ناقلو الأنوار: ألبرت أينشتاين وفلسطين

2021-05-05 | منذ 1 شهر

ألبرت أينشتاين

ترجمة: منصف الوهايبي

ثمة في كل الأوقات، مثقفون يهود، لهم من الذكاء ونفاذ البصيرة، ما أهلهم لأن يكونوا من ناقلي الأنوار. وكان ألبرت أينشتاين واحدا منهم، وهو في شيخوخته؛ وقبل وقت طويل من إقامة دولة إسرائيل على الأرض الفلسطينية عام 1948.

كتب: «كنت أفضل أكثر اتفاقا عادلا مع العرب، على أساس العيش معًا بسلام؛ بدل إنشاء دولة يهودية. وبصرف النظر عن الأمور العملية، فإن وجهة نظري في ما يخص الطبيعة الجوهرية لليهودية، تقاوم فكرة الدولة اليهودية التي لها حدود وجيش، وقدر ما من القوة المؤقتة؛ حتى لو كان ضئيلا. إني لأخشى الضرر الداخلي الذي قد ينجم عن ذلك لليهودية، خاصة تطور القومية المتزمتة في صفوفنا».

وقد ترجم هذه الملاحظات الاستهلالية، مثقف يهودي آخر أستاذ في جامعة السوربون، هو ماكسيم رودنسون، الذي ندين له بدراسة متميزة نُشرت عام 1967 في عدد خاص من «الأزمنة الحديثة» بعنوان: «إسرائيل: حقيقة استعمارية». كان ألبرت أينشتاين قد توقع كل شيء تقريبا.

واليوم، بعد أكثر من 50 عاما على إنشائها (كتب هذا المقال عام 2001) أصبحت إسرائيل دولة ذات أغلبية يهودية، تأسست على 78% من أرض فلسطين (كانت الأمم المتحدة قد منحتها 56%). وهي تحتل 22% المتبقية منذ عام 1967، أي قطاع غزة والضفة الغربية.

وعلى الرغم من القسمة الضيزى لفلسطين (الجائرة غير المستوية) فإن إسرائيل وهي التي تحوز نصيب الأسد بالفعل، ما تنفك تزعق: «ما هو ملكي هو ملكي (إسرائيل) وما هو ملكك (الضفة الغربية وغزة) يخضع للتفاوض».

إذن ما هو الاستعمار اليهودي للأراضي المحتلة، إن لم يكن سوى تأكيد أن كل أرض فلسطين، هي بالنسبة إلى إسرائيل أرض إسرائيل؛ وهي من ثمة عرضة للمصادرة، من أجل إقامة المستوطنات عليها؟ وعلى سبيل المثال لا غير، أقيمت أكثر من 170 مستوطنة على أراض صودرت من الفلسطينيين، ورُبط بعضها ببعض، بواسطة طرق التفافية، للاستخدام الحصري للمستوطنين وحدهم.

إن إسرائيل، كما توقع أينشتاين مصيرها، قد جهزت نفسها بجيش هو الأقوى والأكثر تدريبا في الشرق الأوسط بأكمله، مدعوما بأحدث التقنيات القصوى، وبترسانة نووية سرية.

ولا عجب في أن تدوم الخدمة العسكرية ثلاث سنوات، وأن ينهض الجنرالات (ديان ورابين وباراك وشارون) ولا يزالون بدور حاسم في السياسة الإسرائيلية، بما يخول الكلام حد الإسهاب، على عسكرة الخطاب السياسي، وطريقة ضبط الخصم من حيث هو عدو يتم تكميمه أو تصفيته. لكن هل لإسرائيل حدود؟ لم يقع تحديد هذه الحدود رسميا. وقد أحب القادة الإسرائيليون الأوائل أن يتفكهوا قائلين: «إنما تنتهي حدود إسرائيل حيث يتوقف جيشها».

وهكذا فإن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم، حيث الحدود فضفاضة غير واضحة، بل قابلة للتمدد والاتساع حسب الرغبة. إذن ألا يوجد، مع هذه القومية المتزمتة التي حدسها أينشتاين، والتي تجيز لإسرائيل أن تضع نفسها فوق القانون العام والشرعية الدولية، فتطلب باستمرار الإذعان الدولي لها؛ بل التواطؤ، حتى لا تقر بالحقوق المعترف بها للشعب الفلسطيني؛ ألا يوجد خطر أشد من خطر التمييز العنصري الصارخ؟ بلى، يجيب نيلسون مانديلا، الذي يدرك أفضل من أي شخص آخر، ما هو نظام التمييز العنصري.

في رسالة مفتوحة إلى الصهيوني الشهير توماس فريدمان كاتب عمود في «نيويورك تايمز» (28 مارس/آذار 2001) يعبر مانديلا عن رأيه بمنتهى الصىراحة: «بما أن إسرائيل دولة يهودية، فإن لليهود الإسرائيليين حقوقا معينة، لا يستطيع غير اليهود الحصول عليها. إن التمييز العنصري جريمة ضد الإنسانية. وقد حرمت إسرائيل آلاف الفلسطينيين من حريتهم وصادرت ممتلكاتهم. وهي تؤبد نظام التمييز العنصري وعدم المساواة.

وتقوم بشكل منظم باعتقال آلاف الفلسطينيين وتعذيبهم، في انتهاك صارخ للقانون الدولي. وتخوض حربا ضد السكان المدنيين (العزل) خاصة الأطفال».

إذا نحن لم نفهم هذا، فلن نتوصل أبدا إلى فهم ما يحدث في الأراضي المحتلة. هذا هو لب المسألة. وما دامت وسائل الإعلام تركز على إغراقنا بروايات مروعة عن قتلى وجرحى من الجانبين، وصور جثث ممزقة؛ من غير أن تذكر بجوهر القضية، ألا وهو الاحتلال الجائر واللاإنساني، احتلال جيش إسرائيل لشعب فلسطيني بأكمله. وإذن ستبقى العقول مشوشة متأرجحة، تحت رحمة العنف على الأرض، من هذا الجانب أو ذاك.

أعتقد أن الغرب والولايات المتحدة على وجه الخصوص، كانا متغاضييْن عن صنيع إسرائيل؛ وهو تغاضٍ يبلغ حد التواطؤ. هل هو دائما الشعور بالذنب الذي يتم استدعاؤه كما تستدعى الشاذة والفاذة؟ أم هل هو تواطؤ من أجل المصالح؟ هل هو نفوذ اللوبيات؟ هل هو حقد بل احتقار – وهو الأسوأ ـ لكل ما هو عربي أو مسلم؟ هو هذا كله في الآن نفسه، لا ريب.

لكن ما هي الرسالة التي يرسلها الغرب إلى العالم العربي، وإلى العالم الثالث؟ ما المعنى الذي ينبغي أن يُضفى على مصطلح «احترام القانون الدولي»؟ إن تقاعس المجتمع الدولي، بعد عشرة أشهر من الانتفاضة الفلسطينية (انتفاضة الأقصى خريف 2000) يبلغ حد انعدام الوعي بما يجري؛ الأمر الذي يوسع الفجوة بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط ويبعث التصورات السلبية، من مراقدها.

إن الشراكة الأورومتوسطية تعاني بالفعل من التوتر المتفاقم في الشرق الأوسط؛ على حين تجد الأصولية الإسلامية مرتعا خصبا، وتتقدم على الحركات العلمانية، وتتهدد الأنظمة القائمة في كل الدول العربية.

وهكذا تغدو فلسطين امتحانا لمدى انسجام الخطابات الغربية حول «القانون» و«الشرعية» و «الديمقراطية» و «التنمية». لقد عرت الانتفاضة الحالية ، أكثر من سابقتها، الطبيعة العميقة لدولة إسرائيل وخواء خطابها حول السلام، الذي يُفهم على أنه «الأمن الوحيد لإسرائيل». لكن هل يجب أن نستسلم ونغرق في الانهزامية؟ كلا.

إن الأمر متروك للإسرائيليين لإعادة تشكيل حزب حقيقي من أجل «السلام والمصالحة» قادر على تقديم بديل جدير بالتصديق، لهذا المنطق الجهنمي الذي يقوم على إخضاع الخصم وإذلاله، من أجل ترويضه بشكل أفضل. اليوم أكثر من أي وقت مضى، يجب أن يتمرد المثقفون الإسرائيليون، وأن يبادروا بنقد الانحراف العسكري لدولتهم. على أن مهمة المثقفين الفلسطينيين ليست بأقل حساسية: يجب عليهم الإصرار على الشرعية طبعا، وعلى الطابع السلمي لمقاومة شعبهم… لكن ما هو دور المثقف إن لم يكن يقظًا ومعارضا وجريئا؟ فهذا هو ما يميز المثقفين الأصيلين عن«المحامين» الخطباء المفوهين الأذلاء.

 ٭ La Libre Belgique 2001المرجع: بشارة خضر: ألبرت انشتاين: الدولة اليهودية والعرب



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي