"لانسكي" سيرة درامية لأقوى رجال المافيا

2021-08-15 | منذ 2 شهر

 معالجة سينمائية مختلفة عن السائد

طاهر علوان*

ما بين إيطاليا والولايات المتحدة ثمة فاصلة جغرافية شاسعة لا يقربها، سينمائيا، سوى نوع سينمائي ذو شعبية واسعة وما يزال يجذب له جمهورا واسعا وهو سينما المافيا والجريمة المنظمة، وهو ما ينخرط فيه فيلم “لانسكي” الذي يسرد سيرة واحد من أقوى رجال العصابات.

تناولت السينما الأميركية قصص ازدهار العديد من العائلات الإيطالية المهاجرة في مختلف الولايات الأميركية، عبر امتهانها عمل المافيا حتى صارت علامة فارقة على مستوى العالم.

ولا تنسى الذاكرة السينمائية سلسلة أفلام العرّاب التي ظهر أول فيلم منها في العام 1972 عن رواية لماريو بوزو وإخراج فرانسيس فورد كوبولا ثم ظهر الجزء الثاني بعد ذلك بعامين لتختتم السلسلة بالجزء الثالث في العام 1990.

خلال ذلك وحتى اليوم أنتجت العشرات من الأفلام عن تلك السيرة الواسعة التي تجمع ما بين الجريمة والحركة والعنف والجانب التاريخي.

سيرة ذاتية

سيرة الجريمة شكلت مساحة مهمة في هذا الفيلم وهي في الواقع امتداد نمطي لأفلام المافيا ونزعاتهم الانتقامية

يأتي فيلم “لانسكي” للمخرج وكاتب السيناريو إيثان روكاواي ليشكل امتدادا لهذا النوع الفيلمي من زاوية السيرة الذاتية لرجل المافيا ماير لانسكي (يؤدي الدور الممثل هارفي كيتل) بعد ظهوره في أكثر من 150 عملا ما بين فيلم سينمائي ومسلسل تلفزيوني.

وسيرة هذا الرجل “المافيوزي” وزعيم جمعية الجريمة المنظمة وبارون صالات القمار في الولايات المتحدة وحتى كوبا يتم عرضها من خلال فكرة قيام الصحافي ديفيد ستون (الممثل سام وورثينغتون) بتأليف كتاب عن لانسكي يشترط فيه ألا يتم نشر ما فيه من أسرار إلا بعد موت لانسكي نفسه، وقد تجاوز الثمانين من عمره.

ويستند الفيلم إلى معالجة سينمائية بدت مختلفة عن السائد من أفلام السيرة الذاتية النمطية وذلك من خلال كسر الجمود عن وجهة النظر الواحدة والوحيدة إلى زوايا متعددة، ومن ذلك جعل المفردات الحياتية للصحافي جزءا من البناء السردي ولكي يتخلص المخرج من أسر الشكل الوثائقي القائم على سرد الأحداث من وجهة نظر واحدة.

وفي موازاة ذلك اعتمد المخرج خطوطا متعددة في سرد القصة السينمائية ومنها مثلا مشاهد فلاش باك التي جاءت منسابة ومكملة لحديث الذكريات الذي ظل لانسكي يتنقل بين محطّاته وخاصة تلك المواقف الحادة والصارمة في حياته منذ الطفولة والتي شكّلت شخصيته التي تتظاهر بالاستقامة والطيبة فيما تخفي وراءها ركاما من الأحقاد والجرائم.

سيرة الجريمة شكلت مساحة مهمة في هذا الفيلم وهي في الواقع امتداد نمطي لأفلام المافيا ونزعاتهم الانتقامية التي لا ترحم تجاه خصومهم ومن ذلك تتبع صعود لانسكي المتدرج سواء في امتلاك الثروة أو المكانة الاجتماعية.

تلعب ثلاث شخصيات نسائية أدوارا مكملة في هذه الدراما المثيرة الأولى هي زوجة لانسكي التي بينه وبينها الكثير من الاختلافات فهي تعلم سيرته الإجرامية وهي تفسر ما أصاب ابنهما من مرض في الأعصاب والدماغ إنما هو انتقام إلاهي من الجرائم التي كان قد ارتكبها لانسكي في حياته، مما يدفعه وهو في ثورة الغضب إلى إلقاء زوجته في مصحة مع استخدام الصعقات الكهربائية للدماغ وبذلك دمر حياتها.

بناء درامي

ومن جهة أخرى هنالك امرأتان تكملان دور تلك المرأة وهما طليقة الصحافي من جهة وصديقته التي هي الأخرى ترتبط برجل مخدرات وتجندها أجهزة المخابرات الأميركية للتجسس على الصحافي ومعرفة أسرار لانسكي التي يفشيها للصحافي وخاصة معرفة مصير الملايين من الدولارات من غسيل الأموال وصالات القمار التي اختفت من حسابات لانسكي ولا يعرف مصيرها.

ويمضي البناء الدرامي على أساس هذا التراكم الصوري والسردي الذي عمد المخرج من خلاله إلى كشف ملامح النسيج الاجتماعي في المجتمع الأميركي الذي احتضن المافيا وتركها تطلق أذرعها الأخطبوطية وصولا إلى التحالف مع باتسيتا الزعيم الكوبي المشهور الذي ارتضى التحالف مع مافيا لانسكي لكي تنتعش صالات القمار في نسخة كوبية.

ومن الخطوط السردية الأخرى التي تكمّل هذه الدراما المتصاعدة هي علاقة لانسكي بإسرائيل وهو الذي أظهر دعمه لها إبان ذروة عمليات الاستئصال والتهجير للشعب الفسلطيني وخاصة ما بعد النكبة، ما هو إلا بهدف اتخاذ تل أبيب مكانا لغسيل الأموال حتى أن تلك الثروة التي تفتش عنها السلطات الأميركية مخبّأة في أحد البنوك الإسرائيلية، فضلا عن شبكة خطيرة من الزبائن الذي بقوا حتى اللحظة الأخيرة وهم مخلصون للانسكي.

بالطبع يلفت النظر هذا النوع من السيناريو الذي اشترك بكتابته المخرج مع آخرين في كونه يمكن أن يطلق عليه بأنه سيناريو هيجيني اعتمد تنوعا ملفتا للنظر بين مستويات سردية متعددة وغيّب بشكل أو بآخر النمطية التي اعتمدتها أفلام السيرة الذاتية، بل إن هنالك من النقاد من لم يقتنع وانتقد الفيلم لجهة إدخال جوانب من حياة الصحافي الذي يجري لقاءات متواصلة يدون فيه ذكريات ومذكرات لانسكي والقول إنه فيلم مكرس لسيرة ذاتية شخصية إشكالية ولهذا لا يستوجب الأمر الزج بشخصيات أخرى.

ولا بد من التوقف عند الأداء البارع والمتوازن لشخصية لانسكي في مراحلها المتعددة وخاصة في المراحل الأخيرة بما يتطلبه ذلك من إشادة بتلقائية ورصانة أداء هارفي كيتل الذي يكون قد أضاف منجزا مهمّا لنفسه من خلال أداء هذا الدور في دراما ممتعة ومتوازنة.

 

  • كاتب عراقي مقيم في لندن

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي