خوان مانويل روكا ابن الجيل اليائس الذي زاوج بين الشعر والحياة

2021-06-02 | منذ 2 شهر

تجربة شعرية توازن بين اللغة والحياة والحرية والخيال

محمد الحمامصي*

لعل ما يميز الشعر الأميركي اللاتيني عن غيره من شعريات العالم هو قدرته الكبيرة على مواكبة التغيرات والنفس الثوري الذي لا يحيد عن الوقوف إلى جانب قضايا الإنسان العادلة، علاوة على خروجه من أرض اللغة ليلتحم بالحياتي في وعي حاد وفي حرارة انفعالية قلّ نظيرها، وربما كان الكولومبي خوان مانويل روكا المثال الشعري المتجسد لذلك.

يعد الشاعر الكولومبي خوان مانويل روكا ساحر اللغة بامتياز، فتأمّل قصائده يكشف عمق تملكه للوعي باللغة وسحرها حين يحولها إلى قصائد حميمة المعنى شفيفة القول، ساحرة لأرواح قرائها ومدهشة لهم بصورها واستعاراتها القلقة التي تتهم يقينهم وتدعوهم للتأمل بشكل مختلف، شكل يتجاوز التأويلات الجاهزة والمعطاة سلفا للواقع اليومي، إنه يفتح لنا بوابة التخييل ليقدم لنا صورة أخرى عن الواقع، صورة تسمو وتتعالى عن كل ما هو تبسيطي فيه.

   

شاعر كولومبي يساند الفلسطينيين ويصوغ قصيدته بالتزام.

هكذا يصف الشاعر والمترجم خالد الريسوني في مقدمته للمختارات الشعرية قصائد الشاعر الكولومبي، والتي جاءت تحت عنوان “صانع المرايا”.

الجمالي واليومي

يرى الريسوني في مقدمته للمختارات الصادرة عن سلسلة كتاب الدوحة أن روكا شاعر إنساني العمق، ملتزم بقضايا الإنسان، عفوي وحميمي في تعبيره عن القضايا التي يؤمن بها ويدافع عنها، لكنه لا يتنازل أبدا عن شرط الأدبية في التزامه المبدئي، بل هو يسكن في منفى اللغة، يقيم في تخومها، ويصوغ قصيدته الشعرية الإنسانية من كيمياء الصمت وظلال الزمن، حيث تتداخل الذاكرة بالنسيان، والواقعي بالذاتي، والفردي بالجماعي، والحميمي بالتاريخي، والمقروء بالمعيش، والجمالي بالشخصي في هذه الكيمياء التي لا تقيم حدودا بين هذا وذاك.

وينقل عن تجربة روكا قول لوسيا إسترادا “إن تجربة روكا وهي تقتحم حدود الذاكرة، تستمر في ديمومة الشهادة الاستعارية حد صيرورتها استعارة بسبب التعقد الذي تشتمل عليه، يشكلها ملمح عميق من المعرفة بمحيطها، والذي عند تقاسمه في دلالة القراءة يصل حد التحول إلى تجسيد لشعره”.

ويتابع أن خوان مانويل روكا، وانسجاما مع ذاته والتزامه الأخلاقي والسياسي والأدبي، ومع كل ما يثيره ويستهويه أيضا، يشيد علاقة حميمة وعفوية مع العالم والأشياء والإنسان، لكن عفويته الشعرية تبعده بمسافة كافية تجعله ينزاح عن الواقع نسبيا، وبالتالي مع مختلف آثاره المباشرة ليحقق توازنا خلاقا بين اللغة والحياة، أو ما يمكن أن نسميه الحياة داخل الأدب في محاولة لتأسيس حوار بين الجمالي واليومي، بين الشعري والشخصي.

وتلعب الذاكرة دورا أساسيا في إعادة صياغة اليومي والواقعي وترتيبه من جديد في كلمات تحقق للصورة التخييلية أعلى درجات الشفافية والعمق، إن “الذاكرة هي المكان الوحيد الذي لا يمكن أن يكون لنا منفى” حسب تعبير ريشتر، ولذلك نجد في قصائد روكا تأملات عميقة بصدد العالم بمختلفة تمظهراته؛ التوحد والخلوة، الأحلام والكوابيس، اللاطمأنينة والحيرة والريبة والنسيان والقلق الوجودي والحب والسكينة والتلاشي والرحيل والحرب.

ويلفت الريسوني إلى أن قراءة شعر روكا تنقلنا إلى توتر الكلمات والصور وهي في الذاكرة وتسكنها، وتروي ظمأ الشعر إلى نبع متدفق بالرسائل والخطابات والأغاني والمونولوجات، وفضاءات تتحول إلى متاحف للغياب وللمنافي وللهويات الممنوعة والمصادرة، وتغدو الاستعارة سربالا لكلماته المنفلتة ومرايا لأعماق أرواح وذوات إنسانية تتحسس العالم والأشياء، وتتألم لفظاعاتها المتكررة والمتأبدة.

لكن روكا، وفق المترجم، هو أيضا شاعر الميتا شعري بامتياز، فهو محاور أساسي للشعرية والشعراء في مسارات بنائهم للقصيدة، إذ يحمل في دواخله روح الناقد العارف بالشعر وتجارب الشعراء الذين رسخوا الحداثة الشعرية في العالم، مثل لوتريامون ورامبو وباييخو وتراكل وبوريس فيون وشارل سيميك وبول سيلان.. وغيرهم. كما يحيلنا على أمهات كتب الإبداع الإنساني بعمق ثقافي عارف مثلما يحدث مع “الإلياذة” و”الأوديسة” من التراث الإغريقي، أو على “الملك لير” وغيرها من أعمال شكسبير من التراث الإنجليزي، أو على “ألف ليلة وليلة” من التراث العربي.

حساسية جيل

خوان مانويل روكا ساحر اللغة الذي يقتحم حدود اللامرئي

 

يذكر الريسوني ما قاله مانويل بوراس الناشر الإسباني عن شعر روكا الذي يرى أن “شعره يمكن أن يعتبر بحق تأملا واسعا بصدد الحرية من خلال الخيال”. وكذا ما كتبه الروائي الكولومبي أوسكار كواثوس “لقد رأيت غير مرة في دهشة الشباب الذين يحملون بين أيديهم كتابا لروكا، كما قرأت مقتطفات من قصائده وقد كتبت على جدران بنايات عامة، وقد عاينت لحسن الحظ التواصل الذي أنشأه الشاعر مع جمهوره. ثمة شيء ساحر داخل شعره، إنها حساسية جيل”.

وقد أشادت لجنة تحكيم جائزة “كاسا دي لاس أميريكاس” أي جائزة دار الأميركتين وهي تتوج أحد أعمال روكا عام 2009 وكانت متكونة من جيوكوندا بيي، خوليا إسكوبار، لويس غارسيا مونتيرو، أندريس بيريث بيروكا، بنخامين برادوس، وآنا ماريا رودريغيث أرياس، بقدرة روكا على تطويع الجوانب الشكلية، وتنويعه البنائي للقصيدة في أشكال من البناء المتماسك والمتين في كل عمل من أعماله الشعرية. كما امتدحوا قدرته على تمثيل الواقع شعريا.

وفي العديد من المقابلات اعترف روكا بتقاليد الكتابة الأميركية اللاتينية ممثلة بسيزار باييخو وخوان رولفو، وهو أيضا من الشعراء الذين يعكسون التمثل للنموذج الشعري المنبثق عن الرومانسية الألمانية، والتي سيتم استكشافها لاحقا من قبل السرياليين الفرنسيين، بقيادة لوتريامون ورامبو.

وفي ما يتعلق بالشعر الكولومبي فإنه يجد نفسه (روكا) ممثلا في العمل الشعري لخوسيه أسونسيون سيلفا، وأوريليو أرتورو، ولويس بيداليس “الذي هو خاله” وكارلوس أوبريغون، وهيكتور روخاس هيراثو وفرناندو شاري لارا.

الشاعر خلق توازنا خلاقا بين اللغة والحياة، أو ما نسميه الحياة داخل الأدب في حوار بين الجمالي واليومي

ويتابع الريسوني أن النقاد يصنفون روكا ضمن ما أطلق عليه “الجيل اليائس أو جيل الخيبة”، وهو يتكون من جماعة متنوعة من الشعراء الذين ولدوا في الأربعينات ونشروا أعمالهم الأولى في السبعينات من القرن العشرين، دون تصور جمالي مشترك، وضمن هذا الجيل نتعرف على أسماء شعراء مثل ماريا مرسيدس كارانثا، داريو خارامبو أغلودلو، خاميي غارسيا مافلا، وخوسيه مانويل أرانغو ضمن أسماء أخرى.

ولد روكا في ميديلين سنة 1946. أمضى طفولته في المكسيك وفي ما بعد في باريس. وخلال الفترة ما بين 1988 و1999 عمل كمنسق لمجلة الدومينيكال لصحيفة “إسبكتادور” وهي ملحق ثقافي ساهم عمليا في تكوين جيل من الكتاب والشعراء، حيث نشر عددا كبيرا من القصائد والمتابعات النقدية والدراسات عن الشعراء الحديثين والمعاصرين.

وكان أيضا مؤسسا بالاشتراك مع آخرين لمجلة “كلابي دي سول”، والصحيفة الثقافية “لا ساغرادا إسكريتورا”. وبالإضافة إلى ذلك، قام منذ عام 1986 بتنظيم ورشات عشق الشعر ببوغوتا في بيت سيلفا للشعر.

وفي العام 1993 حصل على جائزة سيمون بوليفار الوطنية للصحافة ومنحته جامعة الفابي الدكتوراه الشرفية في الآداب عام 1997. وكتب روكا عملا روائيا واحدا بعنوان “تلك العادة اللعينة للموت” نشرت عام 2003. وهو أحد الشعراء المقروئين بشكل واسع في كولومبيا، بل وفي إسبانيا وأميركا اللاتينية، ترجمت أعماله إلى الفرنسية والسويدية والألمانية والإنجليزية والهولندية والإيطالية.

ونال الشاعر العديد من الجوائز، ومن أعماله الشعرية “ذاكرة الماء”، “قمر العميان”، “اللصوص الليليون”، “رسائل من الحلم”، “علامة الغربان”، “صيدلية الملاك”، “فرضية لا أحد” وغيرها، فضلا عند العشرات من الكتب والمختارات.

 

  • كاتب مصري


إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي