فيلم "أوهام ضائعة" لكزافييه جيانولي: عن سطوة الصحافة وألاعيبها

2021-09-16 | منذ 1 شهر

نسرين سيد أحمد

ربما يجدر بنا الحياد والموضوعية في تناولنا للسينما والأفلام، لكن أحيانا ندخل قاعة العرض دون توقعات مسبقة، فنجد أنفسنا أمام فيلم تطرب له عقولنا وتنبهر به أبصارنا، ونخرج من الصالة بعد انتهائه لنرجو لو عاودنا مشاهدته مجددا.

هذا هو حالنا مع فيلم «أحلام ضائعة» للمخرج الفرنسي كزافييه جيانولي، الذي ينافس على الأسد الذهبي في مهرجان البندقية السينمائي (من 1 إلى 11 سبتمبر/أيلول الجاري).

يتصدى جيانولي في الفيلم لمهمة ليست باليسيرة، فقد أخذ على عاتقه تحويل رواية للأديب الفرنسي أونوريه دو بلزاك بالعنوان نفسه إلى فيلم بليغ، بديع بصريا.

تدور أحداث الفيلم في القرن التاسع عشر، لكن جوهره والقضية التي يناقشها آنية وعاجلة وضرورية تماما، فالفيلم عن ألاعيب الصحافة وزخرفها، عن دهاليزها الداخلية وعما يدور في أروقتها، عن فسادها وتلونها، عن قدرة البعض على شراء الصحافة بالمال، وعلى السطوة البالغة للصحافة، حيث يمكنها ببعض مقالات أن ترفع هذا إلى أوج المجد والشهرة، وأن تُسقط ذاك إلى هوة الفشل والدمار.

«أوهام ضائعة» فيلم نُسج بحرفية عالية وينداح على الشاشة كقصيدة بصرية تبهرنا تفاصيلها، ويناقش قضية ذات أهمية بالغة، ولهذا نجده فيلما على قدر كبير من التميز والتفرد.

يتناول الفيلم أعوام الشباب وسطوة الأحلام والآمال في حياة شاب رقيق الحال من الريف الفرنسي، يُدعى لوسيان دو روبانبريه (بنجامان فوازان) يؤلف الشعر ويعمل في مطبعة صغيرة، ويحلم بمستقبل أدبي زاهر، وبالشهرة وبالاعتراف بموهبته في الأوساط الأدبية الرفيعة في العاصمة باريس.

يظن لوسيان أن طريقه إلى المجد يسير، خاصة بعد أن افتتنت به امرأة من أسرة ثرية نبيلة، وأخذت على عاتقها أن تضعه على الطريق.

يستثمر الشاب الغرير، الذي ما زال مدفوعا بالكثير من سذاجة الشباب وآمالهم العريضة، كل مدخراته من المال في طبعة أنيقة لقصائده، وفي ثياب يظنها على أحدث الصيحات في الثياب وأرقاها، ويغادر قريته الصغيرة إلى باريس، تلك المدينة التي تتراءى كحلم للكثيرين، والتي يأتي إليها آلاف الشباب مثل لوسيان تحدوهم آمال كبيرة، تلك المدينة التي تتصارعها التيارات الفكرية، والتي لا تهدأ مجالسها الأدبية والاجتماعية، والتي تغص مسارحها بكل صنوف الفن، نفيسه وغثه.

يضعنا جيانولي بصنعة سينمائية بليغة وسط أجواء باريس تلك، بشوارعها التي تغص بالنبلاء والشحاذين، بالأنيقين والمتأنقين، بأصحاب الموهبة الحقة والمدعين.

لكن الأمر الذي لا جدال فيه للجميع في باريس هو سطوة الكلمة، فيمكن لكلمة قيلت في جمع من المتنفذين وأصحاب السطوة الاجتماعية، أن تمنح الشهرة والاعتراف الأدبي والاجتماعي لأحدهم، كما يمكنها أن تجرفه مع النفايات التي تغص بها الشوارع الخلفية الفقيرة للعاصمة. ويدرك لوسيان سطوة الكلمة، عندما يدخل عبر معارفه وصداقاته الجديدة أروقة الصحافة.

يدرك أن ديوانه للشعر يمكن أن يغدو تحفة أدبية إذا كُتبت عنه مقالات تؤكد ذلك، ويُدرك أن الثناء يُمكن شراؤه، ويدرك أن ذيوع الكاتب يأتي بسطوة أعدائه ومحبيه، فمقالات الهجاء الأدبي تثير شهية القراء وفضولهم، كما أن مقالات المديح والثناء تدفعه لقراءة العمل. وتعلم الصحف سطوتها، ويعلم الصحافيون أنهم يمتلكون المصائر بكلماتهم.

لا نزاهة في عالم الصحافة هذا، والصحافي الماهر هو الذي يحصل على أكبر قدر من المال ممن يطلبون منه أن يغدق عليهم المديح، أو ممن يريدون أن يتخلصوا من أعدائهم عبر النقد اللاذع. الصحافيون في «أوهام ضائعة» سلعتهم الكلمة، التي يعرفون كيف تصاغ بأسلوب بليغ، لتباع لمن يُقدم السعر الأعلى. يكتشف لوسيان أن لغته البليغة وصنعته اللغوية الأنيقة تصلح لأغراض أخرى خلاف الشعر.

يدرك وسط تحد للكتابة وُضع فيه، أن قلمه يمكن أن يخط من مقالات الهجاء ألذعها، ومن مقالات الثناء أرفعها. وهكذا تبدأ رحلة لوسيان في عالم الصحافة، رحلة وجد أنها تبشر بالمزيد والمزيد من الشهرة والمال والسطوة، ليكتشف لاحقا أن ما تأتي به الكلمات يمكن أيضا أن تطيح به الكلمات.

ربما لا يٌقاس العمر بالسنوات، بل بعمق وكثافة هذه السنوات، وما تحمله من خبرات وتجارب.

ونحن إذا نظرنا إلى أيام لوسيان الباريسية لوجدنا أنها تحمل من الخبرات والتجارب ما يكفي لعمر كامل. يخبر لوسيان أوج الشهرة والمجد كصحافي، ويعرف المال الوفير طريقه إلى جيبه، وبدلا من بيته الريفي المتواضع يسكن في الدور الأنيقة المؤثثة بفاخر الأثاث.

لكن الكلمات التي يجيد صنعتها التي رفعته إلى الذرى، لا تلبت أن تطيح به وتهدر جميع أحلامه.

تتبدل الولاءات الصحيفة، وتنتقل الصحيفة التي يعمل به من يد إلى يد، ومن ولاءات سياسية واجتماعية بعينها، إلى ولاءات سياسية واجتماعية مناقضة تماما. ويضيع لوسيان وسط تبدل الولاءات ووسط الفساد المستشري في عالم الصحافة.

يمتد الفيلم نحو ساعتين ونصف الساعة، لكنها من فرط انغماسنا في الفيلم وأجوائه تمضي كما لو كانت طرفة عين.

لا نشعر برتابة أو ملل، ونشعر بأننا إزاء عمل تتضافر فيه كل العناصر من الأزياء إلى الديكور إلى التمثيل إلى السيناريو وتجتمع تحت إمرة جيانولي وإدارته لينجز فيلما قلما تجود بمثله السينما.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي