النكبة الفلسطينية الثالثة
2020-07-10 | منذ 5 شهر
عبد المنعم سعيد
عبد المنعم سعيد

التصق وصف «النكبة» بالخروج الفلسطيني من أرض فلسطين عام 1948 للاجئين إلى دول عربية مجاورة أو العالم الخارجي أو داخل ما تبقى من الأرض الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة، نتيجة الغزو الإسرائيلي وما ارتكبه من جرائم ومذابح.
كانت النكبة الفلسطينية كارثة عربية بامتياز للدول التي شاركت في الحرب، معتبرة أنها تحارب مجموعة من العصابات التي تسعي لإنجاز أكذوبة تاريخية؛ وهكذا قامت بإقامة المعسكرات للفلسطينيين انتظاراً ليوم العودة الموعود. «النكبة» الثانية جاءت نتيجة حرب يونيو (حزيران) 1967 التي هزمت فيها إسرائيل ثلاث دول عربية، وكانت النتيجة احتلال الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة فسقطت فلسطين كلها تحت براثن الاحتلال الإسرائيلي. الانتصار العربي في حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973 فتح الطريق لتسوية الصراع العربي، فنجحت مصر في استعادة أرضيها المحتلة، كما نجحت سوريا في استعادة بعض منها، أما الفلسطينيون فنجحوا بالمقاومة والانتفاضة في خلق أول سلطة وطنية فلسطينية على أرض فلسطين في التاريخ. وقبل النكبة الأولى كان قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة قد أعطى اليهود 55 في المائة من مساحة فلسطين، والعرب الفلسطينيين 44 في المائة، وما تبقى كان منطقة دولية في القدس.
القرار كان فيه كثير من الظلم، ورفضه الفلسطينيون، وكان قبول الإسرائيليين به بداية الحصول على الشرعية الدولية وقيام الدولة الإسرائيلية على 78 في المائة من الأرض الفلسطينية. ما تبقى 22 في المائة باتت هي موضوع التفاوض ما بين منظمة التحرير الفلسطينية استناداً إلى اتفاقيات أسلو، بحيث تؤدي إلى قيام دولة فلسطينية عليها جنباً إلى جنب الدولة الإسرائيلية. الآن فإن الفلسطينيين على وشك الدخول في نكبة ثالثة، نتيجة ما سمي صفقة القرن الأميركية، فإن إسرائيل ضمت بالفعل مدينة القدس الكبرى وبات معترفاً بها كعاصمة لإسرائيل من بعض دول في العالم، وفي المقدمة منها الولايات المتحدة. وبالإضافة إلى القدس فإن إسرائيل الآن تزمع ضم المستوطنات الإسرائيلية داخل الضفة الغربية والتي يوجد فيها 450 ألف يهودي، بما تحتويه هذه المستوطنات من سكان وبنية أساسية ووسائل وطرق للحماية. وفوق ذلك كله ضم غور الأردن للدولة الإسرائيلية. وإذا كانت «النكبة الثالثة» مثلها مثل سابقتيها تضمنت ضماً للأراضي وطرداً للسكان، فإن الثالثة ربما تكون تحضيراً لنكبة رابعة تدفع الفلسطينيين أو جزءاً منهم إلى خارج الديار الفلسطينية.
التحركات الإسرائيلية الراهنة، وما سبقها من تحركات أميركية، تأتي في مناخ إقليمي ودولي، مختلف تماماً عما كان عليه الحال في النكبات السابقة. وبعد أن كان «الصراع العربي - الإسرائيلي» هو القضية المركزية في المنطقة، فإن القضايا المركزية الآن تعددت، لأن تهديدات الوجود من قبل إيران وتركيا لدول عربية عديدة واقعة وحالّة ومدججة بالسلاح والآيديولوجيا والمواريث التاريخية الدامية. الخلل الكبير الذي جرى في العالم العربي في أعقاب ما سمي الربيع العربي من انهيار دول ودخول أخرى في حروب أهلية، أضاف ضعفاً شديداً إلى التوازن العربي الإسرائيلي. وما لا يقل خطورة عن ذلك فهو الواقع الفلسطيني نفسه الذي ما إن أقام أول سلطة وطنية فلسطينية في التاريخ، فإنه انقسم عملياً إلى وحدتين سياسيتين: واحدة في المنطقة (أ) وبها الضفة الغربية، والأخرى في قطاع غزة. باختصار نجحت جماعة الإخوان المسلمين تحت اسم حماس هذه المرة في تحقيق ما لم تستطع تحقيقه في دول عربية أخرى، وهو أن تنهي واحدة من أهم مقومات الدولة وهي وحدة الجغرافيا قبل أن تقوم الدولة. وحدث هذا بعد أن فشلت السلطة الوطنية في تحقيق أهم مقومات الدولة على الإطلاق وهو الاحتكار الشرعي للقوة المسلحة. وفي الحقيقة فإن هذا الانقسام ليس جديداً على الساحة الفلسطينية، فمنذ بداية الكفاح المسلح كان هناك فتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وبعد ذلك كانت هناك تنظيمات أخرى لكل منها سياسات خارجية ترتبط مع دول وتعادي دولا أخرى، وتصورات للأمن القومي الفلسطيني تختلف من تنظيم إلى آخر.
خلال سبعين عاماً منذ «النكبة» الأولى وحتى مطلع «النكبة الثالثة» كان القانون الأساسي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، هو القدرة على خلق الحقائق على الأرض منذ بدأت موجات الهجرة اليهودية إلى فلسطين وما أعقبها من بناء مؤسسات سياسية واقتصادية واجتماعية دائمة، حتى إقامة المستوطنات على الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967، ووصلت إلى حجمها الحالي. الفلسطينيون من ناحيتهم نجحوا في البقاء على الأرض الفلسطينية بحيث باتوا يتقاسمون الأرض الواقعة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط، ولكل من الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي في الوقت الراهن ستة ملايين نسمة، وربما كان للفلسطينيين زيادة طفيفة. هذا الخلل الجغرافي الشديد الذي بات يعطي الإسرائيليين ما هو أكثر من قرار التقسيم، وما هو أضخم من حجم إسرائيل بعد حرب 1967، وما هو أشمل مما كان عليه الحال في اتفاقيات أسلو؛ يقابله على الجانب الآخر حالة تكافؤ سكاني من الناحية الكمية على الأقل. ولكن من الناحية الكيفية، فإن الفلسطينيين باتوا مقسمين إلى الفلسطينيين داخل الدولة الإسرائيلية وهؤلاء مطالبهم هي المساواة مع الإسرائيليين، وحل النزاع مع الفلسطينيين عن طريق دولة واحدة للعرب واليهود معاً. حماس في غزة على الجانب الآخر تريد دولتها الإسلامية الخاصة، وفي الطريق إليها إقامة هدنة طويلة المدى مع إسرائيل. الفلسطينيون في الضفة الغربية منقسمون بين من يريدون حل الدولة الواحدة وهؤلاء نحو 37 في المائة، ومن يريدون الاستمرار في التفاوض على أساس أن هناك تحولات عالمية خاصة في أوروبا والولايات المتحدة، ربما تكون مواتية للحقوق الفلسطينية.
عملياً، فإن إسرائيل بعد ضمها للقدس، وإعلانها عن نيتها لضم أراضي المستوطنات وغور نهر الأردن، فإنها طلبت استئناف المفاوضات مع الفلسطينيين، من أجل إقامة دولة فلسطينية على ما تبقى وهو عملياً يعني إعادة تقسيم الضفة الغربية، لأن غزة سوف تظل على حالها خارج عملية التفاوض. السلطة الوطنية الفلسطينية من ناحيتها أرسلت رسالة إلى «الرباعية الدولية» التي تضم روسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم، تبدي فيها استعدادها للتفاوض على أساس البدء من حيث انتهت المفاوضات السابقة، التي كانت منذ سنوات بين الرئيس محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي يهودا أولمرت. المسافة ما بين الطلب الإسرائيلي والسعي الفلسطيني للتفاوض هائلة، فإسرائيل تصديقاً على ضمها للأراضي الفلسطينية، والسلطة الفلسطينية تريد عودة الاعتبار إلى اتفاقيات أسلو وما ترتب عليها من تحضير لقيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، الأمر على هذا النحو لا يعطي أملاً في نتيجة، اللهم إلا أن إسرائيل سوف تمضي في طريقها كما فعلت من قبل، أو تحاول تقديم تنازلات في أمور لم يكن لها فيها حق من الأصل، مثل تجميد ضم غور الأردن، مقابل مكتسبات اقتصادية من دول عربية. ما يحتاج إليه العرب في هذه المرحلة تفكير جديد للتعامل مع واقع معقد ومتشابك المستويات بين المحلي والإقليمي والدولي؛ ويقود إلى استراتيجية للتعامل مع هذا الواقع.

* نقلاً عن الشرق الأوسط



مقالات أخرى للكاتب

  • ثلاثة وجوه للمسألة الأميركية
  • بايدن رئيسًا
  • ما بعد الانتخابات الأميركية

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق





    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي