رواية "بوق": السرد بوصفه إدانة للحرب وتبجيلا للموسيقى والتسامح

2021-06-07 | منذ 2 شهر

غلاف الرواية

إبراهيم الحجري*

تسرد رواية «بوق» لمحمد الأصفر الصادرة حديثا عن دار مسكيلياني في تونس، حكاية إنسانية مؤلمة لشاب ألماني يمتهن الموسيقى، رمت به أقداره إلى جحيم الحرب العالمية الثانية، ليشارك فيها بوصفه نافخ بوق، وهي الحرفة التي كان يتقنها، بدون أن تكون له علاقة بالرصاص والنار والدبابات والبنادق، التي زج به ليكون موقدها، بزعيق بوقه الرهيب مضطرا.

وبعد حروب طاحنة قتل خلالها الآلاف من عسكريين ومدنيين وأطفال ونساء، وأحرقت بنيرانها الغابات والمروج والمحاصيل والمساكن، ودكت الأراضي، وشوت القلوب، ومعها المشاعر والأحاسيس والانفعالات، مولّدة في نفوس من نجوا من كوابيسها الفظيعة، علل الرعب والخوف الآبدين، وجد الموسيقي الألماني كارل

نفسه مرميا على حافة بئر في صحراء موحشة، بعد أن أخطأ قلبَه رصاصُ الخصوم، مضرجا في دمائه، يترنح بين الحياة والموت، ليقوم بنجدته شيخ يدعى «مفتاح» وقبيلته، فيضمدوا جراحه، ويكرموا وفادته، ليصبح فردا من القبيلة يتكلم لغتها، ويرافق شبابها، ويشاركهم صيدهم وطعامهم.

تهيأت لكارل، في ظل الاستقرار الذي وفرته له القبيلة، العودة إلى موسيقاه، وبوقه، وطبيعته الإنسانية التي جردته منها شراسة الحرب، متخذا من كهف يوجد على تخوم القبيلة مسكنا له، يختبئ فيه عن أنظار من يترصده من أعداء، وعلى الطرف الآخر من الحكاية فتاة اسمها «كلارا» قهرها الحب والفقد، والشوق لحبيبها كارل، بعد أن فصلت الحرب الغادرة بينهما، فاختطفت منها عشيقها الموسيقي الرهيف الإحساس،

وغيبته في هاوية لا رجوع من دوامتها، وظلت محتفظة بعهده، منتظرة عودته، رغم أن جنديا معاديا أكرهها على منحه جسدها، الذي كانت تود الاحتفاظ بنقائه لحبيبها، فارتمت في فخاخ الخطيئة حفاظا على حياتها، وحياة أقاربها المدنيين، لتقرر عقب نهاية المجازر الحربية، وخسارة هتلر، الخروج متذرعة بمهمة إنسانية في ليبيا، لجمع جثث المقاتلين الهالكين ودفنهم بما يليق بتضحياتهم من أجل الوطن، وصونا لذكراهم، رغبة منها في العثور على حبيبها حيا أو ميتا.

وبالفعل، فقد تأتى لها احتضانه وهو حيّ يرزق، غير أن إشراقة الحب ذوت في قلبه مثلما أرهق غيابه واغتصابها الوحشي روحها، فقررا بعد تفكير وتبادل حكي ما جرى لهما زمن فراقهما، أن يأخذ كل منهما طريقه بعيدا عن الآخر، تقديرا للعلاقة التي ربطتهما من قبل، واحتراما للتغيرات الطارئة على حياتهما. كان

كارل، آنئذ، قد ارتبط براعية ليبية أحبته بجنون، وشاركته حياته البوهيمية في الكهف، وأزاحت عنه هم السنين العجاف في حرب قذرة، فسكنت قلبه وسكن قلبها، وألفا حياتهما الهانئة بين أحضان الطبيعة والموسيقى، في حماية أناس طيبين مسالمين متسامحين، يحبون الآخر ويقدرون اختلافه.

أطروحة التسامح

إذا كانت الموسيقى عتبة ولوج المشترك الوجداني للبشر، فإن المطمح البعيد للعثور على الصندوق الأسود للإنسان، وولوج المناطق المعتمة المولدة للأحقاد والكراهية، والخبث والنزوع الغريزي الحيواني، هو تحقيق التساكن، والتعايش، والتسامح، وقبول الاختلاف بوصفه صيرورة نمائية تغني ولا تنفي، تحرّض على الجمال بدون أن تستدعي تشنج الأنا النقيضة، أو الآخر المختلف عنا، مع الارتكاز حول المحاور المشتركة المعززة للرصيد الإنساني القيمي، وتجاهل ما يحرض الخلاف والنزاع والصراع، وترك الأحقاد القديمة جانبا،

والصور السلبية المتوارثة التي لن تؤدي سوى إلى المزيد من النكوص والدمار والقهقرى والتصدع والتمزق، والتراجع على مستوى المكتسبات البشرية المتحققة بعد قرون من الجهود والتضحيات. يقول الراوي داعيا إلى الوطنية الكوكبية، ماقتا النزعة الضيقة التي تجعل الإنسان محصورا في مجاله الترابي: «لا أرغب في العودة إلى الديار، لقد وجدت نفسي هنا، القوم الذين أنقذوني من الموت ارتبطت بهم جدا، يمكنك القول إن

ولائي للمكان تجاوز ولائي للدم، المكان منحني دما إنسانيا جديدا، وبالمناسبة لدي دماء كثيرة في هذا الوطن أفارقها، دماء شربها هذا الطين، سأبقى هنا حاليا، هؤلاء القوم يحبون موسيقاي ويتأثرون بها ويتفاعلون معها بقلوبهم وأرواحهم، لقد عزفت كثيرا للحرب، وحان الوقت لأكفر عن ذنوبي وأعزف للسلام، بوقي يؤنبني

كثيرا، ويقول لي: لا فرق بين أصابع تضغط على الزناد لتقتل، وأصابع تضغط على أزرار نغم لتجعل جماعات من البشر تندفع نحو القتل، وآه من فمي الذي ما عاد يتركني أغني قبل أن أنظف جرحي من لعاب الألم، وآه من فمي الذي ما عاد يتركني أبتسم أو أضحك أو أبتهج».

محمد الأصفر

ينتصر الروائي لهويته، ولأبناء عشيرته، أهل الصحراء المسالمين، الذين يحرصون على قيم التآزر والاحترام، وتقدير الآخر مهما كانت جنسيته وملته وعقيدته، حتى لو كان خصما أو عدوا سابقا، عملا بسلوك العفو عمن يفعل الشر، ومعاملته بنقيض فعله حتى يتغلب الخير على شره، ويعود إلى رشده: «لقد

أوصى التاجر المتجول النجوع التي مرّ بها للتجارة، أو لأداء واجبات اجتماعية بأن يواروا الثرى جثث الجيش الألماني، وحتى جثث حلفائهم من الطليان إن وجدوا، رغم العداء التاريخي الذي يكنه لهم الليبيون بسبب جرائمهم عند احتلالهم ليبيا عام 1911، من نفي وشنق وتعذيب وزج في معتقلات موت قاحلة، شبيهة بمعتقلات النازيين أدت إلى موت مئات الآلاف من الليبيين معظمهم من النساء والأطفال والشيوخ».

تهاجم الرواية من يكرهون غيرهم نظير سلوك يأتونه، أو صفة تلتصق بهم وبجلدتهم، توارثوها أبا عن جد، وتندرج ضمن عاداتهم وتقاليدهم العريقة، ويتخذون جزئية صغيرة للحكم على البشر، ومعاداتهم، وتكفيرهم، وهدر دمائهم بدون سبب وجيه، أو علة مقنعة، مرتكبين بذلك، جريرة في حق الإنسانية جمعاء، ومهدمين صرحا من القيم شيّد على مدى قرون من العمل، غير أنها تنوه، في الآن ذاته، بأفعال أهل الصحراء

ومشيخة السي مفتاح، وبسلوكياتهم الإنسانية الإيجابية، ورقي معاملتهم للجنسيات الأخرى، ممن يفد عليهم، ويقبل عليهم مهما كانت الذرائع والأسباب، حتى لو كانوا جنودا فارين من زوابع الحروب، أو غزاة يسوقهم قوادهم المتغطرسون الأنانيون المشبعون بالحقد وحب النفس وهوى الشيطان نحو جهنم حرب بشعة تحرق أجسادهم وأرواحهم، يقول السارد: «رائحة أنفاس الجندي حتى إن كانت مشبعة برائحة لحم الخنزير فلا بأس، فهو في النهاية، بشر مثلنا لا مبرر إطلاقا لأن نشمئز منه».

يسعى المحكي الروائي إلى دحض فكرة التفريق بين الناس، على أساس عقيدتهم ومللهم وتصوراتهم للعالم، ويساوي بينها على مستوى التعامل ما دامت تحتفظ بالجوهر المأمول، وترتقي بالإنسان المتعبد نحو حب الخير، وإشاعة روح التسامح والنبل والتعايش والتفاعل الإيجابي مع أنواع البشر كافة، مهما اختلفوا عنهم،

وحادوا عن طريقة تفكيره، وأسلوب حياته، وخيارات طريقته في العيش والتواصل والتعبّد، يقول الراوي في هذا الصّدد: «إنما الأعمال بالنيات، من رسم الصليب على حافظة الماء كان ينوي الخير، ومن كتب الآية الكريمة عليها كان ينوي الخير، والخير لا يفرق بين دين وآخر».

   

تعلي الرواية من شأن المدارك الشعورية والأحاسيس الإنسانية الراقية جاعلة منها المتكأ الجمعي للنهوض بالمشترك الحضاري، وجماع البشرية من قيم السماحة والتساكن، بغض النظر عن التفاصيل الصغيرة المتفرقة الخاضعة للمواريث القديمة، وخصوصية الأزمنة والأمكنة.

تعلي الرواية من شأن المدارك الشعورية والأحاسيس الإنسانية الراقية جاعلة منها المتكأ الجمعي للنهوض بالمشترك الحضاري، وجماع البشرية من قيم السماحة والتساكن، بغض النظر عن التفاصيل الصغيرة المتفرقة الخاضعة للمواريث القديمة، وخصوصية الأزمنة والأمكنة، وطبيعة التوزيع الجغرافي الثقافي،

ولغات التواصل، وغيرها، عازفة على مكامن الوجع الإنساني، ومشاكسة الأسئلة العالقة الموحدة لانشغالات الإنسان في كل أنحاء المعمورة، يقول السارد: «الموت واحد، بغض النظر عن جنس الإنسان أو دينه أو ملته، فالقتلى بشر مثلنا يؤلمنا موتهم، سواء كانوا تابعين للمحور أو للحلفاء، وموتهم لن يمرّ هكذا، لا بدّ للفنّ أن ينزف مصل المستقبل، مصل الوقاية الذي سيجنب الكون كوارث جديدة أشد من سابقاتها».

ولا يتوانى السارد الرئيس عن طرح السؤال الإشكالي القديم، الذي يستمرّ مثل لغز، بدون أن يجد له المفكرون والفلاسفة إجابة وحلولا شافية، وهو: «ولماذا لا يعيش الشرق آمنا والغرب آمنا؟»، لكنه يعود في موقع سردي آخر، ليطرح مقترحاته المتمثلة في الإعلاء من شأن الفنون، ومنها الموسيقى، وتحريض جوانب الخير في الإنسان، حتى تلغي مواقع الشر فيها أو تؤجلها أو تواريها في ظلمات النفس، والعمل ما أمكن على

التآخي بين المعتقدات مهما اختلفت، والحرص على تجلية غاياتها النبيلة المشتركة، والسمو بما تدعو إليه من محبة وخير ومكارم الأخلاق وطيب الخصال، يقول الراوي متحدثا عن شيخ الصحراء وسماحته: «قال لهم سي مفتاح فليدفن الشهيد هنا، قرب رفيقه الألماني الذي أراد أن ينتشله كي يدفنه، لعلهما الآن، يحبان ذلك، وهما في عالم الأموات، ولن يرضى سي عبد الرحمن أن يترك رفيقه في الخلاء وحيدا وينال جنازة مهيبة في أراضي العشيرة.

دفنوا جثة الألماني وعملوا لها الصليب الحجري وثبتوا الخوذة في منتصفه، ثم صلوا على سي عبد الرحمن ودفنوه إلى جانبه، ربما بينهما مسافة لا تتجاوز الذراع، لو مد كلاهما ذراعه فحتما سيتصافحان».

ويضيف السارد واصفا انخراط بدو الصحراء غير المشروط في مواراة جثامين الجنود الهالكين الثرى، ممتثلين لنداء العرف المجتمعي، والقيم الإنسانية: «المنتصرون يدفنون جثث قتلاهم ويقيمون عليها شعائرهم الدينية، بينما يتركون جثث المهزومين في العراء.

السكان المحليون يردمونها في التراب بعد أن يجردوها من ممتلكاتها التي بقيت على ما تبقى من رفاتها: أحذية، معاطف، أحزمة، زمزميات ماء، خوذ، وغيرها. العرف يأمرهم بألا يتركوا جثة إنسان في العراء، فإكرام الميت دفنه، مهما كان دينه أو معتقده».

تختزل رواية «بوق» المعضلة البشرية، وأساسات الاختلاف المتلاحق بين الذات والآخر، في هيمنة النرجسية المتضخّمة، وغلبة المصالح الفردية، والرغبة في الانفراد بالسلطة، وغياب الإنصات إلى الحس المشترك المدعوم بالفنون واللغات المخاطبة للعمق البشري، والقواسم العامة المغذية للتآزر والتعاون

والتحالف، بدل الخلافات المستمرة، والعداءات الدائمة لأسباب ودواعي وهمية يزندها الجهل والتخلف والعصبية، والبحث عن زعامات وهميّة تشعل حروبا وأحقادا أزلية تأتي على الأخضر واليابس، وتدمر ما شيدته الإنسانية من عمران وقيم على مدى قرون من الزمن، ناهيك مما تخلفه من عقد نفسية، وانكسارات روحية يصعب تضميدها، وندوب عميقة يستحيل محوها من دواخل النّفس والذاكرة البشريتين.

تتجسد أثار الحرب بشكل خاص في انقلاب حياة كل من كارل وكلارا، وما آلت إليه نفسيتهما، فبينما كانا قاب قوسين من الزواج، جاءت الحرب لتعفن أحاسيسهما، بحرمانهما من تحقق تلك النشوة، وتفرق بينهما بالزج، ليغادر كل إلى جهة غير معلومة، ثم تلطخ شرف كلارا بدم الاغتصاب والجنس الحرام، وقد فقدت الأمل في عودة حبيبها الموسيقيّ، في حين امتلأت حياة الفنان المرهف الإحساس بمشاعر الفقد والألم

والخوف والموت، نظرا لما عاينه من مشاهد الرعب والقتل والغصب والتدمير، فهام على وجهه بعد نجاته بمعجزة، في الصحراء ليصادق البدو، ويسكن في كهف بدائي لا يؤنسه فيه سوى بوقه، وتردد راعية بريئة كطفلة استطاعت أن تملأ فراغ قلبه، وتزيح وجود كلارا التي باتت مجرد ذكرى مشبعة باللذة والشقاوة، ولم

يستجب كارل، الذي صار اسمه داوود، لنداءات العودة لأرض الوطن بعد نهاية الحرب، مفضلا البقاء إلى جانب قبور من هلكوا في حرب بشعة، مؤنسا غربتهم ووحدتهم بمعزوفاته الموسيقية المبتكرة، إلى أن التحق بهم عقب تعثره بلغم، وهو يسعى في خلاص غزلان من مصائد بدو ماكرين اتخذوا من يعافيرها طعما لاستدراجها نحو الكمائن والفخاخ، ليدفن إلى جانب أصدقائه ضحايا الغطرسة والطغيان والجشع، يقول

الراوي: «كان كلما وجد جثة أو أشلاء جثة بكى بحرقة، إنها لجندي أو ضابط يعرفه، له معه ذكريات، فيرسم علامة الصليب ويدفنها، أحيانا، يجد مع الجثة، قلادة فيها سطيحة منقوش عليها رقم الجندي وبياناته أو محفظة مهترئة فيها بعض المقتنيات: صورة حبيبة بالأبيض والأسود أو صورة أم أو زوجة أو طفل

رضيع، أو قلادة أو خاتم صغير، أو قصاصة بخط اليد مكتظة بكلام عاطفي، أو أثر أحمر شفاه لقبلة وداع باهتة، أو خصلة شعر أو رسالة وصلت القتيل من الوطن، حروف سطورها متضخمة بسبب رطوبة أو دموع، أو رسالة أخرى كتبها يصف فيها حاله وحال البلاد التي يحارب فيها ولم يتسن له إرسالها، فالموت كان أسرع إليه من ساعي البريد».

 

  • ناقد وروائي من المغرب

 

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي