تمثلُ ملاذاً لمن يجدون أنفسهم عالقين بين الحياة والموت

«مكتبة منتصف الليل»... كل ما يمكن تخيله يمكن أن يحصل في هذا العالم

2021-04-28 | منذ 2 شهر

لطفية الدليمي


هل هناك من علاقة بين العوالم المتوازية الممثلة بـ«قطة شرودنغر» والفن الروائي؟ لو تذكرنا أن ألوان النثر المعروفة تندرج في واحد من تصنيفين رئيسيين: الكتابة التخييلية (أي الكتابة الروائية بكل ألوانهاFiction) ()، والكتابة غير التخييلية (Non – Fiction)، فيبدو واضحاً شكل العلاقة بين الفن الروائي والعوالم المتعددة (المتوازية)؛ إذ إن الخيال في التحليل النهائي ليس سوى تخليق عالم موازٍ لعالمنا الحقيقي. يترتب على هذه الحقيقة نتيجة مؤثرة تكشف لنا خطل النظرة التي ترى وجود فارق جوهري بين طبيعة العلم والأدب، وقد بات كثيرون يرون فيهما رافدين ينبعان من مصدر واحد وينتهيان في مصب واحد، والرافد والمصب هنا كناية عن الخبرة البشرية الشغوفة والمتنامية إلى حدود لانهائية.

يقدم لنا الروائي والصحافي البريطاني مات هيغ (Matt Haig) في روايته الأخيرة «مكتبة منتصف الليل»The Midnight Library) المنشورة عام 2020 والمترجمة إلى العربية أوائل عام 2021) ما يرتقي لأن يكون ترحلاً بشرياً في عوالم موازية للوجود البشري الحقيقي، وبطريقة يمكن أن تكون ملاذاً خلاصياً لبعض البشر المأزومين في حياتهم. لا يبدو هذا الأمر غريباً على هيغ ذاته؛ فقد عانى منذ أوائل مراهقته وشبابه من اعتلالات نفسية شتى (قلق، ظواهر اكتئابية، نوبات ذعر) سبق له أن تناولها في أعماله السابقة، ومنها: «ملاحظات عن كوكب متوتر» (Notes On A Nervous Planet)، 2018 (مترجم إلى العربية)، و«كيف توقف الزمن» (How To Stop Time)، 2017 (مترجم إلى العربية)، و«أسباب للبقاء حياً» (Reasons To Stay Alive) 2015 (مترجم إلى العربية)، فضلاً عن أعمال روائية وغير روائية عديدة أخرى بعضها يخصصه هيغ للأطفال.

تبدأ رواية «مكتبة منتصف الليل» مع نورا التي ترغب في وضع حد لحياتها بعد أن فقدت كل دافع للحياة وترسخ شعورها بعدم رغبة أي أحد في إدامة علاقة إنسانية معها. الحياة بالنسبة لنورا صارت عبئاً مملاً يبعث على الجنون، ولم تعد ترغب في المزيد من مضادات الاكتئاب.

تجد نورا نفسها في أحد الصباحات وسط مكتبة متخيلة لانهائية بدلاً من أن تكون في الجنة أو الجحيم، والمكتبة هنا تقوم في الحد الرقيق الفاصل بين الحياة والموت، وتمثلُ ملاذاً لهؤلاء الذين يجدون أنفسهم عالقين بين الحياة والموت، ولا يعرفون تماماً في أي اتجاه يمضون. ليس صعباً على القارئ أن يحدس نوعاً من التماثل بين المكتبة هذه ومطهر دانتي.

المكتبة ضخمة إلى حدود لانهائية، وليس فيها سوى رفوف ممتدة من الكتب والسيدة إيلم التي كانت تعمل مسؤولة عن إدارة مكتبة المدرسة التي واظبت نورا على الدوام فيها. تخبر السيدة إيلم، نورا، أن كل حياة بشرية إنما هي بضعة ملايين من القرارات التي يتخذها صاحبها، وأن بعض تلك القرارات قد تكون كبيرة في مفاعيلها المؤثرة في حياة صاحبها، وبعضها تكون قليلة التأثير؛ لكن جميعها تنتجُ تأثيرات لا يمكن عكس تأثيراتها لاحقاً، ويقود كل تأثير إلى سلسلة لا نهائية من التأثيرات اللاحقة التي لا سبيل لنا لمعرفتها جميعاً (سواء ما يخصنا منها أو ما يختص بأناسٍ سوانا)، وليست الكتب سوى مداخل تتيحُ لنا فرصة رؤية حيواتٍ بشرية أخرى كان يمكنُ لنا أن نعيشها لو اتخذنا قرارات مختلفة عما فعلنا. الكتب بهذا المفهوم هي عوالم موازية لحيواتنا البشرية الحقيقية.

مثلما أن هذه المكتبة هي موئلٌ لرصد الاحتمالات الممكنة التي يمكن لحياة المرء أن تتخذها؛ فهي في الوقت ذاته مكان يستطيع فيه المرء إبداء الأسف والندم على أنماط حياة لم يختبرها؛ لكن ما يقدمُ بعض السلوى والعزاء له هو اختبار تلك الاحتمالات ورؤيتها متحققة في كتاب يمثل تجربة عيش لكائن حي آخر في هذا الكوكب. المكتبة إذن بهذا الوصف (أو الكتب في العموم) هي وسيلة الإنسان في الترحل عبر عوالم عديدة بكيفية تقديم عزاء للشخص المكتئب أو المسكون بالخيبة والخسران. المقاربة العلاجية هنا واضحة: إذا لم تعش أنت تجربة في هذا العالم؛ فثمة واحد على الأقل عاشها، وهو يُبدي قدراً غير قليل من الكرم عندما يقدم لك خبرته. الكتابة فعلٌ ينم عن كرم وأريحية ورغبة في فتح آفاق جديدة أمام الكائن البشري.

تمتاز رواية «مكتبة منتصف الليل» بخصيصتين مميزتين: الأولى أنها تنتمي لفئة الرواية المعرفية/ النفسية التي صارت صنفاً رائداً في رواية القرن العشرين. أما الخصيصة الثانية فهي اعتماد الروائي حبكة خطية من غير التواءات جانبية أو مسالك التفافية تسعى لملاعبة الزمان والمكان والعوالم الحقيقية أو المتخيلة. كتب بعض النقاد الروائيين والمعلقين الأدبيين أن هذه الرواية تشابه حكايات الجنيات؛ لكنهم اتفقوا أن هذه الحبكة الخطية المباشرة والثراء الحكائي إنما يضيفُ قيمة للرواية ويعلي شأن الخبرات التي أراد الكاتب نقلها إلى القارئ.

تقدم الرواية خبرة كبرى للقارئ، وإذا ما كان القارئ على دراية معقولة بالعلم والفلسفة ومبحث الاضطرابات النفسية فستتعاظم مستويات شغفه بالرواية. لندقق - مثلاً - في هذا المقطع الذي تتأمل فيه نورا في وضعها المعرفي وحالتها الذهنية:

كانت نورا قد قرأت بشأن العوالم المتعددة، وعلمت بعض الشيء القليل عن علم نفس الجشتالت (Gestalt)، وعن الكيفية التي تستطيع بها الأدمغة البشرية التعامل مع المعلومات المعقدة بشأن العالم وتحويلها إلى منتج نهائي بسيط؛ لذا عندما ينظر كائن بشري نحو شجرة فإنه يترجم هذه الرؤية إلى كتلة معقدة من الأوراق والأغصان ويحولها إلى شيء يدعوه «شجرة». أن تكون إنساناً يعني أن تعمل بطريقة حثيثة لا انقطاع فيها على تحويل العالم إلى حكاية مفهومة قادرة على إبقاء كل شيء بسيطاً.

يقودنا هيغ في هذه الرواية عبر مسارات كئيبة أو حزينة؛ لكنها تبقى مكتنفة بالتفاؤل الفلسفي والإمكانات المنطقية التي تتيحها العوالم المتعددة. هذه الرواية هي مجموع حكايات مأساوية؛ لكنها تظل مآسي يمكن تمثلها والعبور عليها نحو إمكانيات لا نهائية غير مختبرة بعدُ. ثمة في الرواية حزن وشعور باللاجدوى، وهذه بعض صور الشعور الذي يختبره الإنسان في حياته؛ لكن في مقابل هذا الحزن يوجد الكثير من جلسات التأمل الرقيق، والمفاعيل المؤذية الناجمة عن الشهرة، ووجوب احترام كرامة الحياة البشرية لكل فرد مهما صغر موقعه في سلم التراتبيات المجتمعية، وثمة أيضاً الكثير من المقتبسات الفلسفية (درست نورا الفلسفة في المدرسة)، ويوجد الكثير من التفكر الهادئ حول الأهمية الفلسفية لإضفاء معنى على حياتنا، وهنا نلمح هذه الخبرة المكثفة التي يقدمها لنا الروائي (وهي الخلاصة العميقة للرواية): ليس مهماً أن يتخذ شعورنا بالمعنى نمطاً متجسداً أمامنا؛ بل يكفي فقط أن نفهم ونقتنع في دواخلنا أن كل ما يمكن تخيله يمكن أن يحصل في هذا العالم لنا أو لسوانا.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي