رواية "قهوة بالحليب على شاطئ الأسود المتوسط": مصائر الشعوب في ظل جحيم الساسة

2021-06-16 | منذ 2 شهر

غلاف الرواية

لحسن ملواني*

«يصفوننا بالسريين … ونحن أوضح من نار على علم، لا تخطئنا عيون حراس الحدود، والشرطة والدرك… مصوبة على الدوام نحونا النظرات، لا تخطئنا السهام والضربات، مراقبون مهما حاولنا التسلل». (الرواية)

عن منشورات جامعة المبدعين المغاربة، فاس 2021، صدرت رواية «قهوة بالحليب على شاطئ الأسود المتوسط» للكاتب المغربي (الكبير الداديسي) والتي سبق فوزها بجائزة (منف) للرواية العربية/مصر ــ غير المنشورة ــ العام الفائت. ويحاول الداديسي توثيق رحلة الهروب من جحيم الحروب الأهلية، والتي لا

تفرق ما بين الأبيض والأسود إلا بالمأوى، هذا المأوى يتمثل في محاولة الوصول إلى أوروبا عبر الرحلات المعهودة من خلال قوارب الموت، إلا أن أمرهما يستقر في المغرب، أملاً في حياة جديدة، فلا غرابة في أن تلتقي مصائر المرأة السورية والرجل الإفريقي، والكل في الجحيم سواء.

رمزية العنوان

يعتبر عنوان الرواية بصيغته مزدوج الوظيفة، فهو إذ يشير إلى ما يعتبر عاديا في وجباتنا اليومية «تناول قهوة بحليب» يحمل دلالة أخرى تتعلق بقيم ومبادئ ذات صلة بالمساواة، وبالتعايش بعيدا عن التفريق بين الناس استنادا إلى ألوانهم.

عنوان رامز إلى العنصرية، التي عششت في أذهان الملايين من مختلف بقاع العالم، يشهد ذلك حتى في الدول التي تدعي وتتبجح بالديمقراطية وحقوق الإنسان.

فالحليب يحيل إلى «ميادة» امرأة من سوريا باعتبارها بيضاء البشرة، والقهوة تحيل إلى «مامامدو» من ساحل العاج، وبين التفاعل المبني على الحيطة والحذر من جانب ميادة بالخصوص، سيتوافقان ويختلطان فيتحولان إلى مشروب سائغ مطلوب «قهوة بحليب».

محنة الشخصيات

من بداية الرواية حتى نهايتها يعيش القارئ أجواء مضطربة تجعله يتعاطف مع شخصياتها ومعاناتها المتنوعة والمتعددة بين رحلة وأخرى في طرق وأماكن تضج بأمثالهما من المشردين الباحثين عن الأمن، وتحقيق ظروف عيش مقبولة، وسط المخاطر والعصابات التي لا تعرف سوى المال والمصالح الشخصية.

وهي أوضاع ما تزال قائمة في أوساط المهاجرين إلى اليوم، الذين تراودهم أحلام يرون فيها البديل.

وفي إهداء الرواية «إلى أولئك الذين يركبون الآلام سعيا وراء الأحلام». إنهم المهاجرون السريون، الذين تجعلهم الظروف يلتقون، وترغمهم الحاجة فيتواجهون، رغم ما يحمله كل منهم إزاء الآخر انطلاقا من الثقافة والنظرة التي تشبعوا بها من مصادر مختلفة.

«تكوّنت لكل منا نظرة سالبة عن الآخر، نحن المحتَقرون لنا أيضا حق أن نحتقر. شعرت بالغثيان لزنجي متسخ متسول يستجدي قلوب المصلين، ثياب مهلهلة على جسد طويل شوته شمس افريقيا، قطبت أنفي واستنشقت مرتين متتابعتين كمن يتحسس شم رائحة كريهة، لوحت بيدي اليمنى أمام أنفي متظاهرة بطرد رائحة أزعجتني… بشرة سوداء لن يكون تحتها إلا قلب أسود يعشق الانتقام، يجيد الاحتيال والخديعة، لو أتيحت له فرصة لافترسني شر قتلة، ولعبث بجثتي كما فعل أولئك الأوباش بزوجي باسل هناك في سوريا في حماة الجريحة».

من هنا سينطلق الروائي كي ينسج معركة السرد، كي يغير من نظر هذا نحو ذاك، انطلاقا من معطيات كثيرة تعيد النظر إلى ما هو مركون في أنفسنا، من قيم ونظرة نحو الآخر المختلف عنا لونا وجنسية وبلدا. وإذا كانت المعاناة مفتاح معرفة كنه قيمنا النبيلة وصفاتنا الحميدة في حقيقتها وجوهرها، فقد قدمت الرواية الشخصيات في جو لا يكاد ينقطع عن الاضطراب والخوف والانتظار والتفكير في البدائل وامتهان أي شيء من أجل البقاء على قيد الحياة.

فكل عبارات وأوصاف الأمكنة، وما يسري عليها من أحداث لا يخلو من الفجائع والفظائع المتناسلة من هنا وهناك.

تقول ميادة «مـضغة أنا، هربت من بين أضراس تطحن الأخضر واليابس في حماة، اعتقدت أنني انفلت من بين الطواحن، لكن وجدتنـي أعتصر في قناة ذات اتجاه واحد متعرج عفن، فرحت أني صرت على شفا المخرج العربي، قريبة من مجاري أوروبا، انتظرت أن يقذف بي في فضاء أرحب عساي أجف وأتخلص من روائحكم الكريهة، لكنني فتحت عيني وأنا أسبح في عفونتكم، قانعة قابعة في واقعكم من جديد».

معاناة كانت بصحبة مامادو الذي شاءت الأقدار أن يكون رفيق ميادة في رحلة طويلة ستنتهي بالزواج والعمل معا بعد فقدانهما المأساوي للمياء، التي عوضها الله لهما حين تزوجا برضى وحب واقتناع.

لعنة السياسة

والكاتب قبل حصول هذا التواؤم الفريد، الذي يعتبر نموذجا يقتدى من أجل رأب الصدع بين الناس بسبب ألوانهم وأوطانهم، مهد له بأحداث مؤثرة، تنحصر في ميادة وممادو ولمياء قبل أن تموت الأخيرة موتا مؤثرا غيّر الكثير من الأمور.

وكل الشخصيات المبثوثة في أحداث الرواية تعيش اضطرابا وأحزانا وهي تبحث عن مخرج يحقق بصيصا من أحلامها. ويرجع سبب كل ذلك إلى السياسة التي تحرق الأخضر واليابس، ولا تعترف بإنسانية الإنسان حيث تتركه يواجه مصائر، جلها أو كلها، يحمل حتفه أو تعويقه.

«لعن هذه السياسة وما يأتي من السياسة التي تربك الزمن وتشوه الحقائق، تشعل النيران، تجعل الإخوة أعداء.. الانتخابات في العالم مجرد وسيلة لاختيار الحاكم، تنتهي بتبادل التهاني.. لكنها في بلدي تمخضت فأنجبت وطنا يتناسل فيه القتل سفاحا بين طوائف لا تردد سوى ـ لوران غباغبو هو الفائز في الانتخابات والموت لمن يدعي العكس.. لا.. الحسن واطارا هو الأجدر بالفوز، ولا مستقبل لساحل العاج دونه».

النص برمته يلامس جراح الناس في مجتمعات تتطاحن قلتها من أجل المناصب السياسية، التي تغلب عليها الأنانية والمصالح الشخصية، والكاتب تعامل مع الأحداث والشخصيات بوعي الناقد والمبدع، فقد قام برصد وقائع جرت وتجري رحاها في عالمنا إلى الآن، وكل نشرات الأخبار تعكس يوميا مجريات الأحداث ومعاناة المهمشين الحالمين.

وقد تمكن الكاتب من توصيل خطابه التوجيهي التربوي، إذ اشتغل على سلوكات ومعتقدات مكتسبة ترسخت فصارت من طبائع ثلة كبيرة من الناس.

محاولة للتعايش

تستجمع الرواية حبكتها وتقنياتها للتركيز على نبذ العنصرية التي تشكل عنصرا أساسيا في الوقوف أمام تحقيق التعايش بوجه من الوجوه.

فعبر الحوار الشيق الذي دار بين ميادة وممادو، وعبر ضربه لها للأمثال، وعبر الشعر العربي، تعيش في جو من التفاعل، بين مؤيد مفترض للعنصرية بناء على اللون، ومن يريد أن يخلصنا من هذا المعتقد المشين الذي جثم على الجميل من صفتنا الإنسانية النبيلة.

«أوف في كل لحظة يطلع لي هذا العبد ليخفف عني بعض ما يلم بي، حاولت انتزاع لمياء من حضنه، ورمي الكأس في وجهه، لكنها تشبثت به وأطلقت صراخها، وكلمتها المتقطعة: عمو.. عمو مامادو.. لما هذا العبد لا يغتاظ لا يقلق، كأنما يريد أن يجنني، كلما ابتعدت عنه وجدته أمامي يقترب مني أكثر، أشعره يردد بداخله قول عنترة:

سوادي بياض حين تبدو شمائلي/وفعلي على الأنساب يزهو ويفخر

يعيب لوني بالسواد جهـــــــالة/ولولا سواد الليل ما طلع الفجر

وإن كان لوني أسودا فخصائل/بياض ومن كفي يستنزل القطر

في هذه الأجواء يدفع بك الكاتب كي تنخرط في الأفعال وردود الأفعال بين الشخصيتين رفقة لمياء فتنعطف بك الأحداث في دفع وجذب لتحط بك في واقع تواؤمي بين ممادو وابنتهما، التي سمياها باسم لمياء المتوفاة، ليعيش الجميع حياة أخوة ومحبة بعيدا عن الأفكار والقيم السلبية المفرقة بين الناس.

وأهم مبدأ يحافظ على العدل في المجتمع كما تقدمه الرواية تجنب الخيانة، وبذلك ختم الكاتب عمله المشوق الجاذب بأحداثه وشخصياته المطاردة لأحلامها في عالم مليء بالتناقضات.

«لا شيء يدمر بلداننا غير الخيانات الداخلية، فقد نتعذب كثيرا ونقطع أشواطا شاقة لإنجاز مشاريعنا، لكنها تتهاوى بسرعة لخيانة من وثقنا فيهم، وأوكلنا لهم مسؤولية الإشراف عليها… كانت أمي تقول إن الخيانة لا تنشأ إلا من الثقة الزائدة… الخيانة تغفر لكن لا تُنسى أبدا، والمستقبل لنا، المستقبل في وحدة العرب وافريقيا، وقتل الخيانة».

 

  • كاتب مغربي

 

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي