هل الجوائز الأدبية والفنية مؤذية؟ .. وهذا التمثال، لماذا يبكي؟
2020-05-30 | منذ 1 شهر
غادة السمان
غادة السمان

بعض الذين يفوزون بالجوائز الأدبية في الغرب والشرق يزدادون إبداعاً في محاولة التفوق على أنفسهم وتجاوز عطائهم بعطاء أكثر سخاء.

ولكن البعض الآخر يجد في الجائزة تتويجاً نهائياً ويهبط مستوى إبداعه بعد أن يستولي الغرور على عطائه… وكان بوسع الكثيرين الذين فازوا بجوائز واعتبروها شهادة نهائية «سرمدية» تجاوز أنفسهم ولم يفعلوا، إذ ظنوا أن الجائزة نهاية الطريق.. بالنسبة لهم تم التتويج، وصار إبداعهم الأدبي أو الفني كنوم على المجد أو بمبالغة في استعراضه، كما في هذا التمثال من السينما الغربية في فيلم شاهدته البارحة.

الجوائز الفتاكة

تم مثلاً تكريم الممثل الأمريكي نيكولاس كيج منذ أعوام بمنحه جائزة «الأوسكار» لأفضل ممثل، وكان يستحقها. لكن تلك الجائزة فتكت بإبداعه، إذ صار بعدها يبالغ في التمثيل كأنه يقول: انظروا إليّ، أنا الممثل المبدع، وهكذا تحول إلى ممثل شبه رديء!

تذكرت ذلك وأنا أشاهد البارحة فيلمه «انتقام بارد» الذي قام بتمثيله (عام 2019) برداءة منقطعة النظير لمبالغته في أداء دوره كما لو كان ممثلاً شكسبيرياً على مسرح يعود إلى عدة قرون مضت!.. كان يبالغ إلى أبعد مدى في تعابير الوجه دون مبرر في دوره السينمائي كأنه يقول: انظروا إليّ، فأنا الممثل الأكثر براعة بشهادة جائزة «الأوسكار»، ولكن مبالغته في التمثيل حرمته من تصديقنا للشخصية التي يفترض أن يمثل دورها… ترى، لماذا تدمر الجائزة من يصدق (عظمته) الفنية ويبالغ في استعراضها حتى حافة السخرية منه؟ لماذا يكون النجاح عتبة للفشل أحياناً في حقول الإبداع كلها؟ أهو الغرور وجنون وهم العظمة؟ ألا يحدث ذلك أحياناً في حقل الأدب وحتى في عالمنا العربي؟ أترك للقارئ تسمية الأمثال!

وداع لزمن سيصير ذكرى

قرأت خبراً عن ستين صحيفة أسترالية ستتوقف عن الصدور بنسخة ورقية! خبر آخر مشابه: الصحيفة الوحيدة التي كانت تصدر بالايطالية في العالم العربي (في تونس) ستتوقف عن الصدور بنسختها الورقية. الصحيفة تدعى «ايل كورييري دي تونيسي». كلما توقفت صحيفة يومية عن الصدور أشعر بحزن كمن فارق حبيباً!

جنازات في قلبي

حين كنت في دمشق حزنت لتوقف العديد من الصحف الورقية عن الصدور، ربما لأسباب مالية أو سياسية (قبل زمن الإنترنت)، ثم أحزنني توقف منابر لبنانية عن الصدور كصحف البيرق، والكفاح، والسفير، والحوادث، وريفو دي ليبان، والأسبوع العربي، والأحد، والصياد، والأنوار، وسواها كثير، ولأسباب مختلفة والنتيجة واحدة… احتضار الصحافة الورقية وانتحارها في لبنان والعالم العربي والغربي والاعتراف بالحقيقة: كما انقضى زمن الكتابة على ورق البردي لدى الفراعنة، لعلنا نودع اليوم زمن الصحافة الورقية التي صار معظمها يصدر ولكن في نسخ إلكترونية.

انه التطور المحتوم، ولديّ قناعة عقلية بذلك، ولكن لا مفر من جنازات سرية صغيرة في القلب حين نودع منبراً ورقياً توقف عن الصدور ومات بالسكتة العصرية. ونحزن لذلك ونحن نعتذر في الوقت ذاته من الزمن الذي مهنته التطور واغتيال بعض الماضي. عقلانياً نصفق لذلك، ولكن جنازات سرية تخرج في قلوب البعض، وأنا منهم، كلما توقفت صحيفة ورقية عن الصدور. ولكن التطور سنَّةُ الكون.

تمثال الحرية يبكي دماً!

تصادف أن بيتي الباريسي يقع بالقرب من نسخة بالحجم الطبيعي لتمثال الحرية النيويوركي. يشاهده حتى العابر بسيارة على جسر «بون غرونيل» ولكنني شاهدته يدمع وتتساقط من عينيه دموع من دم. السائح أو المقيم يشاهد تلك النسخة عن تمثال الحرية بالحجم الطبيعي في آخر «ممر البجع»، وهو شارع على طرفيه الأشجار ويشطر نهر السين إلى قسمين، ويبدو دعوة شهية للمشي فيه أو الجلوس على المقاعد العامة… وحين يمشي المرء إلى نهايته يجد نسخة عند تمثال الحرية الذي نحته الفنان الفرنسي أوغست بارتولدي (1832 ـ 1923) وأهدته فرنسا إلى الولايات المتحدة شحناً في باخرة خاصة عام 1886 بمناسبة «إعلان حقوق الإنسان». والتمثال لامرأة تحمل في يدها مشعلاً يعبر عن: «الحرية تضيء العالم»، لكنني صرت أشاهد جاري تمثال الحرية وهو يبكي دماً يسيل من عينيه.

حوار مع تمثال الحرية

سألت التمثال بلا صوت: لماذا تبكي؟ قال لي: إني خجول مما يقترفونه باسمي في حق الشعب الفلسطيني الذي يسرقون أرضه ويهدمون بيوته ويقطعون أشجاره ويحرمون أسراه من العلاج ويطلقون الرصاص حتى على العزل في تظاهراته و…

قلت لتمثال الحرية: أرجوك… اصمت، فأنا أعرف ذلك كله وقلبي يدمع، ولكنه أضاف: الرئيس ترامب بعلاقته الغرامية مع التغوّل الإسرائيلي يزيدني خزياً حتى الشعلة في يدي أنطفأت.

لهزائمنا، حتى التماثيل تبكي!

قال لي «تمثال الحرية» والدم يتساقط من عينيه بدل الدمع: اعذريني أيتها العربية الحزينة، وخجلي منك لا يوازيه إلا غضبي من رئيسي للجمهورية الذي حولني إلى موضوع السخرية بدلاً من الاحترام، إذ لا يسرني الرئيس الذي أهدى القدس إلى إسرائيل! أنا لا أرضى بذلك وإقامتي في نيويورك إرغامية… حتى وأنا في باريس في «ممر البجع» أبكي دماً، إذ تسيل من عيني دماء الفلسطينيين الذين تتم محاولة أبادتهم في انشغال العرب عن قضيتهم ومحافل العالم عن إدانة وحشية إسرائيل، وحتى حينما تصدر المحافل الدولية إدانة السياسية الإسرائيلية يأتي الرئيس ترامب حاملاً حق (الفيتو) الأمريكي ويحول دون تنفيذ العدالة الدولية للفلسطينيين، وتذكرت عبارة شكسبير في رائعته «الملك لير»: ابكوا! يا لكم من رجال من حجارة.

ولكن الحجر يبكي أحياناً يا عزيزي شكسبير!

نسخة أخرى عن التمثال أمام الفندق

ثمة فندق (5 نجوم) قرب بيتي أمر به حين أذهب للتسوق. وفوجئت بأنه وضع أمام بابه تمثالاً مصغراً عن تمثال الحرية والسياح يلتقطون الصور لأنفسهم معه أمام باب الفندق.. ولكنهم لا يلحظون أن الدماء تغطيه.

دماء الفلسطينيين الذين تم قتلهم بهمجية في وطنهم فلسطين، الذي تحاول إسرائيل احتلاله بأكمله… ثمة دماء لا تراها العيون كلها. وليلاً، حين تنام باريس، يغادر التمثال مكانه ويحاول الاغتسال من الدم في نهر السين الذي يطل الفندق عليه. لكن الدماء تظل تغطيه صباح اليوم التالي، دماء الفلسطينيين الذين تم قتلهم في الليلة السابقة في إسرائيل؛ أي في فلسطين المحتلة.



مقالات أخرى للكاتب

  • لقاء مع القراء (1): كورونا هذبنا جميعا!
  • الشاشات العالمية: وداعا للأدباء وأهلا بالأطباء!
  • يا للهول! إني أتحول من بيضاء إلى سوداء!

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق






    شخصية العام

    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي