16 قطاراً

2021-07-26 | منذ 2 شهر

شوقي عبد الأمير

مضى أكثر مِن عامٍ

وأنتِ تستقلّين معيَ

كلّ يومٍ

القطار بين فونتان بلو وباريس

..

اليومَ

سأسألُكِ عَنْ هذا الطّقس الّذي صرتِ تألفينَهُ

القِطارُ ومواعيدُه قرابين آلهةٍ مدجّنة

الأسفارُ

الانتظارُ تحتَ أمطار لا تكفُّ عنِ الهُطولِ

في الدّاخلِ والخارج

ازدحامُ الركّاب في زمنِ الكوفيد

عيونٌ تتلصَّصُ وأيدٍ ترتجفُ

أبناءُ القارّة السّوداء

والأعرابُ

يتحدّثونَ في هواتفِهم وكأنّهم في حمّامات بيوتِهم

آخرونَ منهمِكونَ يزرعونَ عُيونَهم في الشّاشات

مُراهقات ببطونٍ عاريةٍ صيفاً وشتاءً

كمّامات صارت حُقولاً للذّرة

أو لتجاريبِ الحداثةِ التّشكيليّة

وجوهٌ مقنّعةٌ في أجسادٍ شبهَ عارية

مقاعدُ القاطِرة الحديثة

تزاوج بينَ الرماديّ والبُرتقاليّ والرّمانيّ

حقولٌ مع أعشابها الضارّة

الغاباتُ والأشجارُ تصمُّ آذانها مِن صُراخِ القطار

وتُخفي وراءَ أجَماتِها أسرار أقدمِ المهن

بنسائِها الفادِحات

شبابيكُ البيوتِ تتوالى مَشاهدُها

تُذَكِّرُ بقصّة المُنتحرِ

الذي ألقى بنفسهِ مِنَ الطّابقِ العاشرِ فاكتشفَ الحياةَ عبرَ النوافذِ

ونَدِم لحظةَ الموتْ

أنهارٌ وسَواقٍ تَجري بإصرارٍ وهدوءٍ نحوَ مصبّاتِها

وكأنّها أيّامي تمضي إليكِ.

أنفاقٌ نعبُرها

لا نقيمُ فيها

كما يَحدثُ

أمٌ تركَتْ وليدَها يرضَعُ

مِن حلمةٍ عاريةٍ دونَ أنْ يلتفِتَ لها أحد

مُتسوّلةٌ غجريّةٌ عجوزٌ

ذكّرَتْني بتلكَ الّتي سَرَقَتْ جهازيَ الآيفون

وأنا أهمُّ بإخراجِ النّقودِ لَها

سيِّدةٌ شَرَحَتْ للمفتِّش

كيفَ أنّها لمْ تنسَ ختمَ التذكرة

إلّا أنّها لمْ تُفكِّر بهِ قطّ

لمْ يفهمِ الفرقَ وأجبرها دفعَ الغرامة...

والمقبرة

أجل المقبرة

يخطفُ فوقَها القطارُ صارخاً كعادتهِ

لا أدري لماذا

تاركاً لي وحدي إقامة المُعادلة

بين الأبدِ والطّارئ

فلا أجدُ سِوى تجسيرِ اللّحظة المستحيلةِ

بيني وبينكِ الآن

رخامٌ مُمَدّدٌ فوقَ رُخامْ

رخامٌ كثيرٌ بألوانِ الرّمادِ والدَّم المتخثّر

يُلقونَ بهِ فوقَ أجسادِ لا تقدرُ على حملِ شيء

لا يتركونَ وراءهُم سِوى أزهارٍ بندى بلاستيكيٍّ

للتّخفيفِ مِن همجيّة المَشهد

كمْ يذكّرني بريشِ النّعام الّذي يثبّتونَهُ فوقَ القُبور

عندَ أهلِنا في الجنوب

وعناقُ سككِ الحديدِ لعجلاتِ القطار

أجل

ألا ترَينَ مِثلي أنّه

أعظمُ تجسيدٍ لعملاقِ الوصولِ

وهذا البردُ في حديد السكَّة بعد مُرورِ القطار

أحِسُّ بهِ وأنا في مقعدي الدّافئ

لا يشبههُ شيءٌ سِوى انتظارٌ مؤبّدٌ لذراعينِ ممدودتين.

لنْ أنسَى ذلكَ الطائرَ الّذي ارتطمَ بنافذةِ القطار

ولا أدري إذا كانَ أعمى

أم أنّه قرّر الانتحار.

وأخيراً

المحطةُ وتَدافُعُ الركّاب عبرَ ممرّاتها وأقبيتها

بكثافة لا بنظام النّمل.

أنا

كما تعرفينَ اخترتُ المشيَ بينَ المحطةِ

ومقرّ عملي لأنني أفضِّلُ صحبتكِ بمحاذاة السّين

أقرأ لكِ النّصوص الّتي أتردّد في نشرِها

وأصغي إلى كركراتكِ تختلطُ بانكسارِ الموجات

وحيثُ أريكِ مشهدَ السّقالات العالية

ترمِّمُ وجهَ السيّدة العجوز نوتردام

الذي شوّهتهُ الحرائقُ لتعيدَ إليه تجاعيدَهُ الألفية

بعد أن أخفقت أصوات ومطالبات بتحويلها إلى

متنزّه قدسيّ يذكّر المؤمنين بالجنان

بدلاً من آلام المسيح.

لا أدري لماذا نقلَني هذا المشهدُ

إلى حرائقِ المستشفيات أمس في الناصريّة وقبلها بغداد

هناك استبدلوا السّقالات بأذرع المصلّين

وتمثال المسيح تحتَ النار بمئات الأجساد المتفحّمة.

هناكَ كلّ الدّماء تنزفُ في لحم الواقع.

هناك أجل حيثُ أنتِ

نادو

شاعر عراقي مقيم في باريس



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق




كاريكاتير

إستطلاعات الرأي