ذكرى الوحدة في زمن الفتن والغزو والفوضى الموجهة!
2020-02-23 | منذ 1 شهر
 محمد عبد الحكم دياب
محمد عبد الحكم دياب

في مثل هذه الأيام منذ إثنين وستين عاماً ظهرت في الشرق دولة كبرى بجناحيها الشمالي في سوريا والجنوبي في مصر، وقيامها أحيا الأمل في تقريب يوم الخلاص من الهيمنة الأجنبية، والاستعمار والامبريالية والفوضى الموجهة. وأخطر ما في تلك الهيمنة هو ما نتج عنها من استيطان سرطاني نهش الجسد العربي انطلق من الجزائر في بداية ثلاثينات القرن التاسع عشر، وكانت الجزائر تابعة للإمبراطورية العثمانية، وقام التصوّر الامبراطوري العثماني على ثلاثة ركائز عناوينها الجهاد والعدل ومركزية الحكم، مع قطيعة تاريخية بين العثمانية والمجتمع الجزائري.

وتطور الاستيطان الفرنسي إلى ما هو أبشع فور أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، وتركيزه بمشاركة بريطانية على الشام ومصر، خدمة لمخطط تهويد فلسطين، وشق طريقه بصدور قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين بين اليهود والعرب عام 1947، وذلك أضفى طابعاً شرعياً وأممياً على تلك الجريمة، التي وقعت فور إعلان قيام الدولة الصهيونية في 1948. وبدت الوحدة المصرية – السورية رداً تاريخياً على مؤامرة كبرى وقفت وراء تلك الجريمة التاريخية.

والأمم وهي تواجه هذا النوع من التآمر ليس أمامها من طريق غير تعزيز قواها الذاتية على مختلف الأصعدة: المادية والمعنوية والاقتصادية والعسكرية والتنموية، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، والتقدم العلمي، والتفاعل الحضاري والشامل، وحشد قواها المبعثرة وتنظيمها، وتغيير أسلوب تعاملها مع خلافاتها لتكون قابلة للحل، والحد من الفتن الداخلية والتدخلات الخارجية، ووقف العمل كوكلاء للغير في تنفيذ مخططات التحريض والتأليب والحروب الأهلية والبينية، والتخفيف من صراعات العشائر والطوائف والانعزاليين.

والارتقاء بمستوى الوعي بأهمية الحاجة إلى التراص والتضامن والوحدة، وتكوين الصداقات والتحالفات، وتحييد الأعداء ما أمكن، وعدم الانجرار وراء الحلول الأمنية والعسكرية إلا في حالة الضرورة القصوى على قواعد العدل والقانون المعمول بها، وأخذ العبر من نكبة فلسطين، ثم من غزو الكويت في القرن الماضي، وغزو العراق مطلع هذا القرن، وتدمير سوريا المستمر من عام 2011 وحتى الآن، والتدخل الدامي في اليمن حالياً، والعمل على كبح جماح الدور السعودي، ومساعدته في التحول لعامل قوة، بالوفاق والوئام، وليس بالفتن والصدام!!

وكانت الوحدة المصرية – السورية في وقتها مطلباً داخلياً سورياً وتطلعاً استراتيجياً مصرياً. وكانت «القارة العربية» تعيش مرحلة تغيير جذري شامل على مختلف المستويات: السياسة والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والتنموية، وتستجيب لمبادرات العمل الجماعي الخاصة بتحرير الأراضي العربية المحتلة، والاستعداد لمعركة تحرير فلسطين، ولم تكن الوحدة، كما يشاع عفوية وغير مدروسة، فقد كانت تلبية لحاجة وطنية وقومية ملحة، وتتويجاً لتفاعلات تواصلت بين سوريا ومصر وموقفهما الموحد ضد سياسة الأحلاف الاستعمارية، ورفضهما الانضمام لحلف بغداد في عام 1955… وحين بدرت مقدمات تحرش تركي ضدها عام 1957 سارعت مصر بإرسال قواتها تحسباً لوقوع ذلك العدوان، وكانت سابقة أولى في التاريخ العربي الحديث.

ووعت سوريا أهمية الدعوة لقيام وحدة أو اتحاد عربي يبدأ مصرياً – سورياً ويتسع لمن لديه استعداد لمواجهة الأخطار الداخلية والخارجية، وما أشبه الليلة بالبارحة، فقد جوبهت الدعوة بعداء محلي وإقليمي ودولي. وسرعان ما تحولت تلك الخلطة المعادية لحوافز عَظَّمت من قوة الحراك الشعبي، وحوّلته لقوة ضغط هائلة لصالح الوحدة، وترتب على لقاء الإرادتين في البلدين الشقيقين، والدعم الجماهيري لهما، وأدى ذلك لسفر وفد عسكري من دمشق إلى القاهرة ليلة 11 يناير/كانون الثاني 1958 برئاسة عفيف البزري رئيس الاركان حاملاً مذكرة تطالب بدولة واحدة، لها رئيس واحد، ودستور واحد، وعلم واحد، وجيش واحد، وعاصمة واحدة.

ودارت المفاوضات بين وفدي البلدين برئاسة جمال عبد الناصر، واستمرت على مدى يومين متصلين، انتهت ببيان مؤكداً لإقامة جمهورية رئاسية، وقّع عليه من الجانب المصري الرئيس عبد الناصر، وعن الوفد السوري وزير الخارجية السوري الراحل صلاح البيطار. وتم عرض البيان على مجلس الوزراء السوري في جلسة حضرها رئيس الجمهورية الراحل شكري القوتلي، ورئيس مجلس النواب الراحل أكرم الحوراني، ورئيس أركان الجيش وقادة الوحدات، وتمت الموافقة عليه بالإجماع من دون تحفظ.

وتنقل الدكتورة هدى عبد الناصر عن والدها قوله في اجتماع مجلس الوزراء المصري برئاسته يوم 19 أكتوبر/تشرين الأول 1961، بعد الانفصال بثلاثة أسابيع، ونشرته صحيفة «الأهرام» قبل 5 سنوات، شرح فيه بشائر الوحدة.

وقال حسب روايتها: إنه فوجئ في 14 يناير/كانون الثاني 1958، وهو في الأقصر برفقة الرئيس الأندونيسي الراحل أحمد سوكارنو، بوصول طائرة سورية حطّت في مطار القاهرة وعلى متنها 20 ضابطا سوريا التقوا بالمشير عبد الحكيم عامر، وأخطروه بأن سوريا في خطر، وتواجه كارثة، وهناك مخاوف من الانقضاض على الحكم في دمشق… ورأوا أن الحل هو في قيام وحدة مع مصر.

 

بدا تصميم عبد الناصر واضحاً على انتهاج نظام اقتصادي أكثر عدلاً بعيداً عن الاحتكارات الرأسمالية… ومع ذلك وقع الانفصال، وكان وقوعه بداية طريق انتهى بنكسة 1967

وتجدر الإشارة إلى أن مخطط إسقاط سوريا ليس جديداً، ولم تكن مصر بمعزل عما يحدث فيها، وكانت الأدوار متداخلة لمواجهة تهديدها في وحدتها الداخلية، إضافة للضغوط الصهيونية والتحرشات الإقليمية، وأهمية موقع سوريا لا يسمح لها بالانكفاء على الذات، أو فك الارتباط مع المحيط العربي، لذا لم يكن مستغربا أن تكون حاضنة حقيقية لفكرة العروبة، منذ ما قبل «حملة التتريك» العثمانية، ونشأت فيها قبل غيرها حركات ومنظمات قومية عربية، وجرى وصفها بأنها «قلب العروبة النابض»، وتأكدت حقائق ذلك الزمان بأن «لا أمة عربية بلا مصر، التي تمثل ثلث الكتلة العربية سكانياً، ولا يمكن لنهضة أن تتحقق في غياب سوريا، وأضحى الشأن السوري شأن كل عربى يدرك الحقائق الجيوسياسية للمنطقة.

وأولئك هم من تصدوا لـ «نظرية أيزنهاور في الفراغ»، وأسقطوا سياسة ملء فراغ الشرق الأوسط، التي قادتها واشنطن، وأفشلوا سعيها في تحويل «القارة العربية» إلى مناطق نفوذ… وخاض عبدالناصر حرباً مفتوحة ضد هذه السياسة، وضد الأحلاف العسكرية بعد أُفول نجم الامبراطوريتين البريطانية والفرنسية، وتأثير النتائج السياسية للعدوان الثلاثي عليهما. وكان ذلك العدوان رداً على تأميم قناة السويس، وفي الوقت نفسه كان بداية عصر أمريكي زاحف على «القارة العربية»، ويقود حرباً باردة ضد الاتحاد السوفييتي السابق.

ورغم قِصَر عمر الوحدة، فإن إنجازاتها كانت واعدة، ومن بينها مشروع «سد الفرات»، الموازي لمشروع السد العالي في الإقليم الجنوبي (مصر)، إضافة لحماية سوريا من الأحلاف التي تربصت بها. وحققت الوحدة إنجازات هامة لسوريا في مجالات التنمية الشاملة والمستقلة، ورفض الأخذ بالاقتصاد العشوائي المعروف بقوانين السوق، وتحرير النشاط المالي من السيطرة الأجنبية والرأسمالية، وتطبيق قوانين الإصلاح الزراعي، والتغير الكبير الذي حدث في العلاقات الإنتاجية: زراعية وصناعية، وزيادة قدرة القطاع العام وامتلاكه المصارف والمؤسسات والشركات التي أقامتها الدولة، وإلغاء قانون العشائر وتشجيع النظام التعاوني، وزيادة معدلات الإنفاق على التنمية، الأمر الذي ضاعف من كم ونوع القوى العاملة بشكل واضح.

وكان من أثر التواطؤ العربي والتآمر الإقليمي والدولي، والتصدي الصهيو-غربي لمشروع الوحدة العربية، أن أصبحت القوى الوحدوية ورمزها عبد الناصر أكثر حذراً، لكنها استمرت راديكالية، داخليا وخارجيا، لذا شدد «ميثاق العمل الوطني» الصادر عام 1962 على وحدة الهدف عوضاً عن وحدة الصف بين النظم العربية، ومعها سارت مصر بخطى واثقة فى تنفيذ الخطة الخمسية الأولى، وبدا تصميم عبد الناصر واضحاً على انتهاج نظام اقتصادي أكثر عدلاً بعيداً عن الاحتكارات الرأسمالية… ومع ذلك وقع الانفصال، وكان وقوعه بداية طريق انتهى بنكسة 1967، وله قصة أخرى جديرة بالتناول إذا ما سنحت الفرصة.

 

  • كاتب من مصر

 



مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى للكاتب

التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق






شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي