جمالية الرسالة القصصية في كتاب البخلاء

متابعات الأمة برس
2021-04-07 | منذ 2 شهر

يعد بعض الباحثين النص القصصي، في كتاب «البخلاء» للجاحظ، قصة قصيرة. هذا التصنيف غير صحيح، ذلك أن القصة القصيرة نوع قصصي حديث، وقد استُخدم قديماً مصطلح الرِسالة القصصية، ليدل على هذا النوع من القص، وسوف نتبناه هنا محاولين في ما يأتي، تبين ما يتميز به من خصائص أدبية تمثل جماليته.. من هذه الخصائص:

مادة القص

المادة القصصية الأولية، في قصص كتاب «البخلاء»، مأخوذة/»مُلتَقَطَة» من الحياة الواقعية اليومية المعيشة، وهي مادة مختارة مما سمعه الجاحظ أو رآه وخبره. وأصحابها معروفون، ومعرفتهم تضيف إليها حسناً، يقول الجاحظ في هذا الصدد: «هذه مُلتَقطات أحاديث أصحابنا وأحاديثنا وما رأينا بعيوننا»، (كتاب البخلاء ـ بيروت ـ دار الهلال ). والشخصيات التي تُروى قصصها حقيقية، نذكر منها على سبيل المثال:

الحرامي: أبو محمد عبد الله، أحد البخلاء. الكندي: أبو يوسف، يعقوب بن إسحق الكندي الفيلسوف العربي، اشتهر بالبخل. سهل بن هارون: أبو عمرو، أحد كتاب العصر العباسي.. يستخدم الجاحظ، بغية جعل «مُلتقطاته»، اللحظات النادرة ـ «المهمة» من الحياة، وقائعية، الألفاظ الخاصة بكل فئة من فئات شخصياته، ويفسرها، ليُفهم القارئ معناها. ومن نماذج ذلك نذكر: الفانيد (فارسي معرب، حلواء). الخزيرة (حلواء).

عجز الكتابة وإثارة تخيل القارئ

تمثل واقعية المادة القصصية عنصراً من عناصر جودتها؛ إذ يطيب جداً، كما يقول الجاحظ، إذا رأيتَ الحكاية بعينيك.. ويقر الجاحظ بأن الكتابة تعجز عن تصوير كل شيء، فلا بد للقارئ من التخيل، وبغية توفير هذا العنصر يحرص على أداء القص بلغة شخصيات القصة، فيقول على سبيل المثال: «وإن وجدتم، في هذا الكتاب، لحناً أو كلاماً غير مُعرَب، أو لفظاً معدولاً عن جهته، فاعلموا أنّا إنما تركنا ذلك لأن الإعراب يبغض هذا الباب ويخرجه من حده».

غرائب وأعاجيب ونوادر

يسمي الجاحظ ما يختاره «مُلتَقَطَات»، أي أنه يلتقط الحدث الدال، أو ما يسمى، بلغة النقد الحديث، اللحظة المهمة الكاشفة واقعاً، أو شخصية أو موقفاً، ويسمي هذه الملتقطات التي يختارها «غرائب»، و»نوادر»، و»أعاجيب».

مشاكلة القصص والأحاديث

وهو، إذ يروي الغرائب والأعاجيب والنوادر، يحرص على أن يتصف ما يرويه بما يسميه مشاكلة الأحاديث بعضها لبعض، فيقول على سبيل المثال: «وليس هذا الحديث من حديث المرَاوِزَة ولكن ضممناه إلى ما يشاكله»، «وليس هذا الحديث لأهل مرو، ولكنه من شكل الحديث الأول».

البناء القصصي: السند/الراوي والمتن

يتألف بناء كل قصة من سند ومتن. السند، في قصص البخلاء، بسيط، يتمثل في محدث/راوٍ واحد يروي للمؤلف الذي يؤدي القص من منظوره. والراوي/السند شخص حقيقي معروف من أصحاب المؤلف ومحدثيه، مثل ثمامة بن الأشرس وإبراهيم بن سيار النظام. يروي الراوي المحدث مادة قصصية واقعية، فيرويها الراوي/المؤلف، فيشكل بناءً قصصياً متخيلاً ذا مرجع واقعي، على مستويي السند والمتن، فالقصة المدونة، هنا، تخلصت من الإسناد الموثق المعروف، واكتفت بإسنادٍ يقدم الحكاية، ما يعني تقديم نصوص قصصية ذات مرجعية واقعية، على مستويي السند والمتن يؤديها راويان: أولهما يؤدي الحكاية، وثانيهما ينشئ القصة، أي يقيم البناء القصصي المتخيل من هذه الحكاية. وفي كثير من القصص يروي الراوي، وهو المؤلف، عما شاهده هو، فيكون هو السند، وهذا يعني أنه يمكن تقسيم سند القص إلى ثلاثة أقسام : أولها محدث المؤلف، وثانيها المؤلف نفسه، وثالثها من دون سند.

يؤدي السند وظيفة إثبات صدقية القصة/الحديث والإقناع بها، كما أنه يتبع تقليداً كان سائداً في زمن كانت الشفوية فيه مصدر الثقافة، وكان لا بد من المرور بمرحلة يتم فيها التخلص من آثارها، وقد أدى الجاحظ دوراً في هذا المجال. ويبدو أنه كان يحرص على إقناع المتلقي بصدقية حديثه، فعندما يجد حاجة إلى ذلك يأتي الإسناد مركباً، ومن نماذج ذلك قوله: «حدثني أحمد بن المثنى عن صديق لي وله، ولقد رأيته». والراوي/المؤلف يروي ما يحدث به من منظوره، ويتدخل في حالات كثيرة، فيعرف، أو يشرح، أو يستنتج، أو يفسر، أو يلحظ المبالغة ولا يقبلها، يروي عن خالد بن يزيد أنه كان يمسح اللقمة بالجبنة، فيترك فيها أثراً، ولما جاء ابنه قال: «أضعها من بعيد، فأشير إليها باللقمة»، ويعلق: «ولا يعجبني هذا الحرف الأخير».

يتدخل الراوي، كما يبدو، في حالات كثيرة، لكنه يكتفي بالتعريف والشرح والتفسير وملاحظة المبالغة، ولا ينصح ولا يعظ، ولا يعلن رأياً أو موقفاً مباشراً، وإنما يبقى موضوعياً حيادياً، يروي، ويترك للمتلقي أن يتبين الدلالة. وقد يشير إليها فيعجب مما يحدث.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي