الجغرافيا السياسية والاقتصادية والاستراتيجية
2026-06-17 | منذ 1 ساعة
عبد المنعم سعيد
عبد المنعم سعيد

ساعة انعقاد مجموعة الدول السبع في العالم (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وكندا واليابان) لم تعد كما كانت منذ ولايتها على قيادة العالم الاقتصادي، كما يفعل حلف الأطلسي في المجالين الأمني والاستراتيجي. الإشكالية الكبرى هي دخول العالم فترة خشنة من العسكرة وعنف الحرب عندما اجتمعت «حرب غزة الخامسة» مع «حرب الخليج الرابعة» في حزمة واحدة من الدول والميليشيات، بينما الحرب الأوكرانية تُطل على كلا الحربين في الشرق الأوسط، حيث تنقسم توجهات أوروبا عن الولايات المتحدة. قمة الدول السبع في فرنسا تواجه أزمة عالمية كبرى لها ثلاثة أبعاد؛ جيوسياسية، وجيواقتصادية، وجيواستراتيجية، تجعلها أكثر تعقيداً فوق تعقيد. البعد الأول له أبعاد تاريخية مريرة تدور حول الصراع العربي والفلسطيني الإسرائيلي وامتداداته إلى لبنان وسوريا والعراق؛ والصراع العربي الإيراني الذي امتد في الحرب العراقية الإيرانية إلى ثماني سنوات. عمق هذه الصراعات اشتد مع ظهور الأصوليات الدينية الإسلامية واليهودية، ومع تسلُّحها الذي أخذ آفاقاً جديدة من التكنولوجيا السيبرانية والمُسيرات الجوية والبحرية. البعد الثاني الاقتصادي جاء أيضاً من انعدام التوازن بين إيران من ناحية، والولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية أخرى، والذي جعل إيران تلجأ إلى خلق أزمة اقتصادية عالمية، من خلال الاحتباس لنحو 20 في المائة من النفط العالمي، في خطوة كانت لها نتائج اقتصادية وخيمة على الطاقة والغذاء وسلاسل التوريد، والصناعة بشكل عام. البعد الثالث الاستراتيجي لخّصته حالة إغلاق مضيق «هرمز» أمام الملاحة العالمية، مع وجود الأسلحة النووية لدى الأطراف، فأصبح ما هو معروض على قمة الدول السبع أمراً بالغ الصعوبة.

الجغرافيا السياسية أحد المذاهب في العلوم السياسية والعلاقات الدولية التي تفرض حتميات من الصعب الخلاص منها. وكما أن الإنسان لا يختار والديه، فإن الدول لا تختار جيرانها؛ ومع الجيران فإن الجيرة تجعل الأسوار إما أن تكون رقيقة وقادرة على دفع الأعداء؛ من حشرات وكائنات غير مرغوبة ومعها اللصوص، بعيداً؛ أو تبادل الهدايا في الأعياد ومناسبات الزفاف. هي سبيل للخصام والعداوة، أو التعاون والاعتماد المتبادل. وجود العالم العربي وسط جيرة إيران وتركيا وإسرائيل يخلق معضلات «جيوسياسية» تتطلّب التعامل معها بما يحقق مصالح الأطراف. تاريخياً، فإن ذلك لم يحدث، واستمر العداء يراكم حرباً على حرب، وهو ما يخلق صعوبة كبيرة في الحديث عن السلام، بينما القذائف تتوالى قاصدة القتل والتدمير.

مناسبة انعقاد مجموعة الدول السبع تبدو مدهشة، وسط الانهيار الكبير لتأثير المنظمات الدولية والقانون الدولي، بشكل عام، أو نظام الأمم المتحدة ما بعد الحرب العالمية الثانية، نوع من «المودات» القديمة التي ظهرت لامعة وقت العولمة، لكنها، الآن، تشهد عالماً آخر تهاوت فيه المؤسسات الدولية. في منطقتنا الملحة على كل المحافل الدولية دون نتيجة تطفئ نارها، يتفاعل فيها العديد من المستغلين للصراعات والأوضاع الجيوسياسية المختلّة، تشهد عناصر متعددة يطلق عليها اسم «المفسدون». الميليشيات المتعددة؛ من «حزب الله» إلى «الحشد الشعبي» إلى «حماس» إلى «الحوثيين»، هي نتاج بيئات دول وطنية غير مكتملة الهوية ولا تزال حائرة في تعريف نفسها وحدودها وهويتها وغير مستعدة لعبور الطريق الصعب إلى الدولة الوطنية. هي الأكثر سلاحاً فوق الجيوش الوطنية؛ وهي الثلث المعطل لنشاط الدولة. وجود هذا النوع من المفسدين يجعل الحرب المشتعلة في الخليج العربي عصية على التطويع نحو السلام، أو إعادة تنظيم العالم بدلاً من تدميره.ِِِ

رغم قيادة الولايات المتحدة مجموعة دول السبع، بحكم ناتجها المحلي الإجمالي الهائل (32 تريليون دولار)، وبحكم امتلاكها وسيطرتها على عملة الدولار كعملة عالمية، وتحكُّمها الكبير في حركة انتقال الأموال والاستثمارات في العالم؛ فإن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ومنذ بداية فترة رئاسته الثانية، كان قد غيّر طريقة تعامله فيما يخص العلاقات مع الحلفاء في أوروبا وآسيا وأميركا الجنوبية، خصوصاً في ملف العلاقات مع كندا والمكسيك وغرينلاند، وصولاً إلى شن الحرب على إيران بالتحالف مع إسرائيل. وبعد 100 يوم من القتال والمفاوضات والضربات المتقطعة والموصولة، فإن مصير العالم الاقتصادي الذي كان مفروضاً فيه أن تقوم مجموعة الدول السبع بواجبها لحمايته من التدمير، فإنها عند اجتماعها لا تجد كثيراً تقدمه، اللهم إلا دعوة الجميع للحضور إلى مأدبة لا يستثنى منهم الصين ولا الهند ولا دول عربية متعددة. مدينة إيفيان، التي انعقدت فيها قمة مجموعة الدول السبع، كانت بعيدة للغاية عن مضيق هرمز.

 

*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولايعبر بالضرورة عن رأي موقع الأمة برس - الشرق الاوسط



مقالات أخرى للكاتب

  • إشكاليات الأمن الإقليمي
  • المقاومة والتفاوض
  • لا مفاجأة فى 7 أكتوبر؟!










  • كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي