الجوع الرابع.. الوعي والفن

2021-06-21

ريموند تاليس

إعداد وترجمة: د. حورية الظل

ريموند تاليس، (من مواليد 1946م)، فيلسوف وشاعر وروائي وناقد وعالم أعصاب بريطاني، من مؤلفاته «الجوع»، و«إصبع مايكل أنجلو»، و«نوم نيوتن» وغيرها كثير، وفي مقاله هذا يُعرِّف بالجوع الرابع الذي يشبعه تلقي الأعمال الفنية، ويدعو إلى ضرورة استفادة فن المستقبل من فضائل الموسيقى والأدب، كما يتطرق إلى كون هدف الفلسفة الأساسي يتداخل مع أهداف الفن.

الماضي والمستقبل:

فيما يلي، سأركّز بدرجة أقل على ما كان يعنيه الفن في الماضي أكثر من التركيز على ما قد يعنيه في المستقبل، وبالطبع فرؤيتي لمستقبل الفن مستوحاة من ماضيه، وإلا فلن يكون هناك مبرر لاستخدام كلمة فن من الأساس.

والتركيز على المستقبل يجنبنا مشكلة الخوض في تداخل الفن في الماضي مع العديد من الأشياء الأخرى، كتداخل الفنون والحرف، حيث نادراً ما كان يوجد الفن من أجل الفن.. ولطالما استُخدم الفن لتمجيد أو إسعاد أولئك الذين يطلبونه أو يدفعون مقابله، وهذا جعل بعض الناس يسخرون من المزاعم التي ترى أن الفن يعبر عن القيم الرفيعة.. ولكن الشيء الاستثنائي بالنسبة للفنانين العظماء، أنهم أنتجوا أعمالاً أكثر جمالاً وعمقاً

وتعقيداً مما تطلبه عصرهم، إن الذكاء اللامع، والصور المعجزة، والموسيقى الساحرة في مسرحيات شكسبير أمر مذهل، فقد ابتكر الفنانون العظماء دائماً الفن من أجل الفن... قد يكون الفن المستقبلي أخف عبئاً بسبب

مطالب المتلقي، سيظل الفن دائماً يشبع الحاجة إلى الترفيه، ويستقطب الجمهور من خلال إثارة المشاعر البشرية العادية: التسلية والفضول والتعاطف والخوف، وما إلى ذلك... ويبقى الترفيه، مع هذا، شرطاً ضرورياً في التجربة الفنية، ولكنه ليس شرطاً كافياً.

الجوع الرابع:

أريد أن أزعم أن الفن يعالج الجوع الأساسي الناشئ عن الحالة الإنسانية، فلدى البشر ثلاثة أنواع من الجوع: الأول من أجل البقاء، والثاني للمتعة، والثالث للحصول على اعتراف إيجابي من قبل الآخرين، ولكنْ هناك جوع رابع، وهذا هو ما يعالجه الفن -وفي المستقبل سيفعل ذلك بشكل أكثر وضوحاً وأكثر تحديداً، وما يمكن

تأكيده، أنه نادراً ما كان الجوع الرابع مشكلة لدى الجائعين والمضطهدين والخائفين والذين يعانون الألم، ومع ذلك، فقد أدى الثراء الناجم عن التقدم التكنولوجي إلى زيادة أعداد الأشخاص الذين لا يشكل الاستقرار الاقتصادي بالنسبة لهم مصدر قلق، ولديهم وقت فراغ كافٍ للتفكير فيما يتجاوز الوسائل الضرورية، فيعانون

من عدم اكتمال الإحساس بالعالم، والفراغ، فيستجيبون بشكل متزايد للنشاط المحموم الأكثر شيوعاً، والذي يتضمن عادةً استهلاك السلع... إلا أنها لا تخفف من الجوع الرابع الذي يشبعه الفن فيحقق لهم حياة أكثر استقراراً، ووعياً أكثر كثافة، وتجارب مبهجة.

التقنيات:

هناك خاصيتان للفن، هما الشكل والانسجام، وفي الحياة العادية، نجد دائماً أن التجربة لا تتناسب مع توقعاتنا، حتى عندما تكون الأخيرة مبنية على تجربة سابقة، فنترجم عدم التوافق بين التجربة والفكرة، إنه انفصال بين المحتوى والشكل، والمحتوى هو التجربة الفعلية والشكل هو فكرة التجربة، وفي العمل الفني يكون الشكل

والمحتوى منسجمين، ويتضح هذا بسهولة من خلال الموسيقى التي قد نفكر فيها على أنها فن نموذجي، وقد أكد ذلك والتر باتر لما قال: «كل فن يطمح إلى تمثل الموسيقى»، فكر مثلاً في العلاقة بين الصوت والفكرة -أو الشكل- في تجربة اللحن، فكل ملاحظة موجودة بشكل كامل، أي كحدث مادي فعلي، ومع ذلك فهي بشكل واضح جزء من كل أكبر، أي جزء من فكرة، بحيث لا يوجد تعارض بين شكل أو فكرة الموسيقى،

لأن لحظات الاستماع لدينا مشبعة بإحساس بما سيأتي وبما فات، ففي الموسيقى الرائعة نشعر كما لو كنا قد قطعنا مسافات طويلة إلى، ومن خلال، مشهد صوتي بعيد، يحقق الإحساس باللحظة الحالية وبالماضي وبالمستقبل.

أما الأدب العظيم، فإنه يربط الأشخاص والأماكن والأشياء والموضوعات معاً عن طريق القصة... والروايات العظيمة تخلق عوالم مصغرة، من خلال إعادة إنتاج التعقيد متعدد الأبعاد للعالم الكبير، تجعل المزيد من العالم قابلاً لتحمله، وبالتالي تقوم بتوسيع الوعي الإنساني.

ولذلك يجب أن يجمع العمل الفني في المستقبل بين الفضائل الخاصة بالموسيقى وبالأدب.

وبالنسبة للفلسفة، فإنها تجمع في أفضل حالاتها بين أقسى وأقوى إحساس بالواقع... وهدفها الأساسي يتداخل مع أهداف الفن، حيث تقوم بتوسيع وإضاءة فهمنا للعالم من أجل جعله مفهوماً للعقل، كما أنها تسعى جاهدة لتقريبنا أكثر من الإحساس بالعالم، والنظر مباشرة إلى الماضي أو مباشرة من خلاله، ولهذا السبب علينا أن نتفق مع نيتشه لما قال إن: «إبداع الفن هو النشاط الميتافيزيقي الوحيد الذي لا تزال الحياة تلزمنا به»، لأن مثل هذا النشاط الميتافيزيقي هو النشاط الذي سنختبر فيه تجاربنا حقاً.

وإذا كان الأمر يتعلق بمعالجة الجرح في الوعي البشري، يجب أن يكون فن المستقبل قنوعاً، فلا تكون له أي فائدة عملية، فيكون هدفه الوحيد هو مساعدتنا على الوصول إلى الوجود الذاتي الكامل، والتمتع بوعي واسع... ومثل هذا الوعي سيساعدنا على الانفتاح على واقع الآخرين -ويحيّدنا عن التمركز حول الذات المنغلقة وغير المكترثة، والمتفرغة لطقوس الاستهلاك والعربدة الاستهلاكية، والتي نستيقظ منها إلى العزلة

المريرة عندما تضرب المحنة، ولذلك نحن بحاجة إلى أن نعيش داخل عدد ولو صغير من الأعمال الفنية المحددة التي ستمنحنا صورة حقيقية للعالم البشري، مساوية لتنوعه وعمقه وغموضه وعظمته، يجب أن نعترف أيضاً بأننا سنستمر في تجربة الفن على مستويات أخرى كثيرة... ولذلك فليكن هناك فن، يوسع ويعمق، إن لم يكن يكمل، الإحساس بالعالم.







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي