"الحارث" فيلم رعب يحكي قصة ابن شيطانة

2021-06-08 | منذ 2 شهر

 تجربة في الفانتازيا والرعب

طاهر علوان*

محاولة التجريب في الأنواع السينمائية المختلفة نهج سارت عليه العديد من التجارب السينمائية بعدما تراكم المنجز السينمائي العالمي من حولنا، وهو زاخر بالتنوع من أفلام الحركة إلى أفلام الخيال العلمي إلى الأفلام التاريخية وأفلام السيرة الذاتية إلى الكوميديا وغيرها.

وتشكّل سينما الرعب والفانتازيا لوحدها عالما متكاملا كُرّس له كتّاب للسيناريو ومخرجون ومهرجانات وميزانيات ضخمة، وفي المقابل ظلت التجارب السينمائية العربية تقترب من هذا النوع السينمائي بتردد وحذر لعدم وجود تراكم نوعي يمكن الاستناد عليه، فضلا عن عدم تبلور جمهور يتفاعل مع هذا النوع.

في فيلم “الحارث” للمخرج محمد نادر هنالك مقاربة سينمائية سعى المخرج من خلالها إلى أن يقدم عملا تتداخل فيه الثيمات الواقعية مع الفانتازيا والرعب وذلك من خلال شخصيات محدودة وقليلة ومتطلبات إنتاجية محدودة أيضا ارتكز عليها الفيلم.

تغلغل في المسار العقلي والنفسي للشخصيات

نسل الشيطان والموضوعات المرتبطة به سبق وقدّمتها أفلام الرعب في السينما العالمية من خلال ما يعرف بحالات التلبس مع القوى الشريرة، وهو ما يقع لفتاة في منطقة سيوة المصرية في زمن ماض وعلى افتراض أنها سوف تنجب شيطانا، فيكون ذلك الأمر كافيا لانتقام والدها وإحراقها بينما وليدها سوف يعيش.

في ذات الوقت يمضي يوسف (الممثل أحمد الفيشاوي) وزوجته فريدة (الممثلة ياسمين رئيس) عطلتهما في تلك المنطقة لننتقل إلى زمن آخر يكون قد أصبح لدى الزوجين طفل، ما يلبث أن يموت في حادثة سقوط من النافذة.

ما بعد هذه المقدّمات سوف يتغلغل المخرج وكاتب السيناريو في المسار العقلي والنفسي للشخصيات وخاصة يوسف وفريدة، حيث يتبادلان الوقوع في دائرة الهلوسة والوهم والتوتر والكوابيس، وتشغل كل تلك المؤشرات النفسية المساحة الأكبر من الفيلم والحوارات التي سادت فيه.

وفي موازاة ذلك تحضر شخصية الطبيب النفسي المعالج كمال وهو صديق يوسف (الممثل علي الطيب) الذي تبدو مراوغاته مكشوفة في استهداف الزوجين وهو ما سوف نكتشفه لاحقا بأنه ليس إلا ابن تلك المرأة الشيطانية التي تم إحراقها.

لا شك أن هذا النوع من الأفلام يستدعي شخصيات سايكوباثية ويستدعي ممثلين على درجة عالية من الاحتراف عندما يستبطنون تلك الشخصيات المبتلاة بالعلل النفسية والعقلية وتلك مهمة تقع على عاتق كاتب السيناريو بالدرجة الأولى بالتعمق في بناء تك الشخصيات الإشكالية، فهل تمكّن يوسف وفريدة من الوصول الى تلك المناطق العميقة للذات؟ وهل كان السيناريو مكتوبا على أساس تلك المعطيات النفسية؟

واقعيا نجد أن السرد الفيلمي قد افترق على مسارين مختلفين وهما المسار النفسي والعقلي ومسار الرعب والفانتازيا، وحاول الفيلم في النهاية المزج بينهما من خلال شخصية كمال الذي اكتفى بالمراوغة ومن دون أن تظهر على تصرّفاته أنه إنسان أو كائن مختلف قادم من نسل شرير.

هنا يخسر كاتب السيناريو والمخرج حلقة مهمة كان من المهم الاشتغال عليها لمنح الفيلم قوة تعبيرية خاصة، فقد أثبتا لنا حقيقة أننا لا يجب أن نصدق أن كمال ما هو إلا نسل شيطاني، فهو اكتفى بالنصائح للزوجين وتجمّدت أفعاله الشيطانية، بل كانت معدومة، بينما الدهاء والمراوغة والتآمر وما إلى ذلك يفترض أنها من صفاته.

وأما عدد المرات التي كان يوسف ينادي فيها زوجته بالاسم فهي تليق برقم قياسي، إذ ما معنى أن الشخصين لا ثالث لهما في المنزل ومع ذلك وبين لحظة وأخرى يناديها باسمها؟ وهو امتداد للرتابة التي وقع فيها يوسف في عدم إلمامه بالدور كاملا، أو ربما المساحة التعبيرية الضيقة التي أتيحت له من خلال تلك الشخصية.

يوازي ذلك المشكلة الأزلية التي تعاني منها أغلب الأفلام والمسلسلات العربية وهي الاستخدام الخاطئ للموسيقى التصويرية، وأحيانا الاستخدام المفرط الذي يقترب من الضجيج الذي لا معنى له، فليس بالضرورة أن تحضر تلك الموسيقى في جميع المشاهد ولا أن يتم تحشيد كل هذه الآلات الموسيقية ولا أن تعلو وتتصاعد بمناسبة ومن دون مناسبة.

لعبة الفانتازيا السينمائية لا تتحمل أن يكون عرض الوقائع شفاهيا، فعلى فرض أن المرأة الشيطانية التي تم إحراقها هي كذلك، لكن لم نر ولم نلمس ما يثبت شيطانيتها، وكذلك الأمر بالنسبة إلى يوسف في مقابل برود فريدة وردود أفعالها التي لا تتناسب مع العاصفة النفسية ومساحة الرعب التي يفترض أن تكون في ذروتها.

هذه الدراما النفسية المبنية على فكرة الرعب بشكل أساس هي بكل تأكيد محاولة أخرى لتجربة هذا النوع السينمائي مع أن كثيرا من المساحة الواقعية للأحداث ما تزال هي السائدة في الفيلم في وقت تكون المناورة بين المعقول واللامعقول هي الشغل الشاغل في هذا النوع الفيلمي وهو ما يستوجب أدوات مبتكرة بدت صعبة المنال بالنسبة إلى الكاتب والمخرج ومع ذلك فإنهما قدما تجربة على قدر ما هو متاح من مساحة الموضوع والمتطلبات الإنتاجية.

في المقابل نجح المخرج في وضع شخصيتيه في مواجهة لحظة الحقيقة عندما عادا الى سيوة واكتشفا معا أن كمال كان يمارس عليهما خداعا وأنه نسل شيطاني وما إلى ذلك مما أدى بالنتيجة إلى انتقام فريدة من كمال والانتصار لزوجها.

 

  • كاتب عراقي مقيم في لندن


إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي