فيه الغضب ولكن الألفاظ لا أدرك معناها.

عطيل: أجيبيني من أنتِ؟ أقسمي على هذا واقضِ على نفسك بعذاب الآخرة إن لم يكن حقًا. إنك لتشبهين الملائكة شبهًا يخيف الشياطين من قبضك (…) أقسمي مرتين على حياتك الآخرة بأنك طاهرة.

ديدمونة: السماء تعلم عفتي بكل تحقيق.

عطيل: السماء تعلم بكل تحقيق أنك خادعة كجهنم.

ديدمونة: أواه من هذا اليوم المشؤوم! لماذا تبكي؟ أأنا مسبّبة هذا البكاء يا سيدي؟ إذا كنت تظن أن أبي كان الساعيَ في رجوعك فهل عليّ ملام؟ وإذا كنت قد فقدت صداقته فقد فقدتها أنا أيضًا.

هكذا ينتصر شرير واحد على جمع من الطيبين والأخيار هم ديدمونة، عطيل، كاسيو، وحتى زوجته إميليا وآخرين في رسالة واضحة المعاني، خطها شكسبير العبقري بشعرية فياضة، ودون نزعة عنصرية أو نيل من الإسلام، وذلك على عكس السائد في أدب عصره.

هكذا ومثل كل مرة، يختار شكسبير الحب مضمارا لسباق وصراع الرغبات والغرائز والإغراءات، يلقي بشخصياته في مواجهة العواصف والأقدار ثم يراهن على الحب فيربح الرهان، ولكن متأخرا.

ماذا لو لم تكن جريمة ياغو، كاملة، وترك خلفه ثغرة أو هفوة تدينه وتجعل عطيل يكشف أمره فينال عقابه ثم تعود ديدمونة إلى حضن زوجها، تبكي حانقة وهو يطلب منها أن تغفر له شكوكه واندفاعاته؟

الأموي الوليد بن يزيد، الذي أصر بعد موت عشيقته “حبابة”على البقاء إلى جوارها، وعدم إعطاء الإذن بدفنها إلا بعد أن بدأت جثتها بالتحلل.

ولعل الحالة الأقرب إلى عطيل في تاريخ الأدب العربي هي قصة الشاعر العربي ديك الجن الحمصي وحبيبته ورد التي قتلها بفعل مؤامرة محكمة التدبير ثم رثى نفسه ورثاها في قصائد تعيد تعريف الشعر بأنه أقصى حالات ندم الأسياد وانكساراتهم.

وفي هذا الصدد يقول الشاعر والناقد اللبناني شوقي بزيع، في مقاربة بين الشخصيتين، والذي لا يستبعد أن يكون شكسبير قد اطّلع على تلك المأساة من خلال التجار النشطين الذين كانوا يجوبون سواحل المتوسط في تلك الحقبة من الزمن “إذا كان شكسبير قد أحدث تعديلاً على المأساة الأولى، عبر دفْع بطله إلى الانتحار الجسدي، فإن العقاب الذي فرضه ديك الجن على نفسه، وقد استسلم لليأس والندم وإدمان الشراب، ليس أقل وطأة من الخيار الشكسبيري الذي وضع عبر انتحار البطل حداً سريعاً لمعاناته المؤرقة”.

ويمضي بزيع في مقاربته بأنه ليس أمراً بلا دلالة أن يختار صاحب “روميو وجولييت” لمسرحيته بطلاً داكن اللون قدم من المغرب إلى البندقية، ليصبح مع الوقت قائداً لجيوشها، وليحب ديدمونة ابنة أحد وجهاء المدينة.

رهانات النص

شوقي بزيع: عقاب ديك الجن ليس أقل وطأة من الخيار الشكسبيري

هذا الحب الذي ينضجه الاهتمام، تحرسه المشاعر المتقدة وتحرقه الغيرة، كان ولا يزال عبر التاريخ، مصيدة لذوي القلوب الرقيقة، وحقلا للمؤامرات والدسائس السياسية وغيرها.

اقترب منه شكسبير في “عطيل” كما لم يفعل في مسرحية أخرى، ذلك أنه وضعه في مواجهة المحك العرقي والعنصري والديني والثقافي، مستلهما ومستأنسا بخلفيات أنثروبولوجية ودلالية كمفردة المنديل وعلاقتها بالميثيولوجيا الشرقية والأفريقية في مواجهة الدسيسة التي وظفته لصالحها وانتصرت عليه، حتى أن من يقول “عطيل” تتراءى له صورة البوستر التي تمثل يدا خشنة سوداء، تمسك بمنديل حريري أبيض.

عطيل لم يترجل عن خشبات المسرح منذ ما يزيد عن ثلاثة قرون، وفي نسخ وقراءات مختلفة تحاور رائعة شكسبير بحسب منطق كل عصر، ولكن الفرنسي أرنو شوران عمد إلى قلب المعايير بجعل عطيل رجلا أبيض محاطا بأشخاص سود البشرة، دون أن تفقد المسرحية ثيمتها الأساس القائمة على التناظر بين الأقلية والأغلبية، رغم أن بعض النقاد رأى فيها خيانة للأصل.

ومع عودة العنصرية في الكثير من البلدان الغربية من بينها فرنسا بدأ جدل عام 2010 عندما عوّض الألماني توماس أوسترماير، مدير مسرح شاوبونه، عطيل بـ”بلاك” في الترجمة الخطية الفرنسية، والحال أن الترجمات المعروفة تصفه بالمغربي أو الأسود، وقد فسّر أوسترماير مسعاه بأنه من شأنه أن يلطف عنف العنصرية الكامنة في المسرحية، أي أنه اختار تجنب مواجهة رهانات النص.

أما المخرج لوك بلوندي فقد عهد عام 2015 بدور عطيل لممثل أبيض هو فيلبيب توريتون، بدعوى أنه لم يعثر على ممثل أسود جدير بذلك الدور، ولكن المشروع توقّف بوفاة المخرج، بعد أن أثار استياء أهل الصناعة من فنانين ونقاد وإعلاميين.

وثمة من المخرجين من اتبع خيارا آخر في السنوات الأخيرة، تفاعلا مع مقاومة الموجات العنصرية وتأكيدا على أن الإرث الشكسبيري، يتحدى كل العقد والحواجز، فأوكلوا الأدوار كلها إلى ممثلين سود، باستثناء عطيل الذي يتقمّص دوره ممثل أبيض، ما أحدث تغييرا في رهانات هذه التراجيديا. وقع تعويض العنصرية الأوروبية إزاء الشعوب الأفريقية، التي تحيل هزاتها التاريخية إلى قرون من الاستعباد والاضطهاد، وتم التركيز على رفض منطق الأقلية، مهما كانت، لأن كل فرد يمكن أن يكون وحيدا، أو منتميا إلى أقلية التي هي نفسه.

 

  • كاتب تونسي

 

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي