بلاد النوبة الوريث الفني للفراعنة

2021-09-06 | منذ 3 شهر

 النوبة لها طراز فني خاص

محمد الحمامصي*

تشكل أصالة الإبداع الفني النوبي جزءا لا يتجزأ من حضارة قديمة عريقة لا تزال تلقي بظلالها على مختلف فنون هذه المنطقة. فبلاد النوبة هي المنطقة التاريخية الممتدة على طول نهر النيل من الشلال الأول جنوب أسوان شمالاً إلى جنوبي التقاء النيلين الأزرق والأبيض جنوباً. و فنون هذه المنطقة لاتزال حاضرة إلى اليوم في مختلف المجالات الفنية كالموسيقى والأدب والعمارة وغيرها.

كانت بلاد النوبة مقراً لواحدة من أقدم الحضارات في أفريقيا القديمة، وهي حضارة كرمة التي استمرت من حوالي 2500 قبل الميلاد حتى غزوها من قبل المملكة المصرية الحديثة تحت حكم تحتمس الأول حوالي 1500 قبل الميلاد، حتى تفكك المملكة نحو 1070 قبل الميلاد.

كانت النوبة موطنًا للعديد من الإمبراطوريات القديمة، منها مملكة كوش التي غزت مصر سنة 727 قبل الميلاد في عهد بعنخي وحكمت البلاد باعتبارها الأسرة الخامسة والعشرين حتى نحو 656 قبل الميلاد.

ووفقا للباحث عثمان الأمير في كتابه “الإبداع الفني والأدبي في بلاد النوبة” فإنه على الرغم من كل ما شهدته تلك البلاد من أحداث على مدار تاريخها ظل التراث الحضاري والثقافي لدى أهلها صامدا، حيث حافظ الشعراء والكتاب والفنانون بصفة عامة على ذلك التراث بل أدخلوا عليه الجديد وزادوا فيه.

الموسيقى النوبية

    الموروث الفني النوبي القديم يسجل للمرأة النوبية إنتاجها الإبداعي، حيث هُيِّئت لها ظروف صالحة لتفجير طاقاتها

يستعرض الأمير في كتابه جوانب مهمة تشكل خصوصية تلك البلاد وخصوصية ما قدمته من آداب وفنون وشعر وطرب وغناء، كما يتوقف عند أبرز المشاهير الذين خرجوا من النوبة والشخصيات التي أثرت ثقافتها وحافظت على تراثها وعاداتها وتقاليدها ومعارفها.

حيث يلقي الضوء على أهم إنتاجاتهم، ففي الموسيقى يذكر حمزة علاء الدين وأحمد منيب وفكري حسين سالم، وفي الغناء يستحضر محمد منير وعلي كوبان وبحر أبوجريشه ومحمد حمام وحسن جزولي وخضر العطار وصالح عباس، وفي الفنون يذكر أحمد عثمان وحسن فخرالدين ومحمد الأدندلني وفتحي حسين.

ويرى أن الموسيقى النوبية تتميز عن غيرها من الموسيقات العربية بكونها امتدادا للموسيقى المصرية القديمة خماسية النغمات، وتذكر بعض المصادر أنها تعود منذ القدم إلى عهد كوش بن حام.

وتتكون هذه الموسيقى بشكل عام من النغم الذي يحدد اللحن والإيقاع وتعتمد على نغمات السلم الخماسي الذي تلتقي فيه مع الموسيقى الأفريقية وموسيقى الشرق الأوسط، ويتكون السلم الخماسي من خمسة أصوات مختلفة.

وفي السلم الموسيقي يكون الفراغان على الدرجتين الرابعة والسابعة، وهو ما يطلق عليه اسم “السلم الخماسي الطبيعي” الذي يعد من أشهر السلالم وأوسعها انتشارا وتداولا. أما الإيقاعات النوبية فهي ليست مجرد نقرات يقوم بأدائها العازف بل عادة ما تصاحب بأداء حركي.

ويشير الأمير إلى أن الإيقاعات الأساسية النوبية تشمل: الكومباكاش، والكيتشاد، والله ليه لي “والذي يسمى أحيانا بالإيقاع الكنزي”، وهناك أولن أراجيد أي رفصة الكف، وإيقاعات أخرى مثل السكي، وهُل.. هُل، وفيري.

وقد عرفت الموسيقى النوبية عددا من الآلات أقدمها ما أطلق عليه اسم “الصفارة” التي يتم العزف فيها عن طريق النفخ، ثم الربابة ذات الوتر الواحد، وهناك آلة الطمبور “كري أوكيسر” وهي آلة وترية كذلك، ثم آلة العود التي دخلت عليها في القرن العشرين. كما أُدخلت آلات البند العربي مثل الأورج والغيتار، وبالتالي أصبحت الموسيقى مهجّنة، فانتشرت الأغنية والموسيقى النوبيتيْن وإيقاعاتهما بلهجتيْهما النوبيتين.

 

ويوضح أن من سمات الغناء النوبي أنه يعتمد على مشاركة الكورس المكون من الرجال والنساء والأطفال، أما لحن الغناء فيتكون من خط أساسي ميلودي واحد، ولكن يؤدى على إيقاعات متعددة “مناطق صوتية”، ومعظم الغناء النوبي تصاحبه الرقصات ونقرات الكف، والتي تتميز بالسينكوب والسكتات والتداخل الإيقاعي، وهو ما جعل المجتمع النوبي قادرا على أن يخرج للعالم عددا من أشهر الفنانين الذين يتميز غناؤهم باللون النوبي ومذاقه الحلو المميز مثل محمد حمام ومحمد منير.

وحول الطراز الفني للنوبة القديمة يشير الأمير إلى أن النوبة القديمة كان لها طراز فني لكل فن من فنونها الشعبية يمثل خلاصة كل مراحل تطور منطقة النوبة خلال الثقافات المتعددة، ولكن بالرغم من وجود هذا الطراز الواحد فإن بعض الخصائص المميزة لمناطق النوبة الثلاث تبدو واضحة، حيث هناك الكنوز والفادجة والعرب، وهو ما جعل لكل مجموعة سكانية من هذه المجموعات الثلاث خصائص مميزة لمدرستها الفنية.

وبعد أن تم تهجير النوبيين أربع هجرات متباعدة ما بين أعوام 1902 (وهو العام الذي شهد إنشاء خزان أسوان) وبين عام 1964 (وهو تاريخ إنشاء السد العالي) أدت تلك الهجرات إلى إحداث تغييرات في الفنون والحرف النوبية، ولم تعد -في ظل الظروف الجديدة التي وجد فيها المجتمع النوبي- هناك قدرة على الاستمرار في الإنتاج بنفس الثراء والجودة السابقيْن.

ويؤكد الأمير أن الموروث الفني النوبي القديم يسجل للمرأة النوبية إنتاجها الإبداعي، حيث هيأت لها العديد من العوامل الجغرافية والبيئية والمجتمعية التربة الصالحة لتفجير طاقاتها الإبداعية، فهي مرتبطة بخيوط التقاليد الحضارية الموروثة من البيئة التي تعيش فيها، وأفكارها نسيج من معتقداتها وعاداتها وقيم مجتمعها.

فالنوبة تتميز بالثراء في الزخارف والألوان والملابس التي تعتمد على تنوع أساليب الأداء والخامات التي نفذت منها المشغولات، وبخاصة أشغال أطباق الخوص والعناصر الزخرفية الجدارية في العمارة.

العمارة والأدب

"الإبداع الفني والأدبي في بلاد النوبة" كتاب يستعرض جوانب مهمة تشكل خصوصية تلك البلاد وخصوصية ما قدمته من آداب وفنون وشعر وطرب وغناء

يضيف الأمير أن العمارة النوبية تتميز بالثراء الفني التشكيلي الذي يعتمد على استخدام الوحدات الزخرفية البارزة والغائرة في الواجهات التي تقوم أساسا على تكرار الوحدات الزخرفية الهندسية المجردة جانبي مدخل البيت وأعلاه، وتستخدم الأطباق المصنوعة من الخزف الصيني -والتي تحتوي على زخرفة ملونة أصلا- في

تزيين الواجهات التي تخلو من النقوش. كان أسلوب الرسم والزخرفة في النوبة القديمة مميزا ويقل أهمية في العمارة في الجنوب، ويرجع ذلك إلى الطبيعة بألوانها الجميلة النابضة بالحياة، بينما انتشرت الرسوم والزخارف في الشمال وتنوعت وازدهرت من ناحية التفاصيل والألوان.

ويتابع “لتلوين المساكن استخدم النوبيون الأكاسيد الطبيعية المتوفرة بالبيئة كالأكسيد الأحمر والأصفر، ومن المعروف أن وحدات الزخرفة قد كثرت في مداخل البيوت، بينما اكتفت الأبواب بزخرفتها على تكرار وحدة المثلثات”.

ويضيف “من المعروف أيضا أن الوحدات الزخرفية تمثل الزهور وأصص الزرع والفاكهة والبواخر والنخيل والمراوح والأسماك والحيوانات الأليفة والسباع، والعرائس والنجوم والآلهة، وهناك المعلقات والثعالب وأطباق الخوص والأبراش، وهناك في المنطقة الوسطى تأثرت العمارة النوبية بالعمارة الفرعونية والأعمدة والمعابد الفرعونية والرسوم والنقوش التي تمثل أصص الزرع والطيور والنجوم والحيوانات والنخيل والماء والأفاعي

والأحجية، أما الزخرفة في الجنوب فإنها تقتصر على تكرار عدد من الأطباق الصينية وكثرة الزخارف البارزة الملونة بلون واحد (الأبيض مثلا) وأصفر الزهر والأخضر وأزرق الزهرة والبني ورسوم السباع وطائر البجع وكتابات الآيات القرآنية. والزخارف تعتبر من الأعمال التي تقوم بها النساء في المنازل وهن اللاتي يتابعن في هذه التقاليد، وهناك زخارف الزواج والأفراح والولادة والأعياد”.

ويتوقف الأمير عند الأدب النوبي، وأبرز أسمائه محمد خليل قاسم ويحيى مختار وإبراهيم فهمي وحجاج أدول وإدريس علي وحسن نور وعبدالرحمن محمد عوض ويوسف سمباج وغيرهم، مؤكدا أنه الأدب الذي عرف عنه أنه أدب بطعم البكارة، ويقول “ما كتبه الأديب محمد خليل قاسم في روايته المشهورة ‘الشمندورة‘ يعتبر دليلا، حيث كانت أيقونة الأدب النوبي التي أصبحت علامة من علامات الأدب الإنساني. كذلك عبرت المجموعات القصصية للأديب يحيى مختار عن قدرة ذلك الأدب على التقاط التفاصيل الدقيقة للحيلة النوبية”.

ويرى أن الأدب النوبي يمتد بجذوره العميقة ليعبر عن قطاع إنساني مشترك مع بقية البشر أجمعين ويكاد يصل إلى مدار الأدب العالمي. إن الأديب النوبي يحيى مختار يرى أن الأدب النوبي هو الذي كتب باللغة النوبية، بينما يرى الأديب حجاج أدول أن اللغة بند مهم من بنود الأدب، لكنها ليست البند الوحيد فالأهم في اللغة صبغة العمل الأدبي الأساسية.

وفي ستينات القرن الماضي اتخذ الأدب النوبي الواقعية الاشتراكية منهجا تحت التأثير السائد في مصر وقتها. وكانت أهم موجات الأدب النوبي وأجودها هي الموجة الثالثة التي ظهرت في عام 1989 وبدأت بالمجموعة القصصية “القمر بوبا” لإبراهيم فهمي.

ولم يقتصر دور الأديب النوبي على الكتابة الفنية فقط، بل كانت له أدوار متعددة؛ فقد شارك في الاجتماعات والندوات والمؤتمرات الشعبية. وله أيضا دور مهم مع الآخر غير النوبي بتعريفه على أعماق الإنسان النوبي وتصحيح المفهوم الكاريكاتيري الخاطئ عنه، وله دور تجاه المجتمع النوبي نفسه إذ يعرف بماضيه المجيد ويدافع عن القضية النوبية.

ويلفت الأمير إلى أن معظم شعراء النوبة قد التزموا بالقافية والبعض كان لا يلتزم بذلك، وكان البعض يكتب القصيدة العمودية التقليدية والسياسية والعاطفية، وهناك تنويع في القوافي بدلا من القافية الواحدة، وحاول الشعراء خلق أنغام جديدة أقرب إلى الأغاني والموشحات التي تقوم على تنويع العروض داخل القصيدة الواحدة،

وخلط الأبيات كاملة التفاعيل بالأجزاء، مع الحرص على وحدة البحر الشعري في القصيدة الواحدة، ومن هؤلاء الشعراء نذكر المؤرخ الشاعر محمد عبدالرحيم إدريس ذلك الشاعر والمحامي الذي انخرط في الحركة الأدبية والثقافية النوبية.

 

  • كاتب مصري

 






كاريكاتير

إستطلاعات الرأي