حَيث قَرَأَ المُتَنَبِّي قَصِيدَتَه!

2021-06-17 | منذ 1 شهر

 

عبدالكريم هداد*

 

جَديلتان مِنْ النَخْلِ

يَضفِرُ فِيها الفُراتُ سّرَّهُ

المَالِح

وأنْكيدو..

أرضَعَتْهُ الغِزْلان، حِينَ كان..

هيَ بَقايا خَزَفِ نَبيذِ المَعبَد

وحِكايَاتُ الآلهَةِ الأولى

هيّ أوروكُ

وقَدْ مَرّتْ بِهَا لُغاتُ التَكْوين

وتَراتيلُ الكَهَنةِ المُخْتَنِقَة بالأساطيرِ

قَبْلَ أنْ يَعبرَ بِها الطُوفانُ سَريعاً

حَيْثُ حَمَلَها النَهْرُ عَلَى أكتافِهِ

لتَغفوَ بِعمرِها الآتي عِندَ بَوابَةِ الرَّمْلِ

حَيثُ قَرَأ المُتنبي قَصيدتَهُ..

لبقايا قَرامِطَةٍ

تَفْتَقْدهُمْ البِلادُ كَثيراً..

(تَرَكْنَا مِنْ وَرَاءِ العِيسِ نَجْداً

وَنَكّبْنَا السّماوَةَ والعِراقَا)*

رَأيتَهُ تِلكَ اللّيلَة تَحتَ شُبّاكِ قمرِ نَخْلَةٍ كثّةِ السَّعفِ كَأنْثَى

رأيتهُ يَتَجَوَّلُ في سّوقِها الرِّيفي المُسَوّر بِجدْرانِ الطِين

حَمَلَ مِنْهُ تّمْراً وخُبْزاً، لَمْ يَكفِ الزّادُ رِحْلَتَهُ الأخِيرة..

ولَعَلّهُ اقتنى سّيْفَهُ الأخِيرَ مِنْ حَدّادٍ قُربَ الجَامِع القَدِيم

سّيْفاً لَمْ يَرْدَعْ قَاتِلَهُ..

بَحَثْتُ عَنْ عَذْبِ المَاء

وقَدْ مَلَّ نَهْرَ (العَطْشان ) ظَمَأَهُ

عَلَى مَشَارِفِ بُحَيْرَةِ (سَاوّة)

حَيث حَمَلَتْ خطايَ الوَدَاع

نَحْوَ مَنْفَى أرَادَ مِني النَبيذَ لا الخَزَف

وبحَفْنَةِ تّْمْرٍ وشَفَةِ سّيْفٍ جَائِر

سَقَطَ القَرامِطَةُ واحِداً..

واحِداً

دَفَنْتَهُم – كُلّهُمْ – تَحتَ راياتِ النِسْيان

وآلِهَةٌ تَنَكّرَتْ طِينَها

لا تَسْتَجيبُ الدُّعاء

سومرُ عِطرٌ، يَحْتَرقُ وطِفولَتي

هُناكَ بَينَ أبوابِ زقاق (عَجدْ اليَهُود)..

يَلْتَمِعُ دِهَانُها عَلَى صَفيحِ السُوقِ القَدِيم

أتَسَلّقَهُ وأضواءَ مَواكِب عاشُورَاء

تَأتي مَجْروحَةَ البُكَاء

وفي ذَاكِرَتي الجِسْرِ الحَديدِي مُعَلّقاً بِلَوْنِهِ الأخْضَر

حَيثُ الزَوارِقُ المُشْبعَةُ بِصَيْفِ رَائِحِةِ السّمَكِ البُنِّيُّ

وغَاباتُ النَخيلِ، تَغْفو كَبَقايَا ليْلِ الأمْسِ

وقَدْ كَانَ..

فَيْضٌ سَماوَيٌّ يَأتِي

يُطارِدُ أخْيلَتي

بَينَ شَوارِعِ (باتا) و(مْصِيوي) و(السْتِينْ)

وصَبَايَا زُقاقِ (العَرايا) و(دَبْعَنْ)

وأسْوارُ (سِجْن الخَنّاقْ) وزّنْزَانَةٍ أعْرُفُها

تَاريخٌ يَمُرُهَا،

وتَبْقَى مَدينَةً لِطِفولَتي

نَهراً وسِجناً ومَنفى..!

 

  • شاعر عراقي

———————

الهوامش:

  • من شعر أبو الطيب المتنبي.
  • السماوة مدينة عراقية تحمل إسمها البادية الواقعة بين بادية الشام ونجد.
  • نهر العطشان أحد فروع الفرات ، حيث يلتقي شمال مدينة

السماوة ويمر بأرض مالحة يكتسب الفرات بأثره الملوحة .

  • ساوة: بحيرة تاريخية لها أسرارها الطبيعية.
  • عجد: يعني الزقاق في اللهجة المحكية. أما – اليهود – العرايا –

دبعن، فهي أسماء أزقة في مدينة السماوة .

* باتا، مصوي، الستين: هي اسماء شعبية قديمة لشوارع رئيسية في وسط المدينة.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي