ماذا يعني تحول أميركا اللاتينية لليسار في أسواق الطاقة؟
2022-11-01
أنس الحجي
أنس الحجي

البرازيل، قصة سيكتبها التاريخ، وتكاد تكون فيلماً هوليوودياً أو هندياً: رجل فقير يعمل ماسح أحذية، يصبح رئيساً لإحدى كبرى الدول في العالم، ثم يسجن، ويفرج عنه، ويخوض الانتخابات ضد واحد من أشرس رؤساء البرازيل، ليفوز لويس دا سيلفا بالانتخابات الأحد الماضي، ويصبح رئيساً للبرازيل مرة أخرى.

بوليفيا

كانت هناك قصة شبيهة في بوليفيا عندما فاز خوان إيفو مورالاس أيما برئاسة الجمهورية في انتخابات 2005 وانتخب رئيساً أربع مرات. كان مورالاس فلاحاً من السكان الأصليين لبوليفيا، أو ما يسمون تجاوزاً، الهنود الحمر.

بما أن رئاسته للمرة الرابعة (الثالثة بحسب الدستور الجديد) لا يسمح بها الدستور، غير حزبه الدستور والتصويت عليه في 2016 لتمكين مورالاس من أن يفوز بالرئاسة في انتخابات 2019. إلا أن التصويت الشعبي كان ضد الفكرة، ولم يتم تغيير الدستور. ادعى حزبه أنه بحسب اتفاقية منظمة الدول الأميركية، فإن تحديد مدة الخدمة الحكومية تعدٍّ على حقوق الإنسان، واستطاعوا أن يدخلوا في قضايا قانونية نتج عنها تأييد المحاكم ترشيح مورالاس، الذي اتهم بأنه من عين القضاة في هذه المحاكم. وفاز مورالاس بالانتخابات، إلا أنه كانت هناك اتهامات كثيرة بالتزوير، وبدأت المظاهرات ضده في مدن مختلفة.

أجبر تدهور الوضع في البلاد مورالاس على الاستقالة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، والذي قال إنه أُجبر على ذلك بانقلاب عسكري، وتسلم الحكم الحزب المعارض، الذي شن حملة اعتقالات واسعة ضد أنصار مورالاس. بعدها انتقل إلى المكسيك، ثم إلى الأرجنتين حيث حصل على لجوء سياسي هناك. وأصدر مكتب المدعي العام في بوليفيا أمراً بالقبض على مورالاس بتهمة التشجيع على قلب النظام والإرهاب.

بعد نحو أربعة أشهر حاول مورالاس العودة إلى بوليفيا ودخول انتخابات مجلس الشيوخ نيابة عن الولاية التي جاء منها، إلا أن المحكمة قررت أنه غير مؤهل بسبب التهم الموجهة إليه. لاحقاً، وبعد تحقيق مكثف، أعلنت منظمة حقوق الإنسان أنه لا توجد أي أدلة على التهم الموجهة إليه، كما توصلت محكمة بوليفية إلى النتيجة نفسها، وأنه تم تلفيق التهم لأسباب سياسية. إثر ذلك اضطر مكتب المدعي العام إلى إلغاء كل التهم الموجهة إليه. عاد مورالاس إلى بوليفيا وبدأ يتحكم في شؤون البلاد بطرق مختلفة أدت إلى صراعات داخل حزبه، إلا أنه ما زال يتمتع بسطوة في أماكن عدة. حزب مورالاس يحكم البلاد الآن، وتم إصدار عفو عام عن كل المعتقلين السياسيين وغيرهم، بمن فيهم مورالاس، علماً بأن الرئيس الحالي كان يعمل في حكومة مورالاس سابقاً.

المكسيك

لم يكن فوز أندريه مانويل لوباز أوبرادور برئاسة المكسيك متوقعاً، بخاصة بسبب توجهات حزبه الاشتراكية، وأصوله المتواضعة، حيث كان والداه يملكان محلاً لبيع الملابس والأحذية، وعداء الحكومة الأميركية له. إلا أنه حصل على شهادات جامعية، مكنته من التدريس في الجامعة. تدرج في المناصب السياسية حتى أصبح محافظاً للعاصمة: مدينة المكسيك. انتعشت المدينة في عهده حيث استطاع تخفيض معدلات الجرائم، وركز على البنية التحتية والخدمات، حيث توسع في بناء الطرق وتخفيض الزحام وزيادة عدد المساكن، وبناء جامعة جديدة، كما ركز جهوده على تجديد مركز المدينة القديم. هذه الإنجازات مكنته من أن يصبح رئيساً للمكسيك، على رغم قوة المنافسين، وقوة الأحزاب التي ينتمون إليها.

بيرو

في منتصف عام 2021 فاز خوزيه بدرو كاستيو تيرونيس برئاسة البيرو، بعد معركة انتخابية حامية الوطيس مع المحافظين ومرشحتهم، وابنة رئيس سابق، كيكو فوجاموري. ولد في عائلة فقيرة تعمل بالزراعة واضطر إلى العمل وهو طفل كي يدعم تعليمه حتى أصبح معلماً في المدرسة الابتدائية. وبات مشهوراً لقيادته إضراب المدرسين في عام 2017. حاول الكونغرس عزله مرتين وفشل، وتم الإعلان عن المحاولة الخامسة لمحاكمته بتهمة الفساد.

 كولومبيا

أصبح غوستافو فرانسيسكو بترو أوريغو رئيساً لكولومبيا في بداية 2022، ليكون أول رئيس يساري لها. وقبل أن يدخل معترك السياسة مدنياً، كان عضواً مقاتلاً في إحدى الميليشيات، وجاء من عائلة متواضعة منخفضة الدخل.

وكما فعل أوبرادور في المكسيك، انتخب محافظاً للعاصمة الكولومبية بوغوتا، حيث قدم خدمات مميزة، إلا أنه تم عزله بتهمة الفساد، وتم منعه من دخول معترك السياسة لمدة 15 سنة بتأييد رئيس كولومبيا. إلا أن المحكمة أوقفت القرار فعاد إلى عمله.

الهندوراس

جمارا كاسترو صارت رئيسة الهندوراس بداية العام الحالي، حيث كانت زوجة الرئيس الأسبق الذي طرد بانقلاب عسكري. ولما عاد الرئيس واعتصم بالسفارة الأرجنتينية، انضمت له زوجته التي اشتهرت تاريخياً بقدراتها التنظيمية ونشاطها الاجتماعي. دخلت معترك الانتخابات الرئاسية لأن زوجها منع من دخولها. مثلها مثل باقي الرؤساء اليساريين في أميركا اللاتينية، جاءت من عائلة فقيرة نسبياً، إلا أنها استطاعت أن تكمل تعليمها وحصلت على شهادة جامعية في إدارة الأعمال.

والآن لاحظوا الأسماء التالية: خاضت انتخابات 2017 كنائبة رئيس لـ"سيلفادور نصر الله"، لكنهما خسرا الانتخابات لصالح المحافظين. فازت في الانتخابات الرئاسية عام 2021 على مرشح المحافظين "نصري عصفورة"، وهي أول رئيسة لا تنتمي للحزبين اللذين يسيطران على السياسة في البلاد.

الأرجنتين

أصبح ألبرتو أنجل فرنانديز رئيساً للأرجنتين في 2019. ولد في عائلة متواضعة، إلا أن أمه انفصلت عن أبيه وتزوجت قاضياً من عائلة مرموقة ولها باع طويل في السياسة، لهذا لا يعرف ألبرتو أباه، ويعتبر القاضي أباً. على رغم ميوله اليسارية فإنه عاش حياة أرستقراطية وتنقل في مناصب عالية منذ تخرجه في الجامعة، بما في ذلك رئيساً للوزراء بين عامي 2003 و2008. وضمن كل الرؤساء اليساريين في أميركا اللاتينية فإنه الأكثر تعليماً وخبرة، بخاصة في المجالات القانونية والاقتصادية.

فنزويلا

نيكولاس مادورو موروس أصبح رئيساً لفنزويلا في عام 2013 بعد وفاة الرئيس هيوغو شافيز. ولد نيكولاس في عائلة متوسطة ذات ميول يسارية متطرفة، وهذا ما جعله يذهب إلى كوبا لتدريبه هناك. وكان رئيسه شافيز قاد انقلاباً عسكرياً فاشلاً عام 1992. وعمل سائق حافلة، قبل أن ينخرط في نقابات العمال، ويدخل المعترك السياسي حيث أصبح وزيراً للخارجية، ثم أصبح بعدها نائباً للرئيس. تعرضت البلاد في عهده لاضطرابات عديدة، حيث إن فوزه بانتخابات 2019 ما زال محل شك، كما خضعت البلاد في عهده إلى عقوبات أميركية صارمة.

الأثر في قطاع الطاقة

ليست هذه المرة الأولى التي نجد فيها موجة يسارية في أميركا اللاتينية. القارة تأرجحت دائماً بين اليمين واليسار، الأمر الذي منعها من تحقيق تنمية اقتصادية تليق بمواردها الطبيعية والبشرية.  

الملاحظ وجود عوامل مشتركة بين كل هؤلاء الرؤساء، وهو أنهم كلهم جاؤوا من عائلات فقيرة أو متوسطة الدخل، وأن غالبهم جاء من عائلات يسارية، وأن لهم دعماً قوياً داخل بلادهم، وكلهم لديه رغبة شديدة في النجاح، على رغم الصعوبات والعوائق الهائلة التي واجهوها. والأهم من ذلك كله أنهم، على رغم خلفية بعضهم العسكرية وعضويتهم في الميليشيات، فإنهم أدركوا أن عملية الوصول إلى الحكم تتم عن طريق صندوق الاقتراع، واحترام القانون. ولا يمكن الوصول إلى صندوق الاقتراع إلا إذا تدرجوا في المناصب السياسية وقدموا خدمات كبيرة للمجتمع. ووجدنا أنهم لجأوا للمحاكم عدة مرات لاسترداد حقوقهم.

ولكن ماذا عن قطاع الطاقة؟

أولاً، كل هذه الدول منتجة للنفط ما عدا بوليفيا والهندوراس. الأولى منتج ومصدر للغاز الطبيعي. مجيء الأنظمة اليسارية إلى الحكم بعد وجود أنظمة يمينية يعني محاولة تخفيض دور الشركات الأجنبية في استخراج النفط والغاز، وتعزيز دور الشركات الوطنية. هذا يعني انخفاض معدلات نمو إنتاج النفط والغاز، والأدلة على ذلك في كل هذه الدول ما عدا الأرجنتين، وذلك لحاجتها إلى التقنية من جهة، وإلى تطوير احتياطيات النفط الصخري من جهة أخرى. والرئيس الحالي على رغم ميوله اليسارية فإنه يدرك بسبب خبرته العملية أهمية الاستثمار الأجنبي. 

ما حدث في البرازيل وكولومبيا والمكسيك وفنزويلا يعني بالضرورة انخفاض نمو إنتاج النفط والغاز مستقبلاً مقارنة بما كان متوقعاً، وهذا يؤدي بدوره إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، إلا إذا قامت دول أخرى بالتعويض عن ذلك. تاريخياً حصل هذا التعويض من ألاسكا وبحر الشمال والنفط والغاز الصخريين في الولايات المتحدة، ولكن من سيعوض انخفاض نمو إنتاج النفط الفنزويلي والمكسيكي والكولومبي والبرازيلي؟

ثانياً، نسمع باستمرار عن الحاجة إلى زيادة الاستثمار في قطاع النفط والغاز حتى لا يعاني العالم أزمة طاقة مستقبلية. مشكلة الأنظمة اليسارية أنها "وطنية"، تنظر للاستثمار الأجنبي على أنه استمرار للاستعمار وامتداد للإمبريالية العالمية. ولكن لا يمكن تطوير احتياطيات هذه الدول من النفط والغاز من دون رأس المال الأجنبي، والتقنية والخبرات الأجنبية.

ثالثاً، يعتمد اليساريون على الشعبوية وتجييش الطبقة الفقيرة، وهي الغالبية في المجتمع. هذا يتطلب إنفاق أموال هائلة على هذه الطبقة. من أين تأتي الأموال في ظل تضاؤل القطاع الخاص وهروب رؤوس الأموال؟ الحل هو التدخل في شؤون شركات النفط والغاز الوطنية من ناحيتين: الأولى توظيف جماعتهم لإرضائهم بغض النظر عن كفاءاتهم. هذا يؤدي إلى رفع تكاليف الشركة وانخفاض كفاءاتها، الأمر الذي يؤدي إلى تدهور دائم في الإنتاج. الثانية هو حلب الشركة لدرجة أنها لا تستطيع أن تنفق على عمليات الاستكشاف والتنقيب والإنتاج، وأحياناً حتى أعمال الصيانة. لهذا يصبح انخفاض الإنتاج نتيجة حتمية، والأدلة من الدول المذكورة وغيرها عديدة.

رابعاً، تتطلب هذه السياسات الشعبوية دعم استهلاك مصادر الطاقة المختلفة، بخاصة الكهرباء والوقود. هذا يعني أنهما يباعان بأقل من سعرهما بكثير، الأمر الذي يرهق الموازنة ويحطم الاقتصاد، ويرهق الشركات الوطنية، ويرفع الديون باستمرار. ونظراً إلى انخفاض أسعار الكهرباء والوقود، فإن الدعم الكبير يؤدي إلى إهدار هذه الموارد، وزيادة العبء المالي على الحكومة. المثير في الأمر أن هذه الإعانات الضخمة لأسعار الوقود أدت إلى شح الوقود في فنزويلا، التي تتمتع باحتياطات نفطية هائلة.

خامساً، ما يميز اليسار في أميركا اللاتينية عن اليسار في الولايات المتحدة وأوروبا أن غالبهم يدركون أن تنمية بلادهم لا تتم إلا بإنتاج النفط والغاز وتصديرهما، ومن ثم فإن تركيزهم على الطاقة المتجددة والخيارات الأخرى أقل بكثير. إلا أن الواقع يفرض نفسه بخاصة في الولايات البعيدة عن مصادر النفط والغاز والتي تعاني شحاً في إمدادات الكهرباء. ومن ثم فإن أي تطورات كبيرة في هذا المجال تعود إلى الحاجة إلى هذه المشاريع وليس إلى رؤية يسارية تتعلق بالتغير المناخي.

من ناحية أخرى، وعلى رغم أن اليسار في أميركا اللاتينية لا يهتم كثيراً بموضوعات التغير المناخي كما يهتم نظيره في أوروبا والولايات المتحدة، فإن نتائج سياستهم واحدة وهي عدم قدرة المعروض على مقابلة الطلب على الطاقة بشكل عام، والنفط والغاز بشكل خاص.

أخيراً، على رغم أن الرئيس البرازيلي المنتخب دي سيلفا يؤيد توسعاً في صناعة النفط والغاز بالبرازيل، فإن مواقفه من الشركات الأجنبية والاستثمار الأجنبي قد تحد من نمو إنتاج النفط بالبلاد. إلا أن المحللين بحاجة إلى مزيد من الوقت لمعرفة ما إذا تغيرت مواقفه أم لا. البرازيل مهمة جداً لمقابلة الطلب على النفط خلال العقود المقبلة، وأي تغيير في السياسات قد يؤدي إلى أزمة عالمية.

*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقع الأمة برس – اندبندنت عربية-



مقالات أخرى للكاتب

  • تراجع عن سياسات التغير المناخي... ولكن!
  • ماذا يخبئ 2023 لأسواق النفط؟
  • تفجير نورد ستريم... سلاح الطاقة وعودة لأمن الطاقة





  • كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي