تعبُرين النهار الساخن كلطخَة

2021-06-12 | منذ 1 شهر

رافع الناصري/ العراق (جزء من لوحة)

عامر الطيب*

 

سيِّدةٌ وحيدةٌ سافَرَتْ وأحبَّتْ

وخاضَتْ حُروباً معَ خالاتِها،

أُهينَتْ حَرفِيّاً وتَطلَّعتْ إلى حياةٍ لا يُمكِنُ فَحصُها.

...

سيِّدةٌ فاتنةٌ كقارَّةٍ بعيدة

حذرةٌ كمَا لوْ كانَتْ مخلوقَةً مِنْ ربطاتِ العُنق.

سيِّدةٌ يجبُ أنْ تَحتفِلَ الآنَ

تجدُ مِنَ اللَّازمِ أنْ تقولَ:

إنّني أبلغُ الرابعةَ مِنْ عُمري

في اللَّعِبْ،

العشرينَ أمامَ التِّلفاز

والأربعينَ في قِصَصِ الحُبّْ.

...

هيَ ليسَتْ واحدةً لأحتفِلَ بضياعِها،

لأنَّ المرأةَ مثلَ النّافذة

تصغُرُ في الشَّارعِ

وتكبرُ في البَيتْ!

 

 

أقولُ:

لديَّ ثمانيةُ أخوَةٍ

وأخواتٌ ثلاث

أحرصُ على أنْ أحبّهم جميعاً بنفسِ القدرِ الضَّئيلِ

معَ أنَّ ذلكَ يَبدو صَعباً.

هُمُ إلى جَانبي ساعةَ

مَا أمرضُ ومَتى مَا غدَوْتُ إلى حَياتي

فليسَ هُناكَ سِوى الحديثِ العابرِ بيننا.

في بيتِنا غرفةٌ صغيرةٌ كزورقٍ

نُدعى إليها

كلَّ سنة للتَّباحثِ بشأنِ ما يلزمُ عَمَله،

يُهدِّدونني غالباً

"سننصرفُ إنْ لمْ تقُلْ لنا ما رأيُكَ"

الزورقُ يضجُ بالجَلَبة

فأقولُ لهُم إنَّ الغرقَ كلمةٌ شيِّقة

الرِّيحُ هي الَّتي تَسنِدُني دوماً إنْ كنتُ شَجَرة،

عَدَا ذلكَ

إنّني أسوأ شاعرٍ في عائلَتي!

 

 

أمْضي إلى عالمٍ لا يُسيء الظَنَّ بي

هناكَ معَ الأسماكِ

بجُثَثِها المُتَعفِّنة

أشعرُ مَعَها بالحُزنِ

وبِوَقعِ الموتِ على الجَسدِ

وبامتعاضٍ شَديدٍ

متطلِّعاً للقدرةِ العجيبةِ إلى حدٍّ مَهولٍ

حيثُ بإمكانِ

السَّمكِ الميْتِ أنْ يَطفُو!

 

 

نظرَ إليَّ رجلٌ ولمْ يقُلْ شيئاً،

إنَّهُ رجلٌ حُرّ

لمْ يَهَبني فرصةً لأضعَهُ داخلَ نصٍّ

قصيرٍ

أزيِّفُه وأزعمُ إنّني قُمتُ بتخليدِهِ.

لأنَّ الموتَ يحدُثُ مرَّةً واحدةً فقطْ

فالهَمَجيّ هو مَنْ يرغَبُ

بأنْ يغدوَ خالِداً!

 

 

لا أحَدَ يُحِبُّكَ في هذهِ الغابَة

لا أحدَ يَطمحُ لأنْ يُبقي يدهُ على أثَرِك

لا أحدَ يَرفعُ قُبّعَتَهُ عندما تعبُرينَ النَّهارَ السَّاخنَ كلطخةٍ مِنْ ظِلْ

لا أحدَ يُحافِظُ على جَسَدكِ كما يُحافِظُ

على حَمامتِه الوحيدةِ في فناءِ البَيت،

لا أحدَ يرغبُ بأنْ تمُوتي

أو يتمَّ تهريبُكِ إلى المَهجرِ كقطعةِ أثاث.

إنَّها حياتكِ الّتي لا تُتقِنينَها،

هذا مسقِطُ رأسكِ

رجالٌ يعاشرونَ أشجارَ الغاباتْ

دونَ أنْ تكونَ لأحدِهِم رغبةٌ في صُنعِ قَفَصْ!

 

 

الرَّجُل الأخرَقُ

دَقَّقَ النظرَ فيما لمْ يستطِع نيلَهُ

فأحبَّ أنْ يدعَهُ

عالياً وقصيّاً كما هوَ

في الطَّبيعَة

ثمَّ فكَّرَ بخطورةِ أنْ يكونَ ثمَّةَ رجلٌ

غابرٌ حَصَلَ على كلِّ ذلكَ بسلاسةٍ.

تلكَ هيَ خشيةُ قصائدِنا

مِن أنْ تكونَ قدْ كُتِبَتْ في المَاضي!

 

 

يا شجرةَ الغَربِ

هلْ سمعتِ بمَا يفعلُهُ مُغنُّونا؟

إنَّهُم يؤلِّفون أغنياتٍ قَصيرةٍ عنِ الحُقولِ

يَسْلِبونَها حريّةَ وقوفِها

يفترضونَ أنّها تَدُبُ رفقةَ الجُنود،

تُغطّي رؤوسَهم وبنادقَهم أيضاً.

يا شجرةَ الغَربِ

أراكِ تموتينَ

دونَ أنْ تكوني قدْ فعلتِ ما تحبّينَهُ،

لم يبقَ خيارٌ

لأنْ تكُوني أغنية

لقَد وهبونا الحياةَ الّتي لا نُبَجِّلُها منذُ الأزَلْ!

 

 

إنَّنا خونةُ طفولتِنا

نتنكَّر لأيامِ ما كُنَّا نبولُ على أسرَّتنا

نجوعُ ونمصُّ أصابِعَنا

نُخطِئ بمعرفةِ السّيِّدِ الّذي يزورُ العائلة

مُبدِّلاً جلبابَه كلَّ مرّة

نُسلِّمُ عليهِ بشفقَةٍ وإجلال.

...

إنَّنا خونةُ قراءتِنا الأولى أيضاً

في مسرحيّةٍ صغيرةٍ قرأتُ مرّةً ما يفيدُني الآن:

"فلتبحَثُوا عنْ زمنِ أسلافِكُم فَقَط

أمّا الزمنُ القادمُ فموجودٌ في الكُتب".

 

  • شاعر من العراق

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي