قراءات "الحَجْر المنزلي": كتابان للذين يكرهون المطالعة!
2020-05-23 | منذ 2 أسبوع
غادة السمان
غادة السمان

دعونا نعترف!

الكثير جداً من الناس ليسوا من عشاق المطالعة. بل ويزيدهم نفوراً منها النصائح لأهل «الحجر المنزلي» بقضاء الوقت في القراءة أكثر من مشاهدة التلفزيون أو معاقرة الإنترنت، في قفص البيت الإرغامي بسبب وباء كورونا. ولذا، اخترت للذين يكرهون المطالعة كتابين بوسعهم مطالعتهما دون قراءتهما!

الصورة الجميلة بدل الكلمة المملة للبعض!

الكتاب الأول يدعى: «فرنسا كما تبدو من البحر».

ويقع الكتاب في 420 صفحة من الورق الصغير جداً والطباعة الفاخرة، وليست فيه صفحة واحدة مكتوبة باستثناء صفحة المقدمة التي يستطيع الاستغناء عنها كاره القراءة..! فالكتاب يعلن عن نفسه في كل صفحة لأنه كتاب صور لشواطئ فرنسا وكيف تبدو مدنها وقراها الساحلية في صور ملتقطة من زورق في طقس مشمس صافٍ بسماءٍ زرقاء.

الكتاب من منشورات «شين» والمؤلف فيليب بليسون، وبالأحرى ملتقط الصور من زوايا ذكية وطقس مناسب.

سيسر الكتاب كارهي القراءة، فهو ببساطة ألبوم صور التُقطت ببراعة يتأملها المرء كأنه يتجول في باخرة تدور به على شواطئ فرنسا كلها، صوّر المؤلف معظم شواطئه المفضلة بفنية حتى اعتُبِر الرسام الأول للشواطئ البحرية.

قصيدة حب لوطنه!

هذا البحار قدم بصوره الفوتوغرافية/اللوحات صورة جيدة لوطنه فرنسا كما يبدو من البحر، ولم ينصب اهتمامه على المرافق التجارية كالفنادق الفخمة لشواطئ جنوب فرنسا (الكوت دازور)، بل جماليات الشواطئ وبلداتها ومدنها وسحبها ورمالها وصخورها البحرية.. وكاره القراءة يستمتع بالصور البارعة كقصيدة بالألوان لوطنه. فليس في الكتاب إلا الصور!

أحلم بكتاب عربي لشواطئنا!

لن أتوقف يوماً عن الغيرة الفنية من كتب أتمنى صدور ما يشبهها عن وطننا العربي ممزق الأشلاء اليوم، لكن الفن الفوتوغرافي يستطيع تصوير شاطئ العروبة من شمال سوريا، فاللاذقية فبيروت فحيفا ويافا وغزة والإسكندرية حتى أقصى شاطئ بحري في المغرب، مروراً بتونس والجزائر. أما إسرائيل فشواطئ فلسطين ليست لها رغم الاحتلال «العابر في كلام عابر»، ألبوم صور كهذا في حاجةإلى تمويل طبعاً، وtd حاجة إلى شجاعة لتصوير شواطئ فلسطين العربية ليكتمل بذلك تصوير شاطئ العروبة من البحر الأبيض المتوسط حتى المحيط الأطلسي، ناهيك عن الصور البحرية لبقية الأقطار العربية.. أعرف أنني أحلم. وقد تتحقق أحلامي حتى بعد موتي!

كتاب آخر للذين يكرهون المطالعة!

تتحدث المجلات والصحف الفرنسية عن المطالعة كوسيلة للاحتفاظ بالصحة النفسية خلال «الحجر المنزلي» بسبب وباء كورونا. والكثير منها لم يعترف أصلاً بوجود من لا يحب المطالعة، بل ويقترحون أسماء لكتب ينتمي كل منها إلى نوع، كالروايات البوليسية أو العاطفية وغير ذلك. وأذكر على سبيل المثال جريدة «لوباريسيان» الباريسية العدد 2017 حيث خيرت بين عشرة كتب تنصح بقراءتها، مفترضة أن الناس كلهم يحبون المطالعة لا مشاهدة إعادة لمباراة البطولة العالمية لكرة القدم مثلاً، والكتب التي اختارتها هي: «سأذهب لأبصق على قبرك» و«القنبلة» و«المغني الضائع»، وسواها. كما تضيف أسماء كتب كلاسيكية لإعادة قراءتها، وهو ما فعلته مجلة «فالور أكتويل» التي اقترحت علينا إعادة قراءة موليير!

من طرفي، أعتقد أن من لا يحب القـــراءة لن يولـــع بهـــا، لأنه سجين في قفص كوفيد 19، بل سيزيده ذلك ضيقاً! ولذا، اخــترت أيضاً للذين لا يحبون قراءة الكتب كتاب «الموسوعة الصغيرة للانطباعية»، تأليف غابرييل غروبالدي، وصدرت طبعته المترجمة للفرنسية عن منشورات سولار، ويقع في 430 صفحة من الحجم الضخم والورق الصقيل الملون.

كأنك زرت متاحف العالم!

أجمل ما في الكتاب أن معظمه لوحات أنطباعية لمبدعين غربيين، ولعلك تعرف بعضها أو سبق لك مشاهدة لوحاتهم وتماثيلهم في الصور أو في المتاحف إذا كنت من زوارها حين ترحل. ولكن هذا الكتاب يوفر لك زيارة فنية لعشرات متاحف العالم بثمن رخيص نسبياً (سعر الكتاب 25 يورو).

رواد الانطباعية الكبار: أين الرسامات؟

سنلتقي في الموسوعة بلوحات بديعة كما بتماثيل لأشهر مبدعي المرحلة الانطباعية، وبينهم من رسم نفسه في (اوتوبورتريه)، ولعلك شاهدت من قبل في الصحف العربية صوراً لإبداعات مونيه وورنوار وسيزان ومونش وسواهم كثر، ناهيك عن منحوتات رودان (تمثاله المفكر شهير حتى أنه رمز لمجلة «الأفكار» اللبنانية). وأسفت لقلة عدد الرسامات والنحاتات النساء، وقد تجود الأعوام القادمة بالمزيد منهن. وبعض صور المبدعين منشورة على صفحتين متلاصقتين كأنك أمام اللوحة نفسها.

أحلم بموسوعة عربية كهذه لأنني من عشاق الفنون التشكيلية لا المدرسة الانطباعية وحدها، بل المدارس كلها، ولأنني لم أزر بلداً عربياً إلا وحرصت على مشاهدة أعمال مبدعيه، كما في بغداد مثلاً والقاهرة وعدن والكويت والسعودية وتونس وبقية البلدان العربية التي زرتها. أشهد على أعمال مبدعة بهرتني وأتمنى موسوعة كهذه لا تكتفي بالمدرسة الانطباعية، بل تضم إبداعات مراحل أخرى أيضاً.

وصلتي مع الفنون التشكيلية حميمة، ولو كنتُ أعاقر الإنترنت لطلبت من المبدعة العراقية أفانين كبة أن ترسل لي صور بعض أعمالها على الإنترنت.. في إحدى الطائرات تصادف أن كانت الشابة الجالسة إلى جانبي في المقعد فنانة لبنانية وقلت لها إنني أتمنى مشاهدة أعمالها، فما كان منها إلا أن عرضت عليّ أعمالها «في متحف صغير» هو شاشة الإنترنت الذي تحمله معها.

وأظل أحلم بكتب عربية تتكلم فيها الصورة عن نفسها مع شرح مختزل تحت كل لوحة لمبدع واسمه، ذلك طبعاً لا يمنع من يستيقظ فضوله من قراءة الموسوعة بأكملها.

فمتى تصدر موسوعة الإبداع العربي في حقل الفن التشكيلي، ليس بالضرورة في المرحلة الانطباعية فقط؟

بلادنا لا تفتقر إلى المبدعين، لكن الحروب المحلية قامت بالتعتيم عليهن وعليهم، وجاء وباء كورونا ليحرمنا من معارض الكتب والمعارض الفنية.

لكن الإبداع يبقى ويتجاوز الأزمنة كلها، بما في ذلك زمن كورونا وزمن الحروب العربية المحلية التي تسعد إسرائيل وتزيد في شماتتها فينا وطمعها في أرضنا.

 

 



مقالات أخرى للكاتب

  • هل الجوائز الأدبية والفنية مؤذية؟ .. وهذا التمثال، لماذا يبكي؟
  • رسالة "شعرية" من مريم مشتاوي… و داعية أساء إلى الدين الإسلامي قبل المرأة!
  • رسائل حب بخط يدي!

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق






    شخصية العام

    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي