نحو قراءة تداولية لقراءة خطاب الرحلة

2021-07-09

هكذا يعتبر سعيد جبار أن الرحلة خطاب يؤسس حقيقة معينة، يلتمسها الرحالة في تجربته الواقعية

بوشعيب الساوري*

يندرج كتاب «خطاب الرحلة الذاكرة وآليات إنتاج الدلالة» الصادر عن دار رؤية، القاهرة 2017 لسعيد جبار في إطار محاولة مقاربة النص الرحلي من منظور أدوات منهجية وجد فيها توسيعا للمقاربة السردية. وتتجلّی هذه الأدوات في مجموعة من المفاهيم التداولية أوحت له بفرضية لقراءة النص الرحلي.

وتمثلت هذه الفرضية في التأكيد على أن النص الرحلي ليس نصاً توثيقياً وتسجيلياً فقط، بل هو نص ينتج معرفة ترتبط بزمن مغاير لزمن الرحلة وهو زمن تلفيظ الرحلة، ويعبّر عن معتقدات تكونت لدى الرحالة المؤلف وهو يعيد استحضار وقائع رحلته وينظمها خطابياً، وهو ما يجعل هذه المعرفة تتحكم في سيرورة السرد من جهة، وفي التفاعلات الخطابية للخطاب العام من جهة ثانية.

هكذا يعتبر سعيد جبار أن الرحلة خطاب يؤسس حقيقة معينة، يلتمسها الرحالة في تجربته الواقعية، ويعمل على إعادة بنائها في ملفوظ، يضمن الانسجام المطلوب والموجهات الضرورية التي تجعل المتلقي قادرا على فك شيفراتها وإدراكها في سياق تواصلي خاص. ويتساءل سعيد جبار: كيف يمكن أن نعيد تأسيس هذه العلاقة الرابطة بين فعل الرحلة الواقعي وفعل تخطيبها؟

وجواباً عن هذا السؤال ميز سعيد جبار بين الرحلة الفعل (السفر) والرحلة الملفوظ (الكتابة) مؤكداً على وجود مسافة زمنية فاصلة بينهما، تطول أو تقصر، وهي تمثل المدى الزمني الذي يتمثل فيه الرحالة السارد وقائع رحلته ذهنياً، وهو يستعيدها عبر فعل التذكر من أجل تقديمها في ملفوظ مُنسجم قابل للتلقي، ليؤكد سعيد جبار أن فعْل التذكر هو وسيط بين الواقع التجريبي للرحلة وملفوظها.

الأول: فعل تلقائي يتحقق من خلال التنقل في الأماكن، عبْر أزمنة مُتلاحقة؛ وهذا الفعل غير موجه توجيها ذاتيا، ينفعل الرحالة مع المؤثرات المحيطة به، دون أن تكون له القدرة على تحويلها.

الثّاني: تخطيب للرحلة، هو فعل من درجة ثانية، ويتمّ عبر الإدراك الذاتي الذي تنتجه ذاكرة الرحالة، وهو يستعيد أحداث الرحلة ووقائعها، لكي يبنيها في ملفوظ خاص، الأمر الذي يجعل الرحالة يقوم بتحويل وتغيير وقائع الرحلة.

ويستنتج سعيد جبار أن خطاب الرحلة ليس خطاباً بريئاً، بل هو خطاب منتج لمعرفة، يحقق تواصلاً معرفياً بين ذات منتجة: متلفّظ الرحلة (الكاتب) وذات مستقبلة: متلقي الرحلة. وأن ملفوظ الرحلة وسيط بين إدراكين: إدراك المتلفظ الذي يعيد إنتاج الرحلة، وإدراك المتلقي الذي يعيد تمثّل وقائعها من خلال القراءة أو التلقي. وبناء عليه ينتھي سعيد جبار إلى أن خطاب الرحلة خطاب تداولي بامتياز يتضمن مجموعة من القوى الفاعلة تساهم في ربط جسر التواصل بين المتفاعلين.

اعتبر سعيد جبار الذاكرة وسيطاً بين فعل الرحلة وفعل تخطيبها، إذ تقوم الذاكرة بثلاثة أفعال:

التحفيظ: يتم بشكل مواز لفعل الرحلة، إذ تقوم الذاكرة بتخزين ما التقطته عبر الحواس من صور ووقائع من أجل استحضارها لاحقا.

إعادة الإنتاج: تتميز باسترجاع وقائع الزمن الماضي عبر تجريد الأحداث من طبيعتها التجريبية لتتحول إلى صور ذهنية يتم تمثّلها في سياق مخالف لسياق وقوعها، ويرسلها الرحالة في قالب لغوي قابل للتمثل من قبل المتلقي. في إعادة الإنتاج يتمّ توجيه الأحداث والوقائع وفق أحاسيس جديدة ترتبط بالحاضر ولا علاقة لها بأحاسيس الرحالة زمن وقوع الرحلة.

التعرف: يحيل على قدرة الذاكرة على التمييز بين وقائع الماضي والحاضر، ويضع حدودا بين الزمنين، فتعيد إنتاج الماضي بعيداً عن أي إكراهات نفسية أو اجتماعية.

يستنتج الكاتب أن السرد الرحلي ينتج الماضي ولا يقتصر على إنتاجه فقط، بل هو يجيب عن أسئلة مرتبطة بالحاضر. لكن ماذا عن صدقية الوقائع التي يستحضرها الرحالة عبر الذاكرة؟ تبقى صدقية الوقائع التي يستحضرها الرحالة عبر الذاكرة رهينة بالمقصدية التي يوجه بها الرحالة رحلته، وهو ينقل الوقائع خطابياً.

ويؤكد الكاتب أن الخطاب الرحلي قائم على الإخبار المتمحور حول الذات، فالرّحالة الذي قام بفعل الرّحلة في زمن سابق يتعهد بالإخبار عنْها وتدْوينها وتبليغها للمتلقي، فيوهمه بأن خطابه يلتزم الصدق والنزاهة، ويتأسس التواصل بين المرسل والمرسل إليه على أساس هذا التعاقد، إذ يتوخى الرّحالة تمرير الحقيقة التي يبنيها لمتلقي خطابه، ويسعى هذا الأخير إلى بناء هذه الحقيقة وإدراك مقاصدها.

لكن فعْل التذكر لا يستطيع استرجاع كل شيء، إذ يعمل وعي الرحالة الحاضر على وضْع خطوط حمر لا يُمكن تجاوزها في البوح والاعتراف، إذ يُعْلن ويُضْمر ويُخفي. فيتفاعل التذكر بالنسيان من أجل رسم حقيقة أدبية رحلية خاصة، ويوهم مخاطبه بأنه يرسم الحقيقة الفعلية التي امتلكها وهو يقوم بفعل الرحلة.

ثم يتساءل أي علاقة تربط الصدق بالمقصدية في خطاب الرحلة؟ وما طبيعة الصدق الذي تقصده هنا؟  عادة ما يكون الخطاب رهينا بأن يقول المتكلم الحقيقة التي يمتلكها، والرحالة السارد يمرر خبرا أو أخبارا تتعلق بذاته وفعله وسلوكاته، وهو ينتقل عبر الفضاءات في اتجاه هدف معين، وعبْر هذه التجارب يؤسّس الرحالة مفهوماً خاصّاً للحقيقة، يرتبط بالواقع وبالمُحيط وبالسّياق العام الذي يتحرّك فيه.

لكن هذه الحقيقة لا تكتمل إلا بتجميع الأخبار المختلفة التي ينوي الرحالة إرسالها للمتلقي وترتهن بالوعي الحاضر الذي يُعيد من خلاله استرجاع الزّمن الماضي والتوليف بين أحداثه ووقائعه.

يُخبر الرّحالة بما يعتقد انه صادق لضمان جسر التواصل بينه وبين المخاطب من أجل تحقيق مقاصد ملفوظه، ولهذا يستنتج سعيد جبار أن مقصدية الخطاب هي النواة التي توجه ملفوظ الرحلة وانسجام خطابها رهين بتحقيق هذه المقصدية الإخبارية التواصلية المتعلقة بالمعرفة أو مجموع المعارف التي يرغب المتكلم في تمريريها لمخاطبه وإقناعه بها. وللمقصدية مستويان: إخباري وتواصلي، فكيف يتأسس كل مستوى؟ وما العلاقة بينهما؟

المقصدية الإخبارية: ما يقصده المتكلّم من حمل مخاطبه على معرفة معلومة معينة.

المقصدية التواصلية: ما يقصده المتكلّم من حمل مُخاطبه على معرفة مقصده الإخباري.

أي أن الثانية تنبني على الأولى، وبالتالي لا يمكن بلوغ المستوى التواصلي إلا بالعبور من المستوى الإخباري، ولا يُمكن إدراك الدلالة غير الطبيعية إلا باستيعاب الدلالة الطبيعية. تقْتضي المقصدية التواصلية الانتقال من مستوى الإخبار إلى مستوى التمثيل والبحث في مجموعة المرتكزات الخطابية والسياقية التي تنقلنا من مستوى الإخبار إلى مستوى التواصل.

ويفرض الطابع التأويلي لهذا المستوى آليات مغايرة ومقاربة دقيقة تمكن القارئ والمتلقي من القبض على العناصر الضرورية التي تسمح بتجلية العناصر الخفية في الخطاب.

 

  • كاتب مغربي







كاريكاتير

إستطلاعات الرأي