الكاتب الحداثي الهولندي مينو تير براك: الحقد لا يتأتى إلا من الحقد.

الديمقراطية والليبرالية تعلمتا كثيرا في مدرسة النازية

2021-07-16 | منذ 4 شهر

محمد الحمامصي*


وضع الكاتب الحداثي الهولندي مينو تير براك هذا الكُتيّب “النازية كعقيدة حقد” عام 1937 قٌبيل الاجتياح الألماني لهولندا، وهو فحص نادر المثال لكيفية استخدام مفهوم “الضغينة” لفهم القومية الاشتراكية “النازية”؛ إذ يسلِّط الضوءَ على الضغينة التي تحملها الفاشية، وكيف لها أن تكون متميزة، ومرتبطة بنسخها الديمقراطية والاشتراكية في آن.

ويركز مينو، الذي انتحر عام 1940 بعد استسلام بلاده لألمانيا، على تطوير فهم كل من فريدريك نيتشه وماكس شيلر لمفهوم الضغينة عبر تطبيقه على الفاشية، والتأكيد على مركزية الضغينة كشعور أخلاقي، ليس فقط بالنسبة إلى الشعبوية، وإنما لكافة أشكال الديمقراطية، ولأي توجه، فلسفيا كان أم سياسيا، مبني على مُثُل المساواة، مما يمتد بالفعل ليشمل كافة ثقافات المجتمع المعاصر وسياساته.

حقد دفين

ويشير مينو في كتابه الصادر عن دار صفصافة من ترجمة عبدالظاهر إلى لقائه بأحد الدبلوماسيين وموقفه من النازيين، يقول “مازلت أذكُرُ بِوضوح الجواب الذي تلقيته، على سؤال عشوائي في محادثة عشوائية، سألتُ ‘هل تظن أن النازية تُمثِّل خطرا حقيقيا على هولندا؟’ فأجابني: بالطبع لا يا سيدي، النازيون ليسوا سوى حفنة من الحمقى!”.

ويتساءل مينو في الكتيب الذي يحتوي على 46 صفحة، “هل يمكن ألا تكون ‘حفنة’، بل جيشا؟ أليسوا قادة ‘انتفاضة الجماهير؟’ ألا يمكن أن يكون الأحمق المهزوم، الذي لا يريد أن يُقِر بهزيمته، رمزا لعقلية تمتد في ما وراء هزائمه، ولا يُمكن، بالطبع، تجاهله بمجرد العجرفة؟ هذه اللامبالاة المُهلكة المنتشرة بين من يُسمّون المثقفين، الذين ينتمي إليهم هذا الدبلوماسي الذي أجابني، وهذه الثقة الهانئة في أن المرء ليس فردا ضمن ‘حشد’ وأن هذه ‘الظواهر الكارثية’ سوف تمر إذا ما تحسن الظرف الاقتصادي؛ الأمر نفسه الذي تسبب جزئيا في أن هذه الحفنة من الحمقى الخاسرين لم تلق أي معارضة تذكر من هؤلاء المثقفين أنفسهم”.

ويتابع مينو “لكنني، باعتبارِ ما، يمكن أن أُقِرَ مقولة هذا الدبلوماسي: الحركة النازية حركة حمقى؛ لأنها حركةٌ تنهل من ‘الحقد’، أو قل إن شئت: من ‘الضغينة’، وهما مصطلحان يحملان نفس المعنى تقريبا، لكن نادرا ما قُدر معناهما الثقافي حق قدره. لكن هل هذا الحقد حكر على النازية؟ هل يميل الخاسر، بأوسع ما للكلمة من معنى، بطبيعته، للنازية؟ من أين يأتي الحقدُ الذي يملأ مستنقع أنطوان موشيرت الموحل؟ لا يمكن الإجابة على هذه الأسئلة بحال إذا ما اهتدينا بقول الدبلوماسي المذكور آنفا، ونظرنا إلى الخاسرين على أنهم مجرد ‘حفنة’، وبالتالي نظرنا إلى حقدهم، الذي هو أساس وجودهم، على أنه ظاهرة استثنائية”.

ويضيف “إن الحقد بالتأكيد هو أحد أكثر المكونات حضورا في ثقافتنا الحديثة، لا انفكاك لها عنه. الحقد متغلغل في كل شيء، وكان من قبيل ‘خطأ المنظور’ أن نعتبر القرن التاسع عشر هو قرن التوسع في التعليم العام متجاهلين ما كان على الأقل تطورا مصاحبا لا يقل أهمية، ألا وهو ‘الضغينة'”.

البناء على الأكاذيب

ويقول إنه “كلما نُظرنا إلى امتلاك الثقافة كحق تحولت المسافة بين هذا الحق في كل شيء، وبين الامتلاك الواقعي لأي شيء إلى ظلم، لكنه ظلم يصعب اقتفاء جذوره، لأنه لا يمكن للمرء أن يعرف مصدر هذا الحق في الثقافة، فالخاسر، ‘المُضطغن’، لا يعرف إلا أنه لا يمكنه التسامح مع من هو أكثر منه تملّكا، إنه ليحرق قلبه أن يرى امتيازا للآخرين، ويمتلئ غلّا؛ لأنه، على الأقل، يجد في هذا الغل لذة السخط الدائم، ويشحذ فكرة الانتقام من أجل الانتقام، ومن أخص خصائص رغبته في الانتقام أن نفاذها لا يهبه أي شعور يذكر بالرضا، بل على العكس، إن فقدان الخاسر حدَّته وغضبه يعني فقدانه مصيره، خاسر مغلول، يبحث عن أشياء أخرى ليبث فيها سُمه، إلى أن يصبح مثل هتلر، منتشيا ومشدوها بمُثُل ضغينته”.

ويرى مينو أن النازية تفعل نفس ما تفعله الليبرالية والاشتراكية والديمقراطية، لكن دون عبارات إرشادية حول المساواة؛ إنها تتوجه أكثر لمناصبة العداء للامساواة، وتزعم تحقيق “المساواة المُثلى” التي لا تعبر عنها في أي حال إلا بأشكال سخيفة. هذا من طبيعة الوحش؛ وكما يحدث في أوقات “التحرر والمساواة والإخاء” فهي، المساواة، ليست أكثر من غياب للامساواة الإيجابية، مما “يجلب إلى الأرض”، من ثم، “المساواة المسيحية بين الأرواح أمام الإله”، ومما لا يُمكن فهمه بمنأى عن جذورنا المسيحية.

كتيب "النازية كعقيدة حقد": للنازية منطقها الخاص وموضوعية الضغينة "المحضة" التي تحررت من كل قيد

ويقول “أنا أختلف هنا مع رؤية ماكس شيلر، إذ لم يُرِد أن يُحمل المسيحية مسؤولية المساواة والضغينة، ولقد فصلت في هذا الخلاف عبر صفحات كتابي ‘المسيحيون الجدد والقدامى’، والذي نُشر في نفس وقت نشر هذا الكُتيب الذي بين أيدينا؛ غير أن المقام هنا لن يتسع للخوض في هذا الموضوع أكثر، بما أننا لا نُعنى هنا إلا بالأشكال ‘الحديثة’ من المساواة والضغينة”.

ويوضح أن لتحليلات شيلر ألمعية حول هذا الأمر، والأهم أنه قد كتبها قبل عام 1919، حين لم تكُ الفاشية أو النازية شيئا مذكورا. لقد بنى شيلر تحليلاته للحقد عبر أشكال أقل وضوحا مما نراه اليوم، فأفكاره حول الضغينة كانت نتيجة للتفكير في الديمقراطية والاشتراكية، لكن أفكارهما تزال صالحة، وبشكل مبهر، للتطبيق على النازية! لماذا؟ لأن التعارض بين الديمقراطية والنازية، أو بين الاشتراكية والنازية، ليس إلا تعارضا مشروطا؛ إذ يعبر أكثر ما يعبر عن التباين في الطرق التي تُجلي بها الضغينة ذاتها. وبالرغم من الأهمية الكبرى لهذا التباين، فهو لا يشير بأي شكل إلى انفصام بين الاشتراكية والديمقراطية وبين الضغينة.

ويقول “فكر فقط في جان جاك روسو، أب الديمقراطية؛ مثال للإنسان الحاقد، أو في كارل ماركس، الذي تطلب أمره جدلا مكتمل التطور ليُؤسس، في مناخ من الغطرسة بالاكتشافات العلمية، رؤية للعالم لم يكن ثم سبيل إليها بلا حقد على الطبقة البرجوازية. ليس من قبيل المبالغة إن قلت إن الحقد يُشكل الثقافة؛ بل كان له أن يشكل الثقافة في عالم لم يستطع تشكيل الثقافة في ظل لامساواة لا خلاص منها؛ لقد شكل الثقافة في القرن الماضي، وفي هذا القرن أيضا، وهو إذ يرتبط ‘بالحري’ و’المساواة’ و’الأخوية’، و’بالتطور الجدلي’ في مرحلة تالية، سيظل عاملا مشكلا للثقافة. علينا أن نمتلك الشجاعة لنعلم أنه لا يتأتى من الحقد سوى الحقد، وأن نضرب عرض الحائط بالافتراضات المُسبقة التي صاغها مثقفون أخنى عليهم الدهر، ممن ما فتئوا ينبشون، بعد العمق، عما هو أعمق، أو الماركسيون الدوغمائيون أصحاب العلم المحيط الذين يؤمنون بعلاقة جدلية بين الثقة العلمية في النفس وضِعة الحراسة الطائفية ‘للمقدس'”.

ويؤكد مينو أن “للنازية منطقها الخاص، وحتى موضوعيتها الخاصة؛ منطق وموضوعية الضغينة ‘المحضة’ التي تحررت من كل قيد. لكن هذا المنطق لا يكشف عن ذاته بطرق بالية، مثل النقاش، بل عن طريق الأوامر والبروباغاندا، فلا تبحث عن الموضوعية في البراهين المتماسكة والاستناد إلى الحقائق، ولكن في الأكاذيب، وفي البناء التبسيطي الاختزالي لأحداث العالم، في تعارض تام مع الحقائق المعروفة إن لزم الأمر”.

ويوضح أن “الأوامر والبروباغاندا، البناء والأكاذيب، يمكن أن توجد في المجتمعات الديمقراطية، ولكن دائما ما تكون تحت مظلة النقد والنقاش والحقيقة و’البحث المضاد’. أما النازية، فلا يمكنها أن تتحمل مثل تلك الأمور النسبية، لأنها قد تُعرِّض المخطط المُبسط للعالم للخطر، الأمر الذي يحتاجه المُضطغن لصيانة وتعزيز ذاته؛ لكن مازال يمكننا أن نتحدث عن منطق وعن موضوعية هنا، لأن المُضطغن، الذي هو شبه متحضّر أيضا، لا يُمكنه أن يكتشف في كذبه الكذب، ولا في بنائه الوهم”.

ويقول “إن نفسية الكذب في النازية أكثر إثارة مما قد نستشفه من كتابات بعض المثقفين الأخلاقيين المُتيمين بالحقائق، لأن الأكاذيب لا تُبقي أي مكان للمناورات والتفاوض بين ‘الحقائق’ النظرية و’الأكاذيب البيضاء’ العملية، الأمر الذي يُعد سمة أساسية من سمات الشخص الديمقراطي العادي. في المجتمعات الديمقراطية، يُمكن للسعي إلى الحقيقة أن يُحقق بعض النجاح في ظروف محددة؛ أما في الدولة الدكتاتورية النازية، فحتى مجرد السعي لن يجد أي صدى، لأن الضغينة المحضة قد حولت منطقها وموضوعيتها إلى ‘معيار كل شيء’ عبر صحافة مُنصاعة ومجتمع ميال إلى عبادة الدولة”.

ويشدد على أن النضال ضد النازية بذلك ميؤوس منه إن لم ندرك أن النضال هو في المقام الأول ضد تحويل الضغينة لمثل أعلى، ليس فقط بين النازيين، بل أيضا بين الديمقراطيين والاشتراكيين. مثل هذا النضال يتطلب تكتيكا جديدا كليا، أوله، على سبيل المثال: الحديث بطريقة أقل استخفافا حول “حفنة الخاسرين”، فأي تقدير للمدى الذي يُمكن لاحتياطي الحقد المطمور أن يبلغه لن يكون بأي حال من قبيل المبالغة.

ويلفت مينو إلى أن النازية كعقيدة تكشف عن ذاتها أيضا بأشكال عدة غير كونها عقيدة ضغينة محضة، فأحيانا ما تصادف مفهوما مبنيا على أن الضغينة وكأنها نتيجة لغياب العدالة الاجتماعية وانتشار الفقر، خصوصا في الدوائر الاشتراكية التي اعتادت تقبل الفقر كمثال في مقابل الثروة، كما اعتادت على تخيل معنى محدد للعدالة في الطبقة العاملة، منذ أن أعلن ماركس أن مصير الإنسانية معقود على إنهاء البروليتاريا للتناحر الطبقي.

ويتابع “كنت أتمنى أن أتمكن من شرح الضغينة عبر غياب العدالة وانتشار الفقر، وأن أحول الضغينة ذاتها لمثال، إلا النازية تُشير إلى العكس تماما، فهي ليست دينا ‘لمعذبي الأرض’ وليست تناحرا طبقيا جرى إثباته بشكل اجتماعي أو علمي؛ إنها تهدف إلى تأسيس ‘الجماعة الوطنية’ أي حيث يبقى الغني غنيا ويبقى الفقير فقيرا وتبقى الطبقة الوسطى طبقة وسطى. كل ذلك إلى مدى معين، تحده صدقات هيئة معونة الشتاء”.

ويقول إن النازية تخون ذاتها أيضا لندرة النقاط الإيجابية في برنامجها، وفائض وعودها بكل شيء وبأي شيء. هذه هي “العقيدة” المتفوقة في أوروبا الديمقراطية، المولودة من رحم ضغينة الكل ضد الكل: الفقراء ضد الأغنياء، والأغنياء ضد الفقراء، والطبقة الوسطى، قبل كل شيء، ضد كليهما، ضد “كبار الرأسماليين” الملاعين، بالضبط كما “عبيد موسكو” الملاعين.

ويلاحظ مينو أن الكفاح ضد النازية لم يقده المثقفون؛ فتأثيرهم على العالم شبه المتحضر، الذين هم، بطريقة ما، أحد منتجاته، أقل بكثير مما قد يُظن. لهذا السبب سيكون من قبيل المبالغة الكُبرى في تقدير الذات التوقع من المثقفين “ولا أعني هنا ‘النخبة’ المشبوهة، بل ‘المفكرين الحقيقيين’ بأعم ما للكلمة من معنى”، ما هو أكبر مما تتوقعه أدنى التقديرات.

ويوضح أن ما عند هؤلاء المثقفين مشوش بنوع من أنواع شبه الفلسفة الميالة لما يُسمى بالعناصر الإيجابية لدى النازيين. حتى أننا لدينا في هولندا عددا من فلاسفة الضغينة الخُلَّص الذين تعلموا في فترة قصيرة أن ينتقلوا من الإنسانوية إلى “الدمترة”، والذين يكتبون بهدوء حول نيتشه وشبنغلر وهتلر كما لو أنه ليس على الإنسان أن يُطهر فهمه بعد ذكر اسم هتلر، وكما لو أن الفيلسوف الذي ندين له بمفهوم الضغينة مساو لرمز ليس سوى وسيلة مَهينَة للضغينة. لقد دَرَب هؤلاء السادة على ألا يتحدثوا، وربما هم مأمورون، عن معسكرات الاعتقال واضطهاد اليهود ونيران الرايخ، ومن ثم انشغلوا أكثر فأكثر في شقشقتهم وتأتأتهم بأساطير قديمة وحديثة حول “الجماعة الوطنية” والمقولات النظرية التهويمية الأخرى.

ويقول في كتابه إن “الأشد خطرا من سليلي العمق الفلسفي هؤلاء هم الأبرار؛ المُترفعين عن ‘الأمور الثانوية’، الذين لا يبحثون إلا عن ‘الأسس’ و’الماهية’، و’جوهرهم’ الأفلاطوني. وللحق، ليست نصيحة هؤلاء بالنظر في ما هو أبعد من المظهر الخارجي من نافل القول فحسب، بل قد تصبح، باعتبارِ ما، تضليلا لهم، إذ هم لا يهوون شيئا أكثر من البحث في ‘الأعماق’ مما يؤدي بهم إلى تجاهل كل ما له علاقة ‘بالمظهر الخارجي'”.

ويوضح أنه “ليس صحيحا أن ذلك يرجع إلى العمق الهائل في أسلوب النازية؛ الأكثر عمقا من الإنسانوية، فللنازية ‘روحانية’ هائلة، إنها تهدف إلى ‘ثورة روحية’ حتى لو كانت ‘غير دموية’ تماما. لكن لا يمكن للمرء أن يفهم النازية كعقيدة حقد محض إلا عبر مظهرها الخارجي؛ إن صيغ الكراهية والحسد، وقذارة الافتراء، هو ما يجب أن يجتذب نظر هؤلاء الأبرار!”.


*كاتب مصري






كاريكاتير

إستطلاعات الرأي