شهريار جديد يولد من ضلع الأديبة "الأعوج"

2021-05-30

إعادة ابتكار صور شهريار (لوحة للفنان وليد نظامي)

فيصل الأحمر*

ما عاد العالم مقتصرا على النظرة الذكورية، هناك نظرة نسوية تنمو دون توقف وتقدم رؤى أخرى للوجود البشري ولتاريخه ومآلاته، نظرة تكبر بشكل خاص في الأدب، الذي كان رهين التوجيه الذكوري.

في الأدب العربي لم تكن المرأة غريبة عن عالم السرد والحكايات، ولنا في مثال شهرزاد وشهريار خير دليل على سطوة الشخصيات الأنثوية، لكن الفرق بين سرد المرأة سابقا والآن هو أن الأول كان خائفا ومحدود التأثير والثاني موجة فكرية كاملة تعيد خلق العالم بقوة تأثيرها.

يقف الفلاسفة مطوّلا عند الذوات الجريحة كذوات مسيّرة للعالم. الذات المثقلة بالجروح تتعود على الشك في المسارات التي يرتاح إليها المحيط.

الذات الجريحة التي يصيبها العنف، أو غزو جروح كامنة تختبئ في الذاكرة، أو تلك التي أصيبت بالعنف السياسي أو العنف الرمزي، والتي وجدت نفسها عكس ما هي عليه الذوات الأخرى كلها تستوطن الحركة، تجد وطنا لها في الترحال، ولا نجد دفء البيت وسكينته إلا في سكنى المسافات.. تلك الذات التي تتعود على الكتابة كعنوان بريدي في زمن شحّت فيه الكلمات التي تحيل على السكون والسكينة كمسكن.

الكتابة مستشفى مجاني يفتح أبوابه للأرواح المعذبة ويمنح فرصا للتلاقي لمن خلقوا لكي يبوؤوا بالشتات والتشريد والنظرة الاستعلائية للمحيط.

كان الفيلسوف الفرنسي الهام جورج كانغيلام يقول إن بين “العادي/ الطبيعي/ السليم” و”المرضي” حدا فاصلا يسيرا لا يتجاوز لعبة كلامية.

فهل الجنون مسألة خطابية فعلا كما كان يقول ميشال فوكو؟

بلى!

ستجيب السرود النسائية التي دفعها العنف العنقودي للعقل الذكوري المتعوّد على المرض منذ العشرات من القرون وعلى امتداد الآلاف من النصوص التي تصادق على أن ما تراه السرود الحديثة حالات مرضية هو حالة طبيعية لا غضاضة فيها ولا حرج في متونها وحواشيها.

إعادة صياغة العالم

يعمل الخيال عملا خطيرا تعلمنا أبعاده الحقيقية مارثا نوسباوم؛ الفيلسوفة الواقفة في منتصف المسافة بين علوم الأعصاب والعلوم العرفانية وبين الأدب والنقد الأدبي.. فالخيال يخلق عالما ويبتكر له “دوكساته” الجديدة، ويرسم كذلك ملامح الجمهور الجديد الذي سيكون مستعدا للتفكير حسب هذه الدوكسات التي لا قبل لنا بها.

ما الذي تقوله النصوص الروائية النسائية الجديدة حول رجل اليوم أو ما هي ملامح رجل الغد التي تقترحها يا ترى؟

إن أحد أهم العناصر التي أرادت الحركة النسوية تحقيقها منذ أكثر من  أربعين سنة هو إعادة صياغة العالم من منظور جديد، فقد أعيدت قراءة البنيات الأصلية الأولية المشكّلة للفكر الغربي (وكثيرا ما تم الوقوف لدى التماهي الظالم بين صفتي “الغربي” و”البشري” كتماهٍ شديد الدلالة على ما تحاربه “النسوية”!) فاقترحت كريستيفا قراءة لتغلغل الفكر النسوي والاعتبار “النسوي” في الخارطة السياسية/ الاجتماعية في العالم (أوليفر ليمان وآخرون، “مستقبل الفلسفة في القرن الواحد والعشرين”).

وقدمت الفيلسوفة لوس إيريغاراي اقتراحات من أجل علم أخلاق جديد في إطار الثنائية الجنسية، ثم كانت هنالك ميادين الاشتغال التي وسّعت دائرتها لتشمل وجهة النظر النسوية، فأصبح هنالك نقد نسوي، وسينما نسوية، وأدب نسوي، وفلسفة نسوية.. إلخ، ومن شأن كل هذا تشكيل متخيّل أنثوي من خلال التراكم والمد الزمني والنقش المتكرر المتواصل الدؤوب لأخلاقيات نسائية ووجهات نظر مفسرة للعالم. وجهات نظر قد تكون استعادة تفكيكية لعناصر الخطاب الذي تهدف “النسوية” إلى تقويضها وتعويضها بعناصر أخرى جديدة.

تقول دوروتي سميث “عندما نرى الرموز والصور النسائية والنساء يستعملنها ويلعبن بها ويهشّمنها ويعارضنها، لا يبدو خطاب الأنوثة كبنية مسيّرة من قبل تراكيب صناعة الموضة التي تتلاعب بالناس وكأنهم دمى، بل تبدو هذه الرموز وهذه الصور نظاما اجتماعيا تساهم فيه النساء بنشاط وكذا الرجال أحيانا. وهو نظام متطور يكشف عن نفسه شيئا فشيئا وباستمرار” (ساره ميلز، “الخطاب”).

تجديد تمثلات الذكر

نتناول هذا الأمر في هذا المقام من زوايا عديدة، زوايا اقترحتها علينا بعض الروايات الجزائرية أثناء القراءة والمساءلة، واقترحها بشكل ما الدارسون أثناء مساءلة الرواية النسائية خارج الجزائر وداخلها أيضا.

من أهم عناصر تغيير الخارطة الذكورية التي تشغل الأنثى كثيرا أثناء الدعاية القوية لمفهوم “الحرية” أثناء الكتابة، وهي حرية تحرّك مؤشرات الهيمنة على القول التي هي ممارسة سلطوية بامتياز؛ إذ يبدو أن المرأة تعيد رسم الحدود بين الرجل وبينها كلما اكتسبت الحق في السرد الذي هو الحق في سلطة كانت – ولا تزال ملكية خاصة بالذكر في إطار التمثلات التقابلية “ذكر/ أنثى” – وتتقدم المرأة في خلخلة أراضي الذكورة من خلال التمرد على الشكل الروائي أولا.

   

شهريار آخر جديد هو هذا الرجل العاجز عن تغيير العالم، والذي يجعل ذكورته تتألق تماما بين أحضان حبيبته

 

شكل يقتضي نصا طويلا متشعبا قويّ البنية؛ يملك كل الملامح “القضيبية” في مواجهة النصوص الروائية الجديدة “الشبيهة بالقصص الطويلة” والتي هي شكل من الأشكال المؤنثة التي تحمل الهشاشة والخلل في جيناتها.

وفي ذلك تقول الروائية  الفرنسية كريستين آنغو إن القصة الطويلة شكل منفتح وحرّ ومؤنث، يمارس دون الكثير من العقبات ولا الشروط الفنية الصارمة التي تحيل على سلالات من الروائيين “الرجال”، فهذا الشكل المقتضب يمثل طريقة “نسائية” في النظر إلى الأشياء؛ تعارض (وتقابل وتناقض) الطريقة الذكورية المرتبطة بسلسلة المقولات الذكورية المعبرة عن مختلف أشكال الهيمنة: المركزية اللغوية، المركزية الغربية، مركزية البناء الروائي.. إلخ.

يبدأ كل ذلك بمحاولة إثبات الذات لكي ينتهي إلى سحب شهرزاد البساط من تحت أقدام شهريار، أي إلى محاولة شق الطريق العسير للأنثى وسط العالم الذي يسيطر عليه الذكور. أمر نجد له علامات كثيرة في كتاب “الزهرة والسكين” للكاتبة الجزائرية زهرة بوسكين مثلا، أو في نصوص الروائية زكية علال، صاحبة نص “قبر مفتوح” وفي الكثير من الكتابات الروائية الجادة الجريئة صاحبة النبرة الجديدة.

هذه اللهجة المنتقدة للوضع في الواقع هي أعمق ما سيواجهنا ونحن نقتفي آثار إعادة ابتكار صور شهريار من خلال عمل الخيال على إعادة تشكيل بنيات الواقع. وها هو “الصوت” الذي نحن بصدده يصف الجدّ قائلا “ومما زاد الطين بلة كونها أصبحت امرأة مطلقة وأن جدّها لا يزال في عادته السيئة التي تكرهها هي

نفسها وترفضها، وهي إيجاره للغرف العلوية من البيت بصفة غير قانونية معتبرا إياه نزلا، ورغم أن السلم المؤدي إليهم يخرج مباشرة إلى الشارع إلا أن هذا لدى البعض الذي يحلو له كثيرا نسج روايات القذف والنميمة وخاصة بعض النسوة اللواتي ليس لهن شاغل سوى القيل والقال، ولا يعتبر حائلا أبدا بين قيام علاقات غير شرعية بين حورية وأولئك الأغراب” كما تقول فاطمة العقون في كتابها “رجل وثلاث نساء”.

   

المرأة تعيد رسم الحدود بين الرجل وبينها كلما اكتسبت الحق في السرد الذي كان ولا يزال ملكية خاصة بالذكر

 

من يتكلم في هذه القصص؟ ذلك هو السؤال المركزي والذي إجابته بالتأكيد هي المرأة عموما لا المرأة الكاتبة بالضرورة.

لن نمر بأيّ قصة أو رواية لكاتبة جزائرية دون أن نجد هذا الصوت موزعا بإلحاح على كل الصفحات، لا يختفي – لضرورات سردية وتقنية – في صفحة أو اثنتين إلا ويعود إلى الحضور في الثالثة.

وليس هذا السلوك بعيدا عن تلك الفكرة التي يتشبث بها النقد النسائي، والتي هي أن كتابات المرأة بمعزل تام عن كتابات الرجل تقدم رؤية للعالم وتفسيرات للكون يمكنها أن تعوّض رؤية الرجل وتفسيره للكون ووصفه للعالم. وهذا أهم ما سيتم للمرأة الكاتبة التي ستحبل في رحم الخيال لكي تنجب شهريارا مختلفا عن ذلك المختل الذي هيمن على قصص الليالي.

وهنا يظهر إلى الوجود تصور جديد بديل للرجل. مشاريع صورة جديدة للشهريار بدلا من ملامح القاتل جميل الملامح الذي يقضي الليلة في السمر ثم “المضاجعة” لكي يتحول في الصباح إلى الجفوة الكبيرة التي تعبّر عنها نهاية الرواية المؤذنة بالموت.

كيف تتمثل الروائية الجزائرية رجلا يتجاوز “عقدة نهاية الرواية” مستعدا لعيش مراحل الشراكة النفسية والمقاسمة الوجدانية لعالم تكون فيه الرواية/الحكاية مشروعا ثنائيا يؤدي إلى قتل واحد ووحيد هو “قتل ثمرة القتل”، أي محاربة الإنهاك المتربص بالحكايات من خلال تخصيب العلاقة السردية بين الساردة التي يتربص بها القتل والمسرود له الحامل للسيف في غمد المتعة السردية (الجنسية..).

 من المثير للانتباه أن نجد أن المرأة تأخذ مكان الرجل، وأن المرأة ترسم الرجل؛ ذلك الرجل الذي يولد من ضلع الأديبة “الأعوج” طبعا. وهي وضعية تدفعها أحلام مستغانمي في بعض المواقع إلى حالة التوله “الذكوري” بالمعطى “الأنثوي” والتماهي في فتنته دون أيّ سمة ذكورية ودون أيّ علامة قضيبية أو إشارة إلى الهيمنة.

يقول بطل “عابر سرير” روايتها الأشهر “الأمومة اكتشفتها كما عثر أرخميدس على نظريته وهو داخل حمّامه، فذلك الوعاء الأبيض الكبير الذي يحتويني في فضاء مائي كجنين، حدث أن ولّد في داخلي إحساسا غريبا جعل من مغطس الحمام أمي.. يحدث للأمومة أن تؤلمني حتى عندما لا تكون لها قرابة بي”.

صورة الرجل الذي يكتشف الأمومة هي مشروع هام جدا في المنظور الذي نحن بصدده والذي يهدف إلى إعادة ابتكار شهريار جديد قابل للدخول في الألفية الثالثة بسلامة ودون إراقة دماء.

وما عالم العائلة التي قد تتحول إلى رحابة العالم كله مثلما هي الحال مع جميلة طلباوي التي تكتب قصة جميلة جدا حول فشل علاقة زوجية زلزلت حياة  البطل الذي قارب الشلل ويكاد يعجز عن مجرد الحركة، وهو يتأمل حال البطلة الجريحة “آية” ثمرة الخطيئة التي لم تختر حياتها بل سقط عليها المكتوب الأعوج من علٍ (جميلة طلباوي، أوجاع الذاكرة، اتحاد الكتاب الجزائريين، الجزائر، 2008).

أما زهرة ديك فتترك المرأة في غرفة الزوجين عمر/ حياة مفضلة تحليل التفاصيل المعقدة جدا لنفسية عمر الأستاذ الجامعي المتزوج حديثا بحياة التي كانت على صلة برجل يعرفه (فائق) “أراد أن يدلي لها برغبته وأمله في أن يهيئ لها شقة جميلة كالتي كانت تعيش فيها مع فائق، أراد أن يفهمها أنه ليس أقل منه ولا أعجز منه، وكل ما في الأمر أن كليهما سلك طريقا مغايرة للتعبير عن ذاته وفرض نفسه (..) ولكنه لم يفعل واستسلم لها حين لجمته بخصلات شعرها. إنه يعشق عبيره” (زهرة ديك، بين فكي.. وطن، منشورات التبيين، الجزائر).

شهريار آخر جدير بالتوقف عنده، هو هذا الرجل العاجز عن تغيير العالم، والذي يجعل ذكورته تتألق تماما بين أحضان حبيبته. قد يكون هذا الشهريار العاجز أمام حبيبته مشروعا مختلفا عمّا عودتنا عليه السرود العربية التي تجعل المرأة هي العنوان المفضل للوهن والعجز عن المواجهة، ويجعل خارطة لجوء شخص إلى شريكه خاضعة دائما إلى اتجاه واحد: المرأة العاجزة تحتمي بالرجل القوي. ولعلنا هنا مع الروائية زهرة ديك نغير أوّليات هذه العلاقة السلطوية رأسا على عقب.

وتتحدث القاصة حفيظة طغام عن إحدى المسائل الأكثر إحداثا للجدل التي هي تصوير المشاهد الجنسية، فتعبر بشيء من اللامبالاة التي تفضح تطور وعي المرأة – وبالتالي وعي المجتمع – بهذه المسألة؛ تقول “بخصوص الرقيب فإن الجزائر تجاوزت مسألة الرقابة على الكتابة والرأي، وأعتقد أنكم تعرفون ذلك ويعرفه أغلب المثقفين العرب، ولعلّها تحتل هي ولبنان الريادة في هذا الشأن.

أما بخصوص تصوير الجسد الأنثوي بشكل حسّي، فإن أصحابه على قلتهم يشكلون تيارا أدبيا لم يستطع إلى حد الآن إقناع القارئ فنيا دون الوقوع في المباشرة والابتذال، ولم يمنعهم أيّ رقيب، وأعمالهم يروّج لها الإعلام وتعد لها القراءات وتنظم الندوات، وتباع للجمهور بتوقيعاتهم”.

هذا الهاجس يخفي اتجاها هاما في البورتريه الجديد لشهريار الذي عملت روائيات كثيرات على إخضاعه لسلطة السرد لا من خلال توجيه الحديث إليه بل من خلال جعله موضوعا “للنظرة” ومادة للسرد؛ وهي سلطة التمثيل الذكورية بامتياز،  كما يسميها فوكو وجماعة الدراسات الثقافية.

   

أهم العناصر التي أرادت الحركة النسوية تحقيقها منذ أكثر من أربعين سنة هو إعادة صياغة العالم من منظور جديد

 

في هذا الإطار تحضرنا نصوص كثيرة تعيد صياغة الرجل وهو يحتل مكان المرأة التي تتعرض لاغتصاب الوصف “الرمزي” بسلبية، بلا صوت ولا قدرة على تمثيل نفسها. وها هي ذي المعادلة تنقلب تماما مع بطلة الكاتبة المغتربة عبير شهرزاد (ولاسمها المستعار “شهرزاد” رمزية مضاعفة)؛ إذ تقول بطلتها محللة نفسية شهريار الجديد هذا “الرجال.. هم يتصرفون بعنف وردود فعل.. هم يملكون قلوبا تحب في كل لحظة، وتنبض خارج أصول الطبيعة، نبضاتهم قصائد حبّ ينظمونها لكل واحدة، لا موازين ولا قسطاس، يخسرون الميزان دوما عند كل امرأة”.

وتواصل البطلة دور شهرزاد النفسانية القادرة على تسليط عصا الوصف على الشهريار الذي ولد حديثا من رحم شهرزاد الجديدة صامتا، والذي لا مهرب له، لأنه بلا سلطة أمام سلطة الكتابة التي استولت عليها المرأة “عار على الرّجال أن يقولوا للنساء كلمة فهمتك، من دون استيعاب حقيقي لهن”، وتضيف “لا أستغرب قسوتكم أنتم الرجال، أنت من جيل الأمس أظنني.. أقدر الناس على تقبلها وتفهمه.. لكني ما أزال عاجزة عن تبريرها”.

الحالة نفسها تصفها مليكة مقدم التي عرفت في أوروبا أولا ثم في العالم العربي بنماذجها البشرية المتمردة التي استعادت حالة مليكة مقدم نفسها التي كانت طبيبة تحظى بفرصة أن تتسلط رمزيا على أجساد مرضاها، وتتسلط رمزيا من خلال دبلوم يحلم به الرجال في السنوات الأولى لظهور المرأة المتعلمة تعليما عاليا/ الطبيبة التي سيصبح لها صوت يعلو فوق كل أصوات الرجال.

ها هي ذي بطلتها الأكثر شغبا تفعل فعلها وتنجح أيضا في الميدان الأدبي فيواجهها شهريار الذي لا قبل له بهذه الصورة لشهرزاد الجالسة عند قدميه تروي له حكايات يتلذذ بها قبل أن يعمل سيف القتل في رقبة صاحبتها إن حدث وفسدت لذّته.

لقد نجحت بطلة رواية “رجالي” في تحصيل المجد الأدبي غير المتوقع للمرأة المقهورة، وها هي تصف الصورة الجديدة لشهريارها الفرنسي “احتدمت غيرة جان لوي مع النجاح الذي حققه كتابي الثالث. في غضون ستة أشهر، أصبح رجلا آخر لم أعد أعرفه، في أحد الأيام قال لي بنبرة تعيسة: لقد عرفت شابة تعيش في قطيعة تامة مع المجتمع وشيئا فشيئا أصبحت هذه الشابة الجزائرية ملتزمة، لقد أحطتك برعاية أمومية طوال سبعة عشر عاما، و أنا الآن أموت في ظلك”.

أنثوية الرواية

المرأة الكاتبة تغيّر العالم

جانب آخر من جوانب تأنيث الرواية يكمن في العودة إلى إحداثيات القص العربي المرابطة على تخوم ألف ليلة وليلة.

يقول عبدالكبير خطيبي بأسلوبه الإشراقي في الصلة الحميمية بين القص لدى العرب وبين المرأة “لنأخذ الوقت الكافي، لنحّب شهرزاد ونستمع بإمعان إلى صوتها، ونتابع زمن جسدها الذي هو جسد الحكاية، لن نتعرّض هنا لسوى ذلك الجسد الضخم المنطوق بصوت لا أحد، منذ الأزل، صوت آتٍ من لا مصدر، وانبثاق خيالي للحكايات متخطّ لكل قوانين الكتابة”.

الحكاية (والرواية تبعا لذلك) إحداثية نسائية في تقاليد العرب، ووجهة النظر الأولى/ الأصلية/ الأوليّة إزاء العالم المحكي، إزاء مجتمع الرواية وإزاء معطيات الخيال، هي وجهة نظر نسائية لأن كتابة لذة الكتابة أو ألمها هي إحدى أهم سمات السرد النسائي عند مفترق القرنين الـ20 والـ21.

تقول سارة حيدر عن بطلتها “ردينة كمال لم تكن ترضي كل الأذواق.. كانت تطمح إلى شيء أسمى من ذلك، وهي عندما تنفث آراءها على الورق، تبكي وتستبكي، تثور وتثير ولا تريد لأيّ قارئ أن يرضى عنها ولا أن يرضى عن نفسه.. في قصصها شموس الحقيقة التي تشع وتشع حتى تعمي الأبصار”.

أما فضيلة الفاروق فتستحضر الرجل كتابة، والشهوة نفسها هنا وهناك، والخذلان أيضا نفسه “يوسف عبدالجليل، النص الذي أحالني على الدنيا بحب أكثر وارتباك أقل، أو النص الذي كان رجلا ولم يكن أقاصيص من حبر، أو النص الذي لم يخذل قناعاتي لكنه بشكل ما خذل القلب لتحيا قصصه..” (فضيلة الفاروق، “تاء الخجل”، منشورات الضفاف سوريا).

وهي نفسها التي تقول بوضوح كبير في سياق سابق بأنه يصعب على المرأة التعبير أو البوح بمشاعرها في ظل هذا المجتمع الذكوري، الذي فيه السلطة الكاملة للرجل، فبطلتها تقول في نبرة حزن عميق جدا “بعدك صار الرجال أكثر قسوة أيضا، صارت الأنوثة مدججة بالفجائع”.

إن التعبير هنا بليغ عمّا يريده السرد النسائي الجديدة: التماهي التام بين عالم المتخيل وعالم الواقع الفعلي؛ أو التماهي بين الورقي الذهني والفيزيقي المحسوس الملموس، وهو تماه جدير بالتأمل في الإطار الذي نحن بصدده والذي يعتمد على إدانة واقع موروث لفائدة اقتراح نماذج تخييلية (أي واقعية بعد حين) لرجل الغد الذي عليه أن يولد من رجم السرد لتصحيح أخطاء الماضي.

ماض ظل يقاوم موقعا تتمكن فيه المرأة من رسم خرائط الحياة من خلال المشاركة السياسية واتخاذ القرار وتسجيل الحضور الفلسفي، هذه المنقصة المتجذرة في التاريخ، التي يأتي التحديث السردي لكي يغيّر معطياتها، فيصر النص تبشيرا بالرجل المثالي، ويتحول الرجل إلى التمظهر الفيزيقي للنص. وتختصر الكاتبة نفسها تلك المشاعر المحيطة بها إلى “كتابة”.

أما آسيا رحاحلية فتقول بوضوح في موضوع بطلة إحدى قصصها “هي قصة حب رائعة من مسلسل مدبلج مشهور كانت تتابعه باهتمام وشغف كبيرين.. بطلة الفيلم جميلة فاتنة كعروس بحر وحبيبها شاب وسيم أنيق” (آسيا رحاحلية، “سكوت.. إني أحترق”، دار الهدى للطباعة والنشر، الجزائر).

ولا نستبعد كذلك طريقة أنثوية في الوعي بالأشياء، طريقة تجزيئية تعتمد على ضم قطع الوعي بعضها إلى جانب البعض الآخر، بحيث يصبح النص فسيفساء وعيية، إن جاز التعبير، تشبه صورة الأمشاج في اللغة التي ترتبط بتشكيلات الجنين، الذي قد يكون الشهريار المختلف الذي تبشر السرود النسائية بإمكانيات واسعة لإعادة ابتكاره على أرض هذه السرود الجديدة.

 

  • روائي جزائري

 








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي