"فان غوخ.. منتحر المجتمع" لأنطونان آرتو.. من المجنون؟

2021-05-02 | منذ 1 شهر

من لوحة "بورتريه ذاتي بأُذن مضمَّدة" فينسنت فان غوخ، 1889

عبّاس بيضون*

المصوّر فان غوخ الذي مات منتحراً، دار قبل أن يسدّد رصاصة إلى قلبه، على مصحات نفسية. أنطونان آرتو، السوريالي المنشق الشاعر ومخترع مسرح القسوة، سلخ قسماً من حياته في مصحات نفسية أيضاً. بين الرجلين أكثر من وجه شبه، بل بينهما ما أشعر الثاني بتطابق. هكذا عندما كتب آرتو، قبيل وفاته بشهور، عن فان غوخ كتابه "منتحر المجتمع" كان يكتب تقريباً عن نفسه.

اللغة المتفجرة التي كتب بها كانت أقرب إلى غليانه الداخلي، وإلى ما يضطرم في نفسه. لغة كانت تشطح وتتوغل لتعثر على آرتو في فان غوخ. هذه اللغة المتفجرة، التي كان المترجم في موازاتها، هي كاتبها بالدرجة الأولى، ونكاد نقول إنّها ليست لغة فان غوخ، إذا عدنا إلى رسائله إلى أخيه ثيو، بل هي ليست لغته إذا عدنا إلى فنّه.

 

نقد لمجتمع مريض بالدفاع عن نفسه ضد البصائر النافذة

في فن فان غوخ، نجد عصابيته متركزة في نوع من الهدوء الرقراق، بل في نظرة ذات تركيز، هو من العمق والسلام والإيقاع، بحيث نجد النفس فيه سيّالة منغمة، وتنفذ إلى داخل موزون.

لا يتقاطع أسلوب آرتو مع فن فان غوخ، مع ذلك، فإنّ حاجة آرتو ليجد فان غوخ، إنّما هي بالدرجة الأولى دفاع ذاتي. لذا لا نعجب حين نجد أنّ ما بين الرجلين من دوران على المصحات، ما بينهما من شبهة جنون، يرفعه آرتو عن نفسه وعن فان غوخ ويرميه على أطبائه وعلى المصح وعلى الطبّ النفسي عامة.

ما بينهما من وصمة تلبستهما هما الاثنين، هي ما يتوزّع الكتاب وما يجمعه. آرتو هو غالباً قريب من ذلك، ولا يلبث في نهاية كلّ مقطع وكلّ فصل أن يستعيده وينفذ إليه.

لن نبتعد، من العبارة الأولى في الكتاب نقع على ذلك "نستطيع أن نتحدث عن الصحة العقلية الجيدة لفان غوخ الذي، لم يشوِ طوال حياته إلاّ يداً واحدة، وما عدا ذلك، فهو لم يقدم إلا على صلم أذُنه اليسرى" هذه العبارة تستهل ترجمة عيسى مخلوف (منشورات الرافدين، 2021) التي حاولت أن توازي بنجاح التشظي والتمزّق والطابع الهذياني للغة آرتو. العبارة مع ذلك دفاع تهكّمي عن فان غوخ، بل هي نعي ساخر للإنسان، حين يكون شوي اليد وصلم الأذن علامتين على الصحة العقلية.

حجة آرتو في ذلك أنّ المجنون الحقيقي ليس فان غوخ لكنّه العالم "لأنّ الذي خرج عن السياق الطبيعي، ليس هو الإنسان، بل العالم". العالم هو المريض وكذلك المجتمع، وليس فان غوخ، ومعه آرتو بالطبع، سوى البصيرة النافذة التي اخترع الطبّ النفسي ضدها "مجتمع مريض للدفاع عن نفسه، ضد بصائر نافذة: أزعجته قدرتها الفائقة على الحدس وبعد النظر".

أمثال فان غوخ، وآرتو، وجيرار دو نيرفال، الذي يسميه آرتو، ليسوا مجانين، لقد اتهموا بذلك لضرب "صدقية مسائل أساسية" كانوا يستعدون للإفصاح عنها. أعمال فان غوخ الفنية اتهام للمؤسسات والمجتمع، بل للطبيعة نفسها، لكنّ الطب "الذي غدا جثة قديمة غير صالحة للاستعمال" يعلن أنّ فان غوخ مجنون.

الطبّ النفسي هو المريض الذي لا يعود سوى "حجرة لغيلان هي نفسها مصابة". ليس المريض فحسب، لكنّه أيضاً المجرم الذي يخنق في مصحاته "أولئك الذين أراد التخلّص منهم" ليمنعهم باتهامهم بالجنون من "بث حقائق لا تطاق".

هذه المقولة يثبتها آرتو بالعودة الى حياة فان غوخ الشخصية، إلى طبيبه النفسي وأخيه الذي توفي بعد انتحاره بوقت قصير، لشعوره بالذنب كما يزعم آرتو. يقرر آرتو أنّ غاشيه، طبيب فان غوخ "كان يكره فان غوخ الرسام، كان يكرهه كرسام وكنابغة قبل كلّ شيء" وكطبيب نفسي كان غاشيه، بحسب آرتو "مطبوعاً في الوقت نفسه بالجنون الأكيد".

لا يقلب آرتو على الطب النفسي الحجة التي هي علة وجوده فحسب، لكنّه في استطراد شبه ديني يتهمه بأنّه شرير، وأنّ فان غوخ "وجد نفسه تحت ضغط الروح الشريرة المتمثلة في الدكتور غاشيه". قد لا نجد هذه الروح الشريرة في اللوحة التي رسمها فان غوخ لغاشيه الذي اتهمه آرتو بأنّه دفع الفنان إلى الانتحار، وعلة ذلك يجدها آرتو في حياته الشخصية هو في المصح "لكنّي أعرف أنّ محادثة طبيب نفسي صباحاً، في الوقت المحدد للزيارة، كانت تجعلني أرغب في شنق نفسي".

اللغة المتفجرة التي كتب بها آرتو قريبة من غليانه الداخلي

أما ثيو الذي يقترن دائماً بأخيه فان غوخ، كلما ذكر هذا الأخير، فهو أيضاً لم ينجُ من اللوم بل الاتهام الضمني بدفع أخيه إلى الانتحار. ثيو في نظر آرتو لم تمنعه رعايته لأخيه من الاعتقاد بأنّه "مصاب بالهذيان والتوهم والهلوسة، لقد بذل كلّ ما في وسعه لتهدئته بدلاً من أن يتبعه في هذيانه". وإذا كان ثيو في نظر آرتو، مات بعد ذلك من الندم، فإنّه لم يملك حيال أخيه "روح النابغة".

نعود مع آرتو إلى فن فان غوخ الذي، لأمر لا يعلنه، يفضّل هدوءه على الأعمال الصاخبة لكلّ من بروغيل الأكبر، وبوش.  أعمال فان غوغ التي يتوقف آرتو عند لوحة الغربان فيها، هذه الأعمال، كما يقرّر آرتو "ما من أشباح في لوحات فان غوخ ولا رؤى ولا هذيان، إنّها الحقيقة الحارقة لشمس الساعة الثانية بعد الظهر".

سنتوقف هنيهة عند لوحة الغربان لكنّنا سنمرّ أيضاً على مقابلة بين غوغان وفان غوخ اللذين تشكل علاقتهما، التي انتهت بشجار دموي، جزءاً من السيرة الفان غوخية.

 في هذه المقابلة يميّز آرتو بين بحث غوغان عن الرمز والأسطورة، وبين استخلاص فان غوخ لهما "من الأشياء العادية جداً في الحياة".

 

  • شاعر وروائي من لبنان

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي