"يوم وليلة".. فيلم يصوّر الحارة الشعبية بشخصيات مبعثرة

2021-06-12 | منذ 2 شهر

شخصيات غارقة في الفوضى

طاهر علوان*

ها قد عدنا إلى الحارة الشعبية كالمعتاد، وكما جرت العادة مرات ومرات في عشرات بل قل مئات من الأفلام من هذا النوع الذي لا يجد إلا في هذا المربع المكاني ما يقدّمه سينمائيا.

وإذا بحثت عمّا يمكن تقديمه فكما يتشابه المكان في أفلام سابقة فكذلك سوف تتشابه الشخصيات وأفعالها وإرادتها وسوف يكون الفقر ملازما للشخصيات ودافعا مؤثرا لأفعالها، بما سوف يؤدي إلى انحرافات اجتماعية ووجود طبقة لا بد منها من السرّاق ومتعاطي المخدّرات وما إلى ذلك.

هذه المقدمة تنطبق على فيلم “يوم وليلة” للمخرج أيمن مكرم، الذي كتب له السيناريو يحيى فكري وأنتجه ريمون رمسيس، وينطبق على الفيلم أيضا ما قيل إن اسمه السابق هو “يوم مصري”، وهو إسم أقرب لواقع الحال، لأنه سوف يتيح ما قدمه الفيلم من نظرة بانورامية لواقع اجتماعي شعبي غارق في مفرداته اليومية المحلية الخالصة.

على هذه الأرضية سوف يقدم المخرج وكاتب السيناريو الشخصيات في ما لها وما عليها بكل سلبياتها وطباعها وانحرافاتها وأخطائها، ابتداء من الشخصية الرئيسية ضابط الشرطة منصور (الممثل خالد النبوي) الذي ينسّق مع عصابة لسرقة السيارات ينفذها بجاتي (خالد سرحان) ومحمود (أحمد الفيشاوي) ويتقاسم هو ورئيسه الأموال التي يحصلون عليها.

في موازاة ضابط الشرطة الفاسد هنالك آخرون، هنالك الممرضة ميرفت (الممثلة التونسية درة زروق) المنفصلة عن زوجها وتعيل أطفالا لا تجد ما يكفي من مال لتغطية مصاريفهم، مما يدفعها لأخذ المال من أحد الأطباء في مقابل الاستمتاع العابر.

ذلك وحده كان كافيا لاستحداث ضجة عجيبة، وقد طالب بعضهم بمنع عرض الفيلم وإبعاد درة زروق من مصر وإعادتها إلى تونس، بحجة أنها أساءت لمهنة التمريض وما إلى ذلك مما عجت به وسائل إعلام ومنصات تواصل اجتماعي مصرية، ولو صحّت هذه النظرية لامتلأت المحاكم بالآلاف من الدعاوى ضد من يسيء لجميع المهن الأخرى، لأن الأفلام تغص بمثل تلك الصور التي هي سلوك بشري وليس مهني، ولو صح ذلك أيضا فلسوف يتم منع مئات من الأفلام في ظاهرة فوضوية عجيبة.

في موازاة ذلك ترك كاتب السيناريو هذا النوع من الشخصيات لينقلنا إلى تفصيل آخر يتعلق بمن هو مسلم ومن هو مسيحي، الموظفة إيرين المسيحية (الممثلة حنان مطاوع) التي يوحي الفيلم بشعورها بالتمييز الذي يتجلى في أقصاه من خلال اشمئزاز زميل أخيها في المدرسة منها، وعدم قبوله شرب الماء بكأس شربت منه لأنها مسيحية، ثم علاقة الحب التي تربط شقيقها بصديقته المسلمة.

وعند هذه الملامسة السطحية العابرة سوف يغادر كاتب السيناريو والمخرج هذه الشخصيات ومعاناتها مفضلا العودة إلى والدة إيرين المريضة والممرضة المرتشية والشقيق البخيل.

لن تجتمع هذه الشخصيات كلّها في دائرة واحدة وذلك ما يصعّب مهمة المخرج في لمّ كل هذا الشتات من الشخصيات التي ينظر إليها أيضا من زاوية مناسبة دينية وطقوس صوفية، وحيث تبقى تحوم في فضاءاتها الخاصة ويوزع المخرج مشاهده بعدالة قد المستطاع على تلك الشخصيات وما يطرأ على حياتها اليومية من متغيرات.

وإذا عملنا بفكرة ماذا لو، سوف نتساءل ماذا لو كان هذا الفيلم برمّته وثائقيا يسجل يوميات الشخصيات كما هي بلا تزويق ولا تحريف ولا حاجة للتفكير في الدراما والصراع؟

ألم يكن في مثل هذا الحل بديلا عن تنصل الفيلم عن بناء دراما وصراع كافيين لإشباع الأحداث بما فيه الكفاية بدلا من ترك العديد من الخيوط سائبة وبلا شبكة تربطها بخطوط السرد المتعارف عليها؟

وإذا نظرنا من جانب آخر الى المقترب الواقعي الذي اعتمده المخرج في متابعة وتقديم شخصياته فلا شك أن ما يحسب له هو أنه كرس وقتا وجهدا من أجل إقناعنا بها رغم تشعباتها وتعايش مع التفاصيل التي تعيشها والتحديات التي تواجهها وبذلك أقنعنا إلى حد كبير بالعديد من الشخصيات التي قدمها ما عدا شخصية محمود التي يثبت من خلالها أحمد الفيشاوي أن ما يزال أمامه الكثير من الاجتهاد لكي يطور طريقة أدائه وتعبيره وردود أفعاله.

أما إذا انتقلنا إلى جانب بديهي مكمل وبالغ الأهمية هو أن الفيلم الروائي ليس معنيا بتقديم الواقع الخرب كما هو سواء خراب الشخصيات أو تردي الأماكن لكي نقول عنه إنه أكثر مصداقية، فإنه مطالب أيضا بمنحنا إحساسا بالجماليات التي لا يجب أن يتخلى عنها لكونها من الثوابت الأساسية، فالواقع في فوضاه على المخرج أن يبحث فيه عن نظرة جمالية موازية لكن المخرج لم يكن معنيا بذلك وظل ملتصقا بالحياة بكل ما فيها وكما هي.

ومن حسنات الفيلم أيضا أنه أراحنا من المشكلة الأزلية التي تعاني منها أغلب الأفلام والمسلسلات ألا وهي الموسيقى التصويرية الصاخبة، والتي لا دور لها سوى إحداث الضجيج وأن تتفوق على صوت الممثل، وذلك ما تحاشاه المخرج لينشغل بأصوات الواقع كما هو والبيئة المحيطة كما عني بتقديمها بأمانة كما هي وبجميع تفاصيلها.

 

  • كاتب عراقي مقيم في لندن


إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي