المأزق الخليجي في اليمن: خطر التنافس السعودي-الإماراتي يفتح الباب أمام أنصار الله
2025-12-11
محمد اللوزي
محمد اللوزي

استطاعت الإمارات خلال السنوات الأخيرة أن توجه ضربة قاسية للسعودية عبر بسط نفوذها الكامل في جنوب اليمن، مستغلة مرحلة الشراكة العسكرية والسياسية التي جمعتهما تحت مظلة ما يسمى بإعادة الشرعية. فقد دخل البلدان الحرب وهما يرفعان شعارًا واحدًا، بينما كانت الأجندات التي يديرها كل طرف تختلف جذريًا عن الآخر. ومع مرور الوقت، تبيّن أن الإمارات كانت تعمل بصمت لترسيخ وجود دائم لها في الجغرافيا الجنوبية، وأن مشروعها الحقيقي لم يكن تقاسم النفوذ، بل الاستحواذ الكامل على الموانئ والجزر والسواحل والمواقع الحيوية، بما يجعل الجنوب منطقة نفوذ إماراتية خالصة. وفي المقابل، كانت السعودية مطمئنة إلى أن أبوظبي تتحرك ضمن المساحة المتفق عليها، لكنها فوجئت بأن شريكها الأصغر يمضي نحو بناء قوة موازية للدولة اليمنية، وبعيدة عن سيطرة الرياض، عبر تشكيلات كالمجلس الانتقالي والنخب والحزام الأمني، التي أصبحت لاحقًا القوة الفعلية المسيطرة على عدن وسواحل حضرموت والمكلا وسقطرى وميون. ومع توسع هذه التشكيلات بدعم إماراتي مباشر، بدأت السعودية تدرك أن نفوذها يتآكل، وأن ما تبقى من وجودها العسكري في وادي حضرموت والمهرة بات محاصرًا سياسيًا وعسكريًا، في إخلال واضح وغير معلن بما تم الاتفاق عليه بين الدولتين في إدارة الجنوب وتقاسم مناطقه وثرواته.
لقد حققت الدولتان معًا جزءًا من أهدافهما المشتركة، خصوصًا إضعاف الدولة اليمنية وتجريف مؤسساتها وتقويض سيادتها على منافذها البرية والبحرية والجوية، لولا أن الإمارات ذهبت أبعد من ذلك، مضمرِةً للسعودية ما هو أكثر من مجرد اختلاف في المصالح. إذ اتضح لاحقًا أن أبوظبي كانت تقود الشراكة نحو مرحلة تخدم مشروعها الإقليمي هي وحدها، ثم تتجاوز الرياض لتنفرد بالجنوب وتعطل أي محاولة سعودية لاستعادة نفوذها. سقوط حضرموت الساحل بيد الانتقالي مثّل نقطة التحول الأخطر، لأنه كشف حجم التقدم الإماراتي في إعادة رسم خريطة الجنوب وفقًا لرؤيتها الخاصة، وربما دون أي اعتبار لردة فعل شريكتها الكبرى.
وأمام هذا التطور، وجدت السعودية نفسها مضطرة للبحث عن محور جديد يكسر التفرد الإماراتي ويعيد التوازن داخل منظومة الخليج. فجاء الانفتاح السريع نحو قطر، بعد سنوات طويلة من التوتر، ليعبّر عن تحول جوهري في الحسابات السعودية. فدعوة أمير قطر إلى الرياض، ثم التوقيع على سلسلة من الاتفاقيات، أبرزها اتفاقية دفاع مشترك، لم تكن خطوة بروتوكولية، بل ردًا مباشرًا على الإمارات ومحاولة لعزلها أو تحجيم نفوذها في المشهد الخليجي والعربي. قطر تمتلك أدوات سياسية وإعلامية وشبكات نفوذ تجعلها شريكًا قادرًا على مواجهة تمدد أبوظبي، وهو ما يبدو أن السعودية تراهن عليه لإعادة رسم ميزان القوى الإقليمي.
وفي ظل هذا المشهد المتداخل، يبرز سؤال جوهري: هل يكون انشغال الدولتين بتثبيت نفوذهما المتضارب في جنوب اليمن أحد أهم أسباب هزيمتهما القادمة أمام أنصار الله الذين يراقبون المشهد عن كثب، ويتحينون الفرصة المناسبة للانقضاض على أطماعهما في الجنوب، وإلحاق أفدح الخسائر بهما بعد أن تمكنتا من السيطرة على كامل الجغرافيا الجنوبية؟ فأنصار الله، بخلاف الدولتين، يمتلكون رؤية موحدة ومركز قرار واحد، ويستثمرون في تناقضات الرياض وأبوظبي كما يستثمرون في أخطاء خصومهم في الجنوب، ويعرفون تمامًا نقاط الضعف البنيوية في المشروعين السعودي والإماراتي، ويستفيدون من كل لحظة صراع أو تباعد بين الطرفين.
وفي المقابل، لا يمكن استبعاد احتمال أن يؤدي فقدان الثقة بين السعودية والإمارات إلى متغير حاد قد يعصف بالتفاهمات المتبقية بينهما، وربما يشعل مواجهة مباشرة بينهما في الساحة اليمنية نفسها، خاصة إذا شعرت كل دولة أن الأخرى باتت تهدد مصالحها الحيوية. فالتنافس الذي بدأ مكتومًا أصبح واضحًا، والصراع الذي كان سياسيًا وأمنيًا قد يتحول إلى اشتباك عسكري غير مباشر، وربما مباشر، عبر الوكلاء أو حتى عبر تدخلات مفتوحة إذا ما تدهور مستوى التنسيق بين العاصمتين. مثل هذا التحول لن يبقى محصورًا في اليمن، بل قد يمتد إلى جغرافيا الجزيرة العربية والخليج، حيث تتشابك المصالح وتتداخل الحسابات بشكل يجعل أي صدام سعودي–إماراتي عامل زعزعة خطير للتوازنات الإقليمية.
إن المشهد برمته يشير إلى أن اليمن لم يعد مجرد ساحة حرب، بل أصبح مسرحًا لإعادة رسم خرائط التحالفات الخليجية وصياغة موازين القوة الجديدة. الإمارات تحاول تثبيت مكاسبها وتوسيع نفوذها إلى ما وراء اليمن، والسعودية تسعى لاستعادة دورها الإقليمي كقوة مركزية لا يمكن تجاوزها، وأنصار الله ينتظرون اللحظة التي ينشغل فيها خصومهم ببعضهم ليعيدوا خلط الأوراق على نحو قد يغير معادلات المنطقة كلها. وبين هذه الأطماع والصراعات، يبقى اليمن هو الساحة التي تختبر فيها الدول مشاريعها، وهو أيضًا الموقع الذي قد يحدد شكل الهزيمة المقبلة لأي طرف يظن أن بإمكانه السيطرة على هذه الجغرافيا دون ثمن باهظ.


*كاتب وباحث يمني
*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقع الأمة برس - من صفحة الكاتب على فيسبوك

 

 



مقالات أخرى للكاتب

  • حين يتلاشى الرمز وتنهار قلاع المحدود باللامحدود في سلطة التكنولوجيا
  • هل نحن أمام نصر تحوز عليه السعودية ؟ وماهي خيارات التحول الى فرص سلام حقيقي؟









  • كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي