14 عاماً على رحيل نازك الملائكة

2021-08-06

نازك الملائكة

هادي الحسيني

برز اسم الشاعرة العراقية الكبيرة نازك الملائكة في منتصف عقد الأربعينيات من القرن العشرين، في الوقت الذي كان يقتصر الشعر على الرجال فقط، باستثناءات قليلة جداً لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة.

وتعتبر نازك الملائكة المولودة في بغداد في 23 اغسطس من عام 1923 رائدة الشعر العربي الحديث، وأول من كتب القصيدة الحرة أو ما تعرف بقصيدة التفعيلة. نشأت نازك في أسرة بغدادية تعشق الأدب والشعر، وكانت والدتها تكتب الشعر ووالدها صادق الملائكة كان كاتباً وشاعراً أيضاً وكذلك خالها جميل كان شاعراً هو الآخر، ولعل تلك الأجواء الثقافية داخل الأسرة خلقت من نازك شاعرة تكتب على الطريقة الكلاسيكية في قصيدة الشطرين المعروفة بالصدر والعجز، وأصدرت ديوانها الأول بعنوان «عاشقة الليل» في عام 1947 حتى أصاب وباء الكوليرا مصر وذهب ضحيته أكثر من ألف انسان.

وكانت نازك تستمع عبر الراديو الى أخبار الموتى ودفنهم، وهذه الأخبار المخيفة حرضت الشاعرة على كتابة قصيدة عن تلك المأساة، فكتبت قصيدتها التي اشتهرت في تاريخ الشعر العربي الحديث باسم «الكوليرا» كتبتها بطريقة الشطرين، لكنها سرعان ما قامت بتمزيق القصيدة كونها لم تصل فيها الى قوة التعبير المؤلم لأحداث الموت الذي كانت تسمعه كل يوم عبر نشرات الأخبار في الراديو.

ثم قامت في اليوم التالي بكتابة القصيدة من جديد لكنها أيضاً كتبتها بطريقة الشطرين الكلاسيكية، وكذلك لم تعجبها ولم تتمكن من التعبير بحرية مطلقة بسبب أحكام التفعيلة الواحدة داخل القصيدة القديمة، ولم تتمكن من الوصول الى قمة المأساة التي تزداد بما سمعته عن وباء الكوليرا في مصر وأرقام الضحايا، الأمر الذي جعلها تمزق القصيدة مرة أخرى!

حرية القصيدة

وبعد يومين سمعت المذيع المصري عبر الراديو يقول إن الجثث تتكدس داخل عربات تجرها الخيول باتجاه الريف المصري لتدفن هناك! وعلى الفور صعدت نازك الملائكة فوق سطح البيت مع ازدياد أخبار المرض في مصر وتفاقمه لتكتب القصيدة بشكل جديد ومختلف عن القصيدة التقليدية، شكلٌ فيه متسع من الحرية والتعبير بعيداً عن التزامات بحور الفراهيدي بتفعيلة واحدة، فعددت التفعيلات داخل القصيدة لتخرج لنا بقصيدة حرة ضمن تفعيلات عمود الشعر العربي القديم.

وحين قرأت القصيدة على والديها وخالها داخل البيت كانت السعادة تغمرها لأنها في قرارة نفسها قد حققت إنجازاً شعرياً جديداً وفيه الكثير من الاختلاف، لكنهم عندما سمعوا ما كتبته في قصيدة «الكوليرا» اعترضوا على شكل القصيدة الجديد وخالفوها الرأي والفكرة واعتبروا مصير هذا النوع من الشعر هو الفشل المؤكد لا محال لمخالفته شروط الشعر العربي! 

الولادة الأولى

لكن الشاعرة نازك الملائكة أصرت على هذا اللون الشعري الجديد الذي ابتكرته وأرسلت قصيدتها الى مجلة ثقافية في بيروت وقد لاقت في البداية بعض الاعتراضات الشديدة. لكن بعد أيام بدأ النقد العربي يكتب الكثير عن قصيدة الكوليرا بالإيجاب لتعلن هذه القصيدة عن الولادة الأولى للشعر العربي الحديث الذي يسمى بالشعر الحر أو شعر التفعيلة.

وفي تلك الفترة كان الشاعر بدر شاكر السياب كتب الشعر الحر، وكذلك الشاعر عبدالوهاب البياتي وشعراء آخرون، خصوصاً أن الثلاثة تخرجوا في دار المعلمين العالية ببغداد، فكانت نازك تسبق السياب والبياتي بمرحلتين في الدراسة وانطلقت مدرسة الشعر الحر من داخل دار المعلمين العالية ببغداد والتي هي الآن كلية التربية.. وإلى جانب نازك الملائكة من الشاعرات العراقيات والعربيات في ذلك الوقت كانت الشاعرة لميعة عباس عمارة وعاتكة الخزرجي، هذا على مستوى العراق، أما في الوطن العربي فكانت الفلسطينية فدوى طوقان.

وبعد أن تخرجت نازك في دار المعلمين العالية، دخلت الى معهد الفنون الجميلة ببغداد في قسم الموسيقى لتتخرج فيه عام 1949.

وبعد عقد من الزمان نالت درجة الماجستير في الأدب المقارن من جامعة ويسكونسن في الولايات المتحدة الأميركية وكانت قد تعلمت اللغة الانكليزية وكذلك اللغة الفرنسية، وتزوجت الدكتور عبدالهادي محبوبة الذي عملت معه في التدريس بجامعتي البصرة والكويت، وكذلك عملت أستاذة في جامعة بغداد. 

دواوين وكتب

أصدرت نازك الملائكة أكثر من سبعة دواوين في الشعر بعد ديوانها الأول (عاشقة الليل) الذي صدر عام 1947 كما أسلفنا، وهذه الدواوين هي: شظايا ورماد عام 1949، وقرارة الموجة عام 1957، وشجرة القمر عام 1968، ويغير ألوانه البحر عام 1970، ومأساة الحياة وأغنية للإنسان عام 1977، والصلاة والثورة عام 1978.

كما أصدرت نازك الملائكة العديد من الكتب النثرية وكان أهمها «قضايا الشعر المعاصر» وهو الكتاب الذي أكد قواعد الشعر الحر وحث الشاعر على الالتزام بها، كما شرحت فيه الأدلة القاطعة على أن أوزان الشعر الحر نابعة من ميزان الشعر في أوزان الخليل الفراهيدي. وقد كتبت مجموعة قصصية واحدة بعنوان «الشمس التي وراء القمة».

إرث شعريّ

نازك الملائكة واحدة من أهم الشاعرات العربيات في العصر الحديث، حيث حققت انتقالة كبيرة في شكل القصيدة وتركيبتها من الشكل والنمط الكلاسيكي الذي ساد الأدب العربي لقرون عدة إلى الشكل المعروف بالشعر الحر. وقد مثل إرثها الشعري نتيجة لكسرها العديد من التقاليد، حيث لاقى انتقالها من الشعر العمودي إلى الشعر الحر جدلاً ومعارضة..

وقدمت العديد من الخطابات عالية النبرة التي حاولت من خلالها إظهار دور المرأة في المجتمعات العربية، وحثت النساء على أن يكون لهن صوتٌ في المجتمع، وعلى تحدي المجتمع الأبوي المحافظ الذي يسود المجتمعات العربية. نازك حققت استقلالها المالي الأمر الذي لم يكن شائعاً في تلك الفترة، وقد كانت تفضل أن تبقى بعيدة عن العالم الخارجي. تأثر كثير من الشعراء العرب الكبار في كتابة القصيدة الحرة الحديثة التي ابتدأتها نازك الملائكة بقصيدة الكوليرا، وأبدع فيها السياب والبياتي وبلند الحيدري وشعراء غيرهم.

العمل في الكويت

غادرت نازك الملائكة العراق عام 1970 متوجهة الى الكويت من أجل العمل في جامعتها، وفي عام 1990 عندما ارتكب النظام العراقي حماقة غزو الكويت، غادرت الملائكة الى القاهرة لتدخل في عزلة منذ ذلك الوقت حتى رحيلها داخل العاصمة المصرية القاهرة في 2007/6/20 بصمت مطلق. وقد كرمت الملائكة من العديد من الرؤساء العرب في فترات متلاحقة، خاصة وهي تدافع عن قضايا المرأة المعاصرة.. 

قصيدة الكوليرا

أدناه نص نازك الملائكة الذي غيّر خريطة الشعر العربي، والذي كتب عام 1947 . 

سكنَ الليل

أصغِ إلى وقع صدى الأناتْ

في عمق الظلمة، تحت الصمت، على الأمواتْ

صرخات تعلو، تضطربُ

حزن يتدفق، يلتهبُ

يتعثر فيه صدى الآهاتْ

في كل فؤاد غليانُ

في الكوخ الساكن أحزانُ

في كل مكان يبكي صوت

هذا ما قد مزقه الموتْ

الموت، الموت، الموتْ

يا حزن النيل الصارخ مما فعل الموتْ

طلع الفجرُ

أصغِ إلى وقع خطى الماشين

في صمت الفجر، أصخ، انظر ركب الباكين

عشرة أمواتٍ، عشرونا

لا تحصِ، أصخ للباكينا

اسمع صوت الطفل المسكين

موتى، موتى، ضاع العددُ

موتى، موتى، لم يبقَ غدُ

في كل مكان جسد يندبه محزون

لا لحظةَ إخلادٍ، لا صمتْ

هذا ما فعلت كف الموتْ

الموتُ، الموتُ، الموتْ

تشكو البشريةُ تشكو ما يرتكب الموتْ..  







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي