"لبنان بين الأمس والغد" كما يراه نوّاف سلام

2021-06-23 | منذ 1 شهر

سوسن الأبطح: كتاب نوّاف سلام «لبنان بين الأمس والغد»، الصادر حديثاً بنسختين: إحداهما بالعربية عن «دار شرق الكتاب» في بيروت، وأخرى بالفرنسية عن «أكت سود» في باريس، هو مجموعة دراسات كتبت ونشرت سابقاً (متفرقة) بالإنجليزية أو الفرنسية على مدى ربع القرن الماضي. وهي في مجملها ترسم رؤية متكاملة للوضع اللبناني منذ التكوين الأول لهذه البقعة الصغيرة من الأرض إلى اليوم. ونواف سلام -حالياً- قاض في محكمة العدل الدولية في لاهاي، وكان سفير لبنان لدى الأمم المتحدة، وطرح اسمه لتولي رئاسة الحكومة أكثر من مرة في السنة الأخيرة.

ويعود المؤلف في كتابه الجديد إلى القرن الرابع الميلادي، حيث يمر بمراحل التشكيل الديموغرافي والتحولات الدينية، ويتحدث عن أهمية المرحلة العثمانية، ومن ثم تشكل لبنان الحديث، وفي مركز الاهتمام مدى تجذر الطائفية، وتحول معانيها ووظائفها، وما تمثله في الزمن الراهن. فالطائفية في رأيه «لا تزال تمنع قيام دولة فعلية، بما يفترضه ذلك من قدرة على بسط سيادتها في الداخل، كما في الخارج». ولا يساوره شك في أن لبنان «يمر بإحدى أخطر مراحل تاريخه المعاصر»، وهذا ما يتطلب «التصدي للجذور العميقة للأزمة» بمختلف تفرعاتها.

الكتاب، إذن، ليس قراءة للأزمة الحالية، كما يمكن أن يتخيل بعضهم، إنما هو أقرب إلى الأكاديمية منه إلى التحليل السياسي السريع. ولإرضاء فضول القارئ الذي غالباً ما يميل إلى الطازج قدم الكاتب للدراسات الثماني التي يتكون منها الكتاب بصفحات يشرح من خلالها فكرته، وتسلسل المسار الذي يطرحه، كما يشير إلى تحديثات لجأ إليها في عدة مواضع. ولربما أن المقولة التي اختارها لأنطونيو غرامشي في أول الكتاب هي مؤشر على المكان الذي يرى سلام لبنان محشوراً فيها: «تكمن الأزمة تحديداً في أن القديم يحتضر، بينما الجديد لا يستطيع أن يُولد بعد. وفترة الالتباس هذه بين العتمة والنور، تظهر شتى أنواع الأمراض».

ما يفعله سلام من خلال الكتاب، إضافة إلى الإحاطة التاريخية، في الوضع اللبناني هو طرح رؤيته الإصلاحية التي تشبه إلى حد كبير غالبية ما يطالب به اللبنانيون، لكن تبقى المشكلة في التطبيق، وفي العثور على الأشخاص الذين بمقدورهم المضي في تطبيق ما هو مطلوب للنجاة.

إن «الجمهورية الثالثة» في لبنان، كما يقول، يفترض أن «تقوم على مبدأ المواطنة الجامعة وسيادة القانون، وعلى دولة مدنية ترتكز على قيم العدالة والمساواة والحرية واستقلالية القضاء، بدلاً من الطائفية والمحاصصة». وفي القسم الأول المخصص للإصلاحات المطلوبة، يشرح كيف أن الطائفية تجذرت بفعل الحرب الأهلية عام 1975، واستفحل الأمر بعد اتفاق الطائف عام 1989، لا بسبب الاتفاق نفسه بل بسبب سوء التطبيق أو تجاهل أحكام كان يمكنها أن تصحح الاختلالات، إضافة إلى ضرورة سد الثغرات التي يعاني منها.

فهو مع الانتقال إلى مجلسين: مجلس للنواب ومجلس للشيوخ، كما نص اتفاق الطائف؛ يؤمن الثاني التمثيل العادل للطوائف، في حين يؤمن مجلس النواب المشاركة «المواطنية» غير الطائفية. وسلام أيضاً مع تطبيق «اللامركزية الإدارية الموسعة» شرط ألا تتعدى الجانب الإداري فتنحو صوب الفيدرالية. ومن الإصلاحات التي يدعو إليها، وباتت موضع إجماع الشعب اللبناني، إصلاح قانون الانتخاب، كما أنه مع سياسة «النأي بالنفس» التي كثر الكلام عنها في الآونة الأخيرة.

وبالعودة إلى الطائفية التي تشغل سلام، ويعود إليها في كل دراسة، يرى أن ما يحركها لم يعد المعتقد الديني الذي تأسست عليه، وإنما أضحت نوعاً من العصبية بحسب النموذج القبلي الذي يتحدث عنه ابن خلدون في مقدمته.

فبعد توقف الحرب الأهلية، وبدل أن يخفت وهج الطائفية بفعل ما تسببت به من كوارث، برز ميل إلى تجذيرها اجتماعياً، إذ إن «عامل العبادة» أو التعلق بمضمون العقيدة الدينية لم يعد هو ما يحرك أصحاب الطائفة الواحدة، إنما تحولت إلى نوع من «النسب» أو «التوهم به» لشد أزر الجماعة الواحدة. بدليل أنه قبل الحرب الأهلية عام 1975، أجريت دراسة في لبنان بينت أن نسبة الأشخاص الذين يرتادون دور العبادة ممن تقل أعمارهم عن 30 سنة تتراوح بين 2 و5 في المائة، مما يؤكد أن الطوائف تخضع العنصر الديني الذي كان أساس نشأتها لأهداف زمنية ومصالح سياسية لبسط هيمنتها.

الدراسات الثماني قسمت على 3 فصول. في الفصل الأول «أصول المسألة اللبنانية» عودة إلى مسار تشكل الطوائف، وتطور دورها الاجتماعي والسياسي، من «جماعات أمر واقع» وجدت على هذه الأرض وتعايشت، مروراً بمرحلة استغلالها من قبل القوى الكبرى لإضعاف الحكم العثماني، دون إهمال الدور الذي لعبته المؤسسات الدينية لتنظيم الأطر الاجتماعية. وفي هذا القسم دراسة تحت عنوان «المواطن المكبل»، يتحدث فيه سلام عن منطقين يتعيشان في لبنان بتوتر، وهما المنطق الطائفي والمنطق الفردي. منطقان لا يلغي أحدهما الآخر، على ما يبدو بينهما من تناقض ظاهري. وإذا كان المنطق الطائفي مفهوماً، فهو يعود لشرح المنطق الفردي إلى ميشال شيحا وكتاب آخرين من أصحاب التيار «اللبنانوي» الذين غلبوا قيمة الحرية الفردية، كما أهمية التعليم الذي انتشر باكراً على الأراضي اللبنانية، وما حمله المهاجرون من قيم الانفتاح. ويخلص إلى أن التعايش بين المنطقين سهل ممكن، لكن المشكلة هي في الدولة التي رجحت حقوق الطوائف على حساب حقوق الأفراد «لأن إشكالية المواطنة في لبنان لا تكمن في غياب الفرد -كما يقال- بل في غياب الاعتراف السياسي الكامل بهذا الفرد».

حين أعلن الجنرال الفرنسي غورو لبنان الكبير عام 1920، حيث اعتمدت صيغة ضم المدن الساحلية بيروت وصيدا وطرابلس إلى المتصرفيتين، وكذلك الأقضية الأربعة التابعة لولاية الشام، وهي بعلبك والمعلقة وراشيا وحاصبيا، كان ذلك برغبة من القيادات السياسية والدينية للطائفة المارونية، وانخفض بالتالي عدد المسيحيين من 80 في المائة إلى 51 في المائة، بحيث لم يعد الموارنة يشكلون سوى 30 في المائة. هذا الكيان الجديد قضى على حلم المسلمين، وشركاء لهم من الروم الأرثوذوكس، بالانضمام إلى المملكة العربية التي دغدغ بها الملك فيصل عواطفهم. المشكلة بدأت باكراً، إذ وجد المسلمون صعوبة في التماهي مع حلم القومية اللبنانية أو التيار اللبنانوي. فالهدف من قيام لبنان لم يكن التوازن، كما تقول إليزابيث بيكار، وإنما الغرض هو أن يكون «وطناً للمسيحيين»، على الرغم من أن نصف السكان ليسوا كذلك.

وعام 1943، ومن خلال «الميثاق الوطني»، قبل المسيحيون بوجه عربي للبنان، وتخلى المسلمون عن فكرة الوحدة مع سوريا. ومع الوقت، انخرط المسلمون في فكرة الدولة اللبنانية، لكن طبيعة هذه الدولة وهويتها ظلتا مسألتين خلافيتين. وإن نجح اتفاق الطائف بعد معارك الحرب الأهلية المدمرة في إيقاف دورة العنف، وإعادة تعريف الهوية والكيان، فإن الأزمة بقيت نفسها. فالدولة كما يقول سلام «لا يمكن أن تكون جديرة بهذه التسمية إلا عندما تنجح في فرض استقلاليتها عن الطوائف المختلفة، وتكوين حيز خاص بها».

القسم الثاني من الكتاب مخصص «للحرب والسلم»، وفيه دراسة عن «جذور الحرب ومساراتها (1975-1990)»، حيث قراءة في الثغرات الداخلية والتدخلات الخارجية التي أججت الحرب الأهلية، وعملت على تقوية جذوتها عندما كانت تخمد. هذه الصفحات تدخل في تفاصيل حول النظام السياسي، والهشاشة الاقتصادية والزراعية، لكن ربما أن العبارات التي استعارها سلام من ثيودور هانف تختصر جيداً ما يريد أن يقوله: «في معظم مراحلها، ظلت الحرب الأهلية ظاهرة ثانوية للحرب بالوكالة على فلسطين، لكنها هيأت الأرضية لتغييرات ضخمة في النظام السياسي اللبناني». وثمة في هذا القسم الثاني من الكتاب ما يقارب 20 صفحة خصصت لـ«اتفاق الطائف أو السلام الهش» الذي نتج عنه. فإذا كانت الحرب الأهلية استمرت سنوات نتيجة الجدلية القائمة بين سعي الزعماء اللبنانيين إلى دعم خارجي لتعزيز مواقعهم في وجه خصومهم المحليين، واستغلال اللاعبين الخارجيين للانقسامات الداخلية لتعزيز نفوذهم الإقليمي، فإن اتفاق الطائف حصل بعد أن أيقن الخصوم اللبنانيون أن أحداً منهم غير قادر على تحقيق انتصار وقد أنهكتهم الحرب. أسباب كثيرة يدرجها الكاتب أدت إلى إيقاف الحرب، كما أنه يقدم قراءة طويلة لاتفاق الطائف، وما كان له من انعكاسات، فهو لم يتمكن من الحد من التدخلات الخارجية والارتهان للآخرين، وأبقى البلاد على توازنات هشة. بالخلاصة «فإن إعادة اتفاق الطائف إلى مساره الصحيح فقط أضحى أمراً شبه مستحيل. وما بات مطلوباً اليوم هو معالجة اختلالات الطائف وتطويره».

وفي القسم الثالث (الأخير)، المعنون بـ«نحو الجمهورية الثالثة»، فإن الخطوة الأولى نحو بلوغ هذه الهدف بالنسبة لنواف سلام هي البحث عن «مدخل إلى تجاوز الطائفية السياسية». ولم يستخدم سلام في عنوان بحثه كلمة إلغاء التي شاعت بين محتجي 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، فالواقعية تقتضي النظر إلى صعوبة هذا الأمر في الوقت الراهن، خاصة أن الكاتب يتحدث عن شيء من النفاق أو المداراة، وأحياناً استخدام تكتيكات من جهة أطراف سياسية تدعي رغبتها في تخطي النظام الطائفي، فيما المضمر غير ذلك. وفي رأي سلام أن إلغاء الطائفية السياسية يحتاج إلى ظهور قوى اجتماعية جديدة، وتشكيلات حديثة ذات طابع وطني غير طائفي. ولا بد من التدرج في العودة إلى الدستور. أما النقطة الثانية التي يطرحها الكتاب للنجاح في الدخول إلى الجمهورية الثالثة، فوضع نظام انتخابي عادل، يتمثل من خلاله اللبنانيون، عاقداً مقارنات بين النظام الأكثري الذي كان متبعاً والنظام النسبي الذي وضع عام 2017، مظهراً ثغراته، ومن ثم النظام المركب الذي يجمع بين الأكثري والنسبي، ويمكن أن يكون صالحاً لتطبيقه في لبنان. لكن في كل الأحوال، أياً يكن النظام الانتخابي، فإن بقاء النساء من دون «كوتا» تفرض وجودهم، والشباب الذين لا يحق لهم الاقتراع عند بلوغ الثامنة عشرة، وكذلك حرمان المقترع من حق الانتخاب في مكان إقامته، وضعف ضوابط الدعايات الانتخابية، وعدم القدرة على ضبط سقوف الإنفاق؛ كلها من مكدرات العبور صوب الديمقراطية الحقة.

الكتاب في مجمله يحاول وضع تصور إصلاحي لدولة تتخلص من مرض الطائفية تدريجياً، وتبسط سيادتها على أراضيها، وتتعامل مع أفرادها بصفتهم مواطنين متساوين في الحقوق.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي