مهرجان كان 2021: «أسوأ شخص في العالم» ليواكيم ترير: هكذا كنا عندما كنا في العشرين

2021-07-15 | منذ 1 أسبوع

مشهد من الفيلم

نسرين سيد أحمد

في بداية فيلم «أسوأ شخص في العالم» للنرويجي يواكيم ترير، الذي ينافس على السعفة الذهبية في مهرجان كان في دورته الرابعة والسبعين (من 6 إلى 17 يوليو/تموز الجاري) نستمع إلى صوت الراوي العليم الملم بكل شيء يعرّفنا بيولي (رينات راينسفيه) وهي في عامها الجامعي الأول.

بنبرة من التعاطف الذي يخفي بعض التهكم، يخبرنا الراوي أن يولي، بعد أن حصلت على درجات مرتفعة في دراستها المدرسية قررت دراسة الطب، لكن بعد أشهر من الدراسة قررت أن الطب وتشريح الجسد ليس ما ترغبه، بل ترغب في دراسة النفس البشرية، فبدّلت مجالها إلى علم النفس، ثم بعد عدة أشهر أخرى، اكتشفت أن ما تود أن تفعله هو أن تكون مصورة فوتوغرافية، واستثمرت مال دراستها في شراء معدات التصوير.

نضحك ونحن نرى يولي تبدل المجالات والقناعات، بثقة كبيرة في كل مرة، لتعود لتبدلها مجددا بعد عدة أشهر.

لكننا حين نضحك لا نضحك سخرية من يولي، بل نضحك لأنها تذكرنا بذواتنا في عمرها. هذه المحاولات لمعرفة ما نريد من الحياة، هذه المحاولات لاكتشاف ذواتنا، هذه الرغبة في اكتشاف الطاقات الكامنة في داخلنا وتجريب كل مناحي الحياة، كلها أمور عشناها ولمسناها في أنفسنا، وربما نحاول حتى الآن تلمس طريقنا في الحياة واكتشاف العالم وذواتنا.

يولي، الشخصية الرئيسية في الفيلم ليست منفردة في محاولاتها لفهم ذاتها، وفي تنقلها من مجال إلى مجال، بل هي تعبير عن جيل بأكمله، أو ربما تعبير عن جميع من مروا بالعشرينيات من العمر، وتقلبوا فيها وتبدلت قناعاتهم، علّهم يعثرون على ذواتهم.

نشاهد يولي وهي تبدل العشاق والأصدقاء الواحد تلو الآخر، وهي في رحلتها لاكتشاف ذاتها، ونكاد أن ننظر إليها بتعالي من يكبرها عمرا ويزيد عنها حكمة، لكننا في نهاية المطاف نرى فيها ذواتنا السابقة، أو ربما نحن لهذه الرغبة في التجريب التي فقدنا بعضها مع مرور الأعوام.

طاقم الفيلم في المهرجان

لا يطلق ترير أحكاما على يولي، ويجعلنا نتعاطف كل التعاطف مع ترددها وجنونها وتغيراتها. في فيلم قسم إلى اثني عشر فصلا ومقدمة وخاتمة، تظهر عناوين كل منها على الشاشة، كما لو كنا نقرأ السيرة الذاتية ليولي، يتتبع ترير بحساسية وتفهم كبيرين يولي وحياتها وقصص حبها، نراها تعيش الحياة بحلوها ومرها، وبأيامها

العابرة وأحداثها العادية. كما لو كنا نعبر بحرا هادئ الموج، يصحبنا ترير في رحلة فيها من الحكمة والعذوبة الكثير، كما لو كان يعفينا ويعفي يولي ذاتها من الحرج، حين تعود بذاكرتها إلى عشرينيتاها من العمر، عندما تتذكر طيشها وحيرتها وترددها وقلقها، فلولا هذه التقلبات لما وصلت للثلاثين.

لا يمكننا قط تصور يولي كأسوأ شخص في العالم، كما جاء في اسم الفيلم، بل هي شخص يوبخ ذاته على قصوره وعلى طموحاته المهشمة وعلى فرصه الضائعة.

يتتبع سيناريو الفيلم، الذي كتبه ترير مع إسكيل فوغت، الذي تعاون مرارا مع ترير في كتابة سيناريو أفلامه، حياة يولي بحساسية ورهافة شديدة.

وهذا النص الإنساني البليغ عن حياة يولي في عقدها الثاني وبدايات عقدها الثالث ما كان ليصبح على هذه الدرجة من التأثير دون الأداء البديع لكل من رينت راينزفيه في دور يولي، وأندريس دانيلسون لي، في دور أكسل، حبيب يولي وصديقها، ذلك الحبيب الذي غادرته يوما في بحثها عن ذاتها، وفي مسعاها لفهم الحب والعلاقات.

تتعرف يولي على أكسيل، الكاتب ومؤلف القصص المصورة، وهما في طورين مختلفين من أطوار التطور وتكوين الشخصية. أكسل في مستهل الأربعين، مستقر ماديا، ويسعى لأن تكون يولي شريكته التي ينجب منها أطفاله، هو يعلم أنها تصغره بأكثر من عشرة أعوام، وما زال يعتريها الطيش والرغبة في التغيير، اللذين عادة ما يرافقان الشباب، لكنه يحبها ويسعد برفقنها، كما تسعد هي بوجودها معه، لكن فكرة وجود شريك دائم، وأطفال فكرة بعيدة كل البعد عن يولي، التي تسعى للحرية والتجريب وعيش شبابها دون ما يكبلها.

في عطلة نهاية أسبوع مع أسرة أكسل، تقابل يولي شقيقة أكسل وزوجها وطفليها. أطفال يصيحون، وزوجان يتشاجران، والكثير من المسؤوليات والواجبات العائلية.

 هذا تحديدا ليس ما تريده يولي. هي لا تجد نضجا أو سعادة في تلك الالتزامات. هي تريد لنفسها أن تحلق بعيدا وأن تركض متلهفة للقاء حبيب.

 ونجدنا نتساءل وما العيب في خيار يولي؟ ألسنا جميعا نتوق إلى الحرية وإلى الانعتاق مما يكبلنا؟

هذا الشعور بأنها في علاقة توشك أن تكون دائمة، وهذا التورط في مسؤولية تُلقى على عاتقها مثل مسؤولية أسرة وأطفال، يدفع يولي إلى البحث عن متنفس للحرية، عن علاقة لا مسؤولية فيها ولا قيود.

ذات ليلة تلتقى بذلك الآخر الوسيم، الذي نعرف لاحقا أن اسمه أيفيند (هيربرت نوردام) يلتقيان ويتبادلان الغزل والقبل والضحك، دون التزام ودون أن يتبادلا حتى اسميهما. هما متقاربان سنا، لا يرغبان في القيود ويريدان الاستمتاع بالحياة، دون مسؤولية أطفال، أو علاقة دائمة.

في مشهد بديع، حين تقرر يولي أنها عندما تكون في صحبة أيفيند، يقف الكون بأسره يتوقف الجميع عن السير وتتوقف المدينة عن الحركة، ولا يبقى متحركا حيا متدفقا مقبلا على الحياة إلا يولي وأيفيند. هما المتحرك الوحيد في حياة أصابها الركود.

هذه الحيوية والحركة والعاطفة، هو ما تبحث عنه يولي، وما تعتقد أنها ستحققه مع أيفيند. ألسنا جميعا في قلوبنا التي أثقلتها الأحمال والمسؤوليات نتوق إلى تلك الحرية؟ يثير الفيلم تساؤلنا عن الحب: ترى من نحب؟ ولم نحب؟ أنحب الشخص لذاته؟ أم لأنه يعكس رغبة من رغباتنا؟ ترى هل يدوم الحب، أم هو مؤقت ومشروط بتغير شخصياتنا عبر السنين؟

في «أسوأ شخص في العالم» أنجز ترير فيلما يجمع بين الرقة والحساسية في التناول والعمق، فيلما يضحكنا تارة، ويشجينا تارة، ونعيش معه ذكريات عشرينياتنا تارة، ويجعلنا نتساءل عن معنى النضج تارة.

وما كان له أن يكون بهذا التأثير دون ترير ودون السيناريو المحكم لترير وأكسل فوغت. وما كان لكل هذه العناصر، دون رينات راينسفيه، التي قدمة شخصية يولي بعمق وحساسية كبيرين.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي