في ذكراها الـ 85.. صاحبة نوبل "جراتسيا ديليدا" زهرة سردينيا المتمردة

2021-08-16

 جراتسيا ديليدا

مها شهبة

مثل كثير من الفائزين بنوبل، خصوصا في مجال الأدب .. حاولت جراتسيا ديليدا أن تجعل ذلك اليوم من عام 1926 كغيره من أيام العشرينيات في العاصمة الإيطالية روما... كلمة واحدة خرجت من فمها مفعمة بمشاعر متداخلة، أعقبها علامة تعجب.. "حقا؟!"، ثم  هربت  إلى مكتبها، في محاول استباقية للحفاظ على روتين إبداعها اليومي، والذي كان يعاني الكثير من التهديد بالفعل، حيث تعيش في منزل مزدحم مع زوجها وأبنائها وإبنة أختها.

كانت ديليدا تسير على الجدول الزمني نفسه يوميا: إفطار متأخر، وساعتان للقراءة، ثم وجبة غداء تليها قيلولة قصيرة، وأخيراً بضع ساعات من الكتابة في فترة ما بعد الظهر. وعندما تجلس إلى العشاء وقد كتبت أربع صفحات فقط .

الغراب وموسوليني

لكن كانت هناك توقعات كثيرة من أول امرأة إيطالية تحصل على الجائزة، وكانت ديليندا تفهم ما يعنيه ذلك جيدا. كان قد مر عام علي نهاية الحكم الديستوري في اطاليا علي يد موسوليني الحكم الذي دشن الفاشية في نسختها الايطالية  .

ولم تكن ديليدا قد ذهبت إلى شمال أوروبا أبدًا، لكن "الدوتشي" أوضح أنه يتوقع منها عند عودتها من ستوكهولم حاملة  جائزة توبل للأب في العام ١٩٢٦، أن تحضر احتفالا رسميا على شرفها. موسوليني، الذي سجن العديد من صديقاتها والعديد من مواطنيها، أراد أن يهديها صورة له، موقعة بعبارة “مع عظيم تقديري".

وهكذا سمحت الكاتبة  الإنطوائية لحشود من الصحفيين والمصورين والمهنئين بالدخول إلى منزلها في اليوم التالي.. وبدت هادئة وكريمة، أو على الأقل متسامحة مع الإزعاج الذي حدث. لكن غرابها الأليف الذي تربيه "تشيتشا" كان منزعجا بشكل واضح بسبب الضجة، واندفع محلقا فوق الحشود باحثًا عن غرفة خالية. حينها سارعت ديليدا بإخراج الجميع، وهي تقول: "إذا كان تشيتشا قد اكتفي ولم يعد يحتمل.. فأنا كذلك".

في الوقت الذي حصلت فيه ديليدا على نوبل، وكانت في السادسة والخمسين من عمرها آنذاك ، أدركت أن الاهتمام يشكل خطرا بالنسبة لبعض الناس، وربما كان مدمرا. وكانت الشخصيات التي تتسم بالتطرف، سواء بوعي أو بالمصادفة، تجد طريقها إلى قصصها.. ومنذ البداية، كانت قصصها  توقعها في المشاكل. ولكن عزلتها الت اكتسبتها كننشأتها الريفية لاب مزارع  ابعدتها بهض الشيأ عن الوقوغ في مشاكل.

النشأة والموهبة

نشأت ديليدا (1871-1936) في سردينيا، ثاني أكبر جزيرة في البحر المتوسط، وتزامنت ولادتها مع الذكرى الأولى لتوحيد إيطاليا، لكنها كانت في الغالب من نورو، والتي أطلقت عليها "قرية العصر البرونزي". لغتها الأولى كانت اللغة المحلية لسردينيا.

أما الإيطالية، اللغة التي تكتب بها والت لازت بها بجائزة  نوبل ، فقد كانت بالنسبة لها لغة أجنبية، وقد تعلمتها  خلال دروس خصوصية، بعد أن توقف  تعليمها الأساسي  في قريتها عند الابتدائية فقط فقد ، اضطرها الفقر   لترك المدرسة في  العاشرة من عمرها

ولكن مدرسها الخصوصوي الذي علمها الايطالية  اكتشف قدراتها الادبية المبكرة  فساعدها ثم  شجعها على نشر ما تكتبه من ابداع  في الصحف الإيطالية فنشرت قصصها وهي  في الثالثة عشرة من عمرها.

زهرة سردينيا

تأثرت جراتسيا بكبار الكتاب في القارة العجوز ومنهم  الفرنسيان  فيكتور هوجو وبلزاك  والشاعر الإيطالي جوزيه كاردتوشي الملقب بشاعر البلاط، والذي كان أول ايطالي يفوز بنوبل للأدب  في العام ١٩٠٦.

 كما تأثرت بفن الرواية الروسية الذي كان مزدهرا للغاية عندما بدأت الكتابة  وقد ظهر تأثرها بالآباء الروحيين في الأدب الروسي في روايتها الطويلة الأولي ، "زهرة سردينيا" التي أصدرتها في العام ١٨٩٢.

لكن نجاحها الحقيقي بدأ مع نشر رواية "إلياس بورتوليو" عام ١٩٠٣، بعد أن انتقلت إلى روما مع زوجها، حيث انبهرت بجوانبها  المدينية والحضارية والثقافية وتأثرت بها كثيرا.

لكن هذه  العلاقة الجديدة مع روما، لم تلغ تأثر جراتسيا بالجزيرة التي عاشت فيها، وثقافة  حوض البحر المتوسط التي تظهر في إبداعات  أبناء اجزر الايطالية  مثل سردينيا وصقلية .. بما يشمله ذلك التأثير من الشعور بالعزلة والتقاليد التي تنحاز دائما ضد   النساء، والإيمان بالسحر والأساطير.

هذا إلى جانب آثار  الحضارات التي مرت على الجزيرة من اليونان للعرب والرومان..  وفوق  ذلك  غرام خاص بالطبيعة والاندماج فيها، وهو ما أشار إليه بوضوح خطاب مبررات فوزها بجائزة نوبل الذي قال إنها عكست روحا عميقة  في علاقتها بالطبيعة، وتكاد  شخوص رواياتها أن يكونوا غرسا نباتيا  في الأرض، حيث

أن أغلب أعمال ديليدا التي بلغت ٥٠ رواية ومجموعة قصصية، مستوحاة من أجواء سردينيا، ومن أبرزها رواية "الأم" (١٩٢٠) -التي ترجمت للعربية إلى جانب اللغات الأوروبية كلها- ومن قبلها روايات لفتت إليها النقاد مثل، "أبيض غائم" و"حب وحقد" (١٩١٢)، وكانت آخر رواياتها "كوزيما"، والتي نشرت في عام ١٩٣٧، بعد وفاتها في روما في منتصف أغسطس ١٩٣٦.

وصلت ديليدا إلى ستوكهولم في  ديسمبر ١٩٢٧. بعد سفر برا وبحرا لمدة ثلاثة أيام.. وتشير رسائلها إلى عائلبها في تلك الفترة إلى أنها لقيت اهتماما بالغا، أنها فتنت بما شاهدته من العديد من الشخصيات المرموقة ووزراء الدولة والسفراء والعائلة المالكة الذين التقت بهم. وقد ألقت خطابا وصف بأنه أحد أقصر خطابات القبول في تاريخ الجائزة.

"ولدت في سردينيا. كانت عائلتي تتكون من أشخاص يجمعن بين الحك؛ة والعنف.. فنانين بدائيين. كانت الأسرة محترمة وذات مكانة جيدة، ولديها مكتبة خاصة. لكن عندما بدأت الكتابة في الثالثة عشرة، اعترضوا. كما يقول الفيلسوف: إذا كان ابنك يكتب القصائد، أرسله إلى الجبل؛ وفي المرة التالية عاقبه؛ ولكن في المرة الثالثة اتركه وشأنه لأنه شاعر”.

بعد عشر سنوات من ذلك اليوم ماتت جراتسيا بسبب السرطان. ودفنت في الفستان المخملي الذي ارتدته في فندق Grand Hôtel في الليلة التي قبلت فيها الجائزة. وبعد وفاتها، تم العثور على مخطوطة لها في أحد الأدراج. وكانت تلك رواية "كوزيما" - اسمها الأوسط - وكانت سيرة ذاتية في صورة رواية ، لكنها ليست كاملة.

ورغم فوز عدد من النساء  بجوائز نوبل للسلام والعلوم  فإن نساء نوبل في حديقة الأدب  يمثلن أقلية قياسا بالمبدعين الرجال الذين فازوا بالجائزة الأشهر في العالم. وقد بدأ فوز النساء بالجائزة مع السويدية سلمى لا غريرولف في العام ١٩٠٩، أي بعد ثماني سنوات من  تأسيس جائزة نوبل فى الآداب فى عام 1901. وحتى الآن، لا يزيد  عدد النساء الحائزات لنوبل الأدب عن  ١٦ روائية وشاعرة، آخرهن الشاعرة الأمريكية  جيليك، التي فازت بها العام الماضي.

وهذه قائمة بفائزات نوبل للأدب من نون النسوة:

 فى 1909 فازت بها سلمى لاغيرلوف من السويد

فى 1926 فازت بها جراتسيا ديليدا من إيطاليا

فى 1928 فازت بها .. سيجريد إندسيت من النرويج

فى 1938 فازت بها  بيرل باك من الولايات المتحدة               

فى 1945 فازت بها جابرييلا ميسترال من تشيلي

فى  1966 فازت بها يلي ساكس  من السويد         

فى 1991 فازت بها  نادين جورديمر من جنوب جنوب أفريقيا

فى 1993 فاز ت بها توني موريسون من الولايات المتحدة              

فى 1996 فازت بها  فيسلافا شيمبورسكا من بولندا

فى 2004 فازت بها إلفريدي يلينيك من النمسا

فى 2007 فازت بها دوريس ليسينج من بريطانيا

فى 2009 فازت بها هيرتا موللر من ألمانيا

فى 2013 فازت بها أليس مونرو من كندا

فى 2015 فازت  سفيتلانا أليكسييفيتش من بيلا روسيا

وفى 2018 فازت بها أولجا توركاركوك

وفي 2020 فازت بها لويز جيليك من الولايات المتحدة







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي