مسلسل الخيال العلمي «المئة» (100 THE): خيارات الإنسان وخطاياه المتكررة

2021-09-01 | منذ 2 شهر

 رامي أبو شهاب*

لا يبدو مسلسل مئة الذي انتهت أجزاؤه السبعة، مجرد عمل فني قوامه متخيل علمي يستهدف تحقيق أكبر قدر من التسلية للمشاهد، الذي لا يعلق بإغواء المؤثرات البصرية، أو الحبكات المتعددة القائمة على التشويق، على الرغم من امتداد المسلسل عبر حلقاته الطويلة، حيث يبلغ زمن الحلقة الواحدة حوالي 40 ـ 60 دقيقة، ولكن تتأتى أهمية المسلسل من قدرته على نقد إحدى أهم النظم المحورية في الوجود البشري، ونعني الرغبة

بالسيطرة، أو السلطة، التي تبدو جزءاً من رحلة الإنسان لتجاوز هذا القدر الذي ينتج عن فكرة فلسفية تتصل بالنظام، وقدرته الفائقة على الهيمنة، كما استغلال الآخر، عبر تمكين النخب للاستئثار بهامش مربح لرفاهيتها، كما ديمومة وجودها عبر استغلال الإيمان الذي يميز العامة تجاه المؤسسة والأيديولوجية، فكما يذكر الكثير من النظريات فإن الإنسان يعد جزءاً من تمكين النظم الأيديولوجية التي يستغلها النظام لتصبح أحد أهم أدواته.

ذرائعية الوجود

ينهض المسلسل الذي انتهى عام 2020 ـ اقتبس من كتاب كاس مورغان (المئة) ـ على مركزية شائعة، أو منتشرة لدى صناع السينما والدراما، ونعني نهاية العالم Post-Apocalyptic Science Fiction، إذ تبدأ الأحداث بعد 97 سنة من نهاية حرب نووية، إذ توجد ( 12) سفينة فضائية تتشكل ضمن مركبة واحدة ضخمة تسمى «آرك» تجوب الفضاء على متنها (2400) شخص يقودهم المستشار «جاها» ولا يخفى على

القارئ الإحالات الرمزية لعدد السفن الفضائية، أو دلالة اسم المركبة الأم، بوصفها أقرب إلى سفينة نوح، حيث تحمل على متنها الناجين من البشرية بعد الانقراض، في حين يطلق على المستعمرة الأرضية اسم (أركاديا) التي تحيل إلى دلالة التناغم والنقاء، وهي تعني بيت الإله في الثقافة اليونانية الأسطورية.

تبدأ سلسلة الأحداث حين ينتج خلل تقني يحول دون توفر سبل الحياة على السفينة الفضائية، مما يضطر القادة لإرسال مجموعة إلى كوكب الأرض من الشباب بعد أن اتهموا بمخالفات على السفينة، مع العلم بأنه كان يوجد قانون ينص على أنه من يرتكب أي مخالفة سوف يلقى به إلى الفضاء باستثناء الأطفال والمراهقين، وهكذا

تتشكل هذه المجموعة من فئة الشباب الخارجين على القانون، ولعل الملاحظ هنا، أن فلسفة هذا الفعل تجعلنا نستحضر ما كان شائعاً لدى أوروبا في القرنين السابع عشر والثامن عشر من ممارسة نقل المجرمين والحمقى والمجذومين إلى المستعمرات، أو العالم الجديد للتخلص منهم، كما أشار إلى ذلك ميشيل فوكو في معرض تحليلاته لخطابات الجنون والعقاب في عدد من كتبه.

تتولد المقاصد الدلالية حين يتوجه الخطاب الدرامي ضمن مسارات تبدو للوهلة الأولى قائمة على منطق التنازع، ولكنها في الحقيقة تتصل بمعنى الهيمنة، الاستغلال، كما ممارسة النفوذ والسلطة، وبين تلك المستويات تبقى العلاقة الإنسانية دائماً على المحك، حيث تختبر مرارا وتكراراً، وهنا يبقى الأكثر محورية ليشمل حلقات المسلسل كافة، ويتصل بما نتخذه من قرارات مصيرية.. فهل تنتج لأننا نرغب فيها؟ أم لأنه لا يوجد لدينا خيار

آخر! ولاسيما حين يتعلق الأمر بفكرة البقاء، أو النجاة؛ ولهذا تتكاثر الجمل الحوارية بخصوص هذا الشأن في الكثير من الحلقات التي تتوقف على مناقشة معنى الاختيار، وهو تساؤل عميق يتصل بفلسفة الوجود، بخاصة حين يتعلق بالإرادة الحرة للإنسان، فهل الإنسان ملزم بأن يدافع عن وجوده ضمن مبدأ البقاء للأقوى، أو ينتج عن مفهوم الانتخاب الطبيعي؟ هي أسئلة بدت محورية عبر شخصية «كلارك» – التي تؤدي شخصيها إليزا

تايلور وتلخصت وظيفتها الدرامية بعكس دلالة تلك الأسئلة، ولاسيما من لحظة نزولها على الأرض للبحث ضمن تجربة جمعية لاختبار الأرض، بوصفها كوكباً صالحا للحياة، بعد أن تبددت مقوّمات الحياة نتيجة الحرب، أو الأسلحة النووية التي قضت على جميع أشكال الحياة الطبيعية.

آلهة زائفة

مع هبوط مجموعة الشباب على كوكب الأرض، نشاهد اصطدم هذه المجموعة مع السكان الذين نجوا من الحرب النووية، ويطلق عليهم اسم «الأرضيين» وهناك أيضاً مجموعة أخرى تسكن الجبل، وهم من الذين تمكنوا من عزل أنفسهم في أقبية تحت الأرض، وكانوا جزءاً من الصراع لرغبتهم في الإفادة من دماء الشباب

الذين هبطوا على الأرض، كي يتمكن سكان الجبل من الخروج من مستعمرة معزولة كلياً عن الخارج، بداعي تحولات بيولوجية نتيجة الحرب، في حين توجد مجموعات أخرى كانت تقيم في كواكب أخرى، وعلى الرغم من تعقيد العمل، وتعدد مستوياته، غير أنه يعتمد نمطاً أو نسقاً ما، في كل جزء من أجزائه، حيث يتمحور العمل على مواجهة الآخر، مع محاولة البحث عن قواسم مشتركة للتعايش، وبناء تحالفات متعددة تجنب الإنسان مصير

الفناء، فالصراع يعدّ مركز العمل، وثمة دائما قطاع دلالي قوامه وجود نخبة مهيمنة (سلطة) تتحكم في الآخرين، انطلاقاً من تكريس وهم التفرد، مع محاولة بناء منظومة ولاء تعتمد ترسيخ فكرة الإيمان بقدرة السلطة أو القادة على توفير سبل النجاة، في ظل الظروف الاستثنائية التي تحكم البشرية، خاصة مع هذا

الانقراض الجمعي للبشر، حيث نرى في كل جزء ظهور نموذج متسلط، بمن في ذلك «كلارك» و«أوكتافيا» والأخيرة تبتكر فكرة أكل لحوم البشر الخارجين عن القانون للحصول على البروتين، في ملجأ تحت الأرض بعد التدمير الثاني للأرض.

يعتمد المسلسل في كثير من مقاصده على نزعات الخيانة والصداقة والعائلة، والحب والتضحية، وتبدّل قيم الإنسان تبعاً للمواقف التي تحكم تصرفه، وهنا تبرز شخصية «كلارك» وباقي الشخصيات الأخرى، ضمن سياق تقديم التضحية بالآخر أو العدو من أجل ديمومة الأنا، ومن ننتمي لهم، وربما تعد «كلارك» – بطلة

المسلسل نموذجا للقائدة التي تتخذ قرارات مصيرية قد تجعلها في كثير من الأحيان تتساءل عن مرجعيتها الأخلاقية، خاصة حين تسهم في القضاء على الكثير من أفراد المجموعات المنافسة ضمن مسوغات الدفاع عن قومها.

يتكئ المسلسل على أن الإنسان يخلق أوهام السلطة، ويؤمن بها، ولكن لا بد من أجل تمكين هذا النهج، من المسارعة إلى ابتكار وعي ديني زائف، من أجل احتكار السلطة، وحصرها في فئة قليلة من الأشخاص، وهو ما تمثله الشعلة أو بمعنى آخر الوعي الرقمي، الذي يمكن نقله من شخص إلى شخص آخر، فالجسد ما هو إلا

وعاء للوعي الذي يحتكر معرفة التاريخ والحقيقة والتفسير لما يجري، ومن هنا فإن فكرة الإيمان بهذه الشخوص أو (النخب) قد وصل إلى حد التقديس، على الرغم من أنها آلهة زائفة، وعلى ما يبدو فإن المسلسل يتعمّق في مناقشة تكوين المنظومات السلطوية التي تستهلك الإنسان، حيث يسعى للكشف عن زيفها، ففي النهاية فإن تمكين هذا الوعي، قاد إلى حروب أفادت منها السلطة، أو رأس المال فقط، وهنا تبدو التقاطعات الفلسفية جزءاً من

تشكيل البناء القائم على العلم، حيث يظهر الكثير من الحقائق، كلما ما مضينا في متابعة الصراعات التي تحكم هذه المجموعات التي لا تتقاسم سوى فلسفة واحدة، تتمثل بمحاولة تسخير الآخرين من أجل البقاء، فلا جرم أن تتكرر مفردة (النجاة) في ثنايا الخطاب الدرامي، ونماذج الحوار التي يزخر بها المسلسل، حيث يبدو التبرير جزءاً من تكوين الإنسان العميق في محاولة ترجمة مقولة البقاء للأقوى.

نسق الخطيئة

لا يمكن أن نتجاهل الإطار الفلسفي المتصل بموقع الإنسان من البيئة، وهنا نقصد الكرة الأرضية، التي تتعرض لتدمير كامل نتيجة الأسلحة النووية، وعلى الرغم من أن المجموعة العائدة تمتلك فرصة أخرى للحياة على الأرض عند النزول الثاني إلا أنها لم تتعلم من الدرس، إذ تسهم مرة أخرى في فناء الكوكب نتيجة الصراعات التي لا تنتهي، وبقاء بعض المفاعلات الأرضية التي تعرضت للإهمال.

إن رمزية هبوط الناجين من سكان المركبة الفضائية، يبدو لنا قريب الصلة بمبدأ وجود الإنسان، أو هبوطه على الأرض، ولكنه سرعان ما يرتكب الجريمة تلو الجريمة، ويبدأ شيئاً فشيئاً في تدمير هذا الكوكب، والقضاء على أشكال الحياة، كما التنوع الذي يميزها، حيث نشاهد الخراب والدمار والموت وانقراض الحيوانات في صورة بصرية، تعمد إلى إبراز الظلال الباهتة لكوكب الأرض، وهيمنة اللون الرمادي، والفراغ، ولعلها معضلة التدمير

الذاتي الذي لا يمكن للإنسان أن يتجاوزه، على الرغم من تطوره، وهنا نخلص إلى أن مبدأ التطور الذي يقود أوهام الإنسان نحو التقدم وتحقيق نوع من اليوتوبيا، إنما هو في الحقيقة مسار نحو الفناء الحتمي، بل إن هذا الداء ينتقل للكواكب الأخرى التي يوجد فيها قدر بسيط من صلاحية الحياة.

يتميز المسلسل بنمط إخراجي محكم، حيث أسر المشاهد، وعدم ظهور ترهل في معظم الأجزاء، وهذا يعود إلى القدرة على خلق توليفة متناغمة بين الحبكات تتمحور حول محورية فعل الفناء أسبابه ونتائجه، حيث تتضح معالم كل شيء في الجزء الأخير.

كما يتميز المسلسل بجودة تكوين المشاهد والمؤثرات البصرية التي بدت على قدر كبير من الصدق على مستوى تخيّل العالم ما بعد الفناء، أو بعد أن يتعرض للتدمير، مع رسم صيغ الحياة في الفضاء، ومن الملحوظات التي تتصل بأحد مستويات المسلسل؛ نقد منظومة الذكاء الاصطناعي، فالحرب النووية كانت بفعل الذكاء الاصطناعي «آلي» الذي طور قناعة بأن عدد سكان الأرض قد ازداد ليمسي عبئاً، فيقرر ضمن مبدأ منطقي ضرورة

التخلص من البشر، فكان لا بد من إطلاق الفناء، بالإضافة إلى أن الذكاء الصناعي قد أوجد الشعلة، أو الوعي الرقمي للحفاظ على بقاء الإنسان من خلال نقل الوعي، وعلى ما يبدو، فإن هذا النهج يسعى لأن يقيم خطاباً تنبؤيا بمسارات الإنسان وأوهامه.

ومن المسائل التي تبدو على قدر كبير من الإثارة ما يشهده الجزء الأخير من فكرة البحث عن الطور الأخير من النهاية الكونية، التي كان يعتقد بأنها الحرب الأخيرة، ولكنه كان فعلاً اختبار إلهياً لمحاسبة الإنسان على خطاياه، وهنا نرى «كلارك» ومجموعتها (الأصدقاء) بعد هذا الاختبار قد فضلوا العودة إلى الأرض كخيار،

ولكن دون أن ينتج عن ذلك أي شكل من أشكال الحياة المستقبلية للتكاثر، أو بناء الحياة من جديد بوصفه عقاباً؛ ما يعني أن الإنسان سيبقى أسير البحث عن الإرادة الحرة، على الرغم من النتائج الكارثية.

 

  • كاتب أردني فلسطيني

 

 

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي