هل تنجح إسرائيل في القضاء على "عرين الأسود"؟
2022-10-26
كتابات عبرية
كتابات عبرية

نشاطات قوات الأمن التي جرت في نابلس هي جزء من جهود إسرائيلية واسعة موجهة لضرب التنظيم الفلسطيني الجديد “عرين الأسود”. اقتحام مختبر المواد المتفجرة التابع للمجموعة في حي القصبة في نابلس استهدف إحباط خطة لتنفيذ عمليات بواسطة عبوات ناسفة. وفي الوقت نفسه، قتل في الانفجار في سيارته أحد نشطاء التنظيم.

هذا هو الحادث الثاني من نوعه خلال يومين، الذي ينسبه الفلسطينيون إلى استئناف سياسة التصفيات الإسرائيلية في الضفة الغربية. قتل في نابلس خمسة فلسطينيين وأصيب نحو عشرين، ولم يكن أي مصابين إسرائيليين رغم تبادل إطلاق النار. وقتل في قرية النبي صالح شمالي رام الله، فتى آخر بنار الجيش. أما قرب معبر سالم في شمال جنين فأصيب مسلحان فلسطينيان بنار القناصة الإسرائيليين بعد أن نصبت قوة للجيش الإسرائيلي كميناً في المكان.

هناك سببان لتركيز إسرائيل على “عرين الأسود”: رمزي وعملي. التنظيم الجديد ذو التركيبة الهرمية فضفاضة، هو غير منتم لأي من التنظيمات القديمة رغم أن الأعضاء فيه يتلقون التمويل من جميع الفصائل الفلسطينية، ونجح في إشعال خيال الجيل الشاب في الضفة. له في نابلس عشرات الأعضاء ومئات المؤيدين، وتثير منشوراته في الشبكات الاجتماعية اهتماماً وتعاطفاً كبيرين.

وسجل “عرين الأسود” أيضاً نجاحات عملياتية في عمليات إطلاق نار في الشوارع المحيطة بنابلس، التي قتل في أحدها جندي من “جفعاتي” هو الرقيب أول عيدي باروخ. وهي نجاحات أدت إلى انشغال متزايد من قبل قوات الأمن الإسرائيلية الذي نبع أيضاً من تحذيرات محددة. في الشهر الماضي، تم اعتقال ناشط من نابلس في يافا، وهو مزود بالسلاح وعبوات أكواع. أعضاء “عرين الأسود” أرسلوه إلى هناك بهدف تنفيذ عملية في تل أبيب. وقاموا في الأسابيع الأخيرة بتفجير عبوتين قرب مستوطنات، وفي حالات أخرى وقعت كما يبدو “حوادث عمل” أثناء معالجة العبوات.

في بيت سري في حي القصبة، أقام النشطاء نوعاً من مختبر للمواد المتفجرة. حسب معرفتنا، لم يتعلموا كيفية تركيب العبوات الناسفة القاتلة مثل خلطة “تي.ايه.تي.بي”، التي بواسطتها زرعت حماس الدمار في عمليات الحافلات في الانتفاضة الثانية. وثمة مخربون انتحاريون لم يتجندوا بعد. ولكن يكفي بعبوة كوع، مع إضافة المسامير لها، أن تحدث أضراراً كبيرة. يبدو أن هذا هو المخطط.

العملية الليلية وجهت ضد مختبر المواد المتفجرة وأديرت على يد “الشاباك” و”اليمام”. في موازاة مهاجمة الشقة في القصبة، وقع انفجار في سيارة أحد نشطاء هذا التنظيم. أربعة من المسلحين الفلسطينيين قتلوا بنار الجيش الإسرائيلي عندما حاولوا الوصول إلى القصبة لمساعدة أصدقائهم الذين تمت مهاجمتهم. ولحماية القوات، استخدم الجيش في الجو طائرات بدون طيار، لكنه حتى الآن لم تستخدم هذه الطائرات للهجوم. أحد القتلى في هذه الليلة هو ناشط كبير نسبياً في التنظيم، وهو وديع الحوح.

وأعلن الجيش بأنه يتوقع حدوث عمليات أخرى في حي القصبة في نابلس وفي مخيم جنين للاجئين. الهدف المعلن هو نزع الشعور بالأمان للمطلوبين في “المناطق” التي تقلص فيها الأجهزة الأمنية الفلسطينية عملها. وتقول إسرائيل بأنها لن تسمح بوجود مدن ملاذ للمطلوبين في الضفة.

الناخبون غير مبالين في هذه الأثناء

لا يمكن تجاهل العلاقة بين الجهود الأمنية والخلفية السياسية. من المهم للحكومة قبل الانتخابات أن تظهر بأنها تعالج تهديد الإرهاب الجديد والمتزايد. مطلوب من الجيش الإسرائيلي و”الشاباك” عرض نتائج، الأمر الذي يفسر أيضاً حضوراً استثنائياً نسبياً لرئيس الأركان أفيف كوخافي ورئيس “الشاباك” رونين بار في غرفة العمليات أثناء العملية. أحد الأسئلة الآن هو: هل سيكون لتزايد العنف في الضفة ومحاولات تنفيذ عمليات ثأر تداعيات على الانتخابات؟ يبدو أن معظم الناخبين في هذه الأثناء غير مبالين تماماً ما لم يوجد حتى الآن الكثير من المصابين في الجانب الإسرائيلي. مع ذلك، قد يعمل استمرار النزف اليومي في “المناطق” ككابح أمام تصويت العرب في إسرائيل.

بخصوص الجانب الفلسطيني، نجح “عرين الأسود” في تصنيف نفسه كظاهرة جديدة وشعبية. رغم عدد أعضاء التنظيم القليل نسبياً فإن أي ادعاء سيسمع حول تحطيمه في الوقت القريب لن يكون موثوقاً. ولعدم وجود خلفية تنظيمية راسخة أو تركيبة هرمية واضحة، فإنه لا يمكن تشخيصهم مع هذا الناشط أو ذاك الذي سيتم قتله أو اعتقاله.

“عرين الأسود” هو في الحقيقة فكرة أكثر مما هو بنية تنظيمية. لذلك، من الصعب وقف انتشاره. إن تجمع مئات الفلسطينيين الليلة الماضية في محيط المستشفى في نابلس الذي تم إحضار المصابين وجثث القتلى إليه، إنما يدل على وجود ظاهرة مهمة. شعبية “عرين الأسود” تزداد ولن تتلاشى بسهولة.

يجب الانتباه أيضاً إلى المعيار المزدوج الذي تتعامل فيه السلطة الفلسطينية مع التنظيم، الذي جزء من أعضائه هم من خريجي حركة فتح. رحبت وزيرة الصحة الفلسطينية مؤخراً بأعضاء التنظيم أثناء زيارتها لنابلس، في حين أن رئيس الحكومة، محمد اشتية، زار مخيم جنين للاجئين والتقى والد المخرب الذي قتل ثلاثة إسرائيليين في العملية في شارع ديزنغوف. قالت إسرائيل إن القيادة في رام الله التي أرسلت أجهزة أمنها لاعتقال عدد من النشطاء في نابلس، تبث رسالة إشكالية. يبدو أن السلطة تخوض معركة حاشدة بوسائل مختلفة، وقد فقدت جنين للتنظيمات المحلية. أما في نابلس فما زالت السلطة تحاول بين حين وآخر، لكن النتائج محدودة، لذلك دخلت إسرائيل إلى الصورة.

في الوقت نفسه، وعلى خلفية تزايد حاد في عدد القتلى الفلسطينيين في الضفة، تزداد الدعوات أيضاً في قيادة السلطة لتأييد “نضال شعبي” ضد إسرائيل. ينبع الاهتمام بهذا النضال من أن التعريفات الإسرائيلية والفلسطينية للنشاطات الشرعية مختلفة من حيث المضمون؛ يرى الفلسطينيون أن رشق الحجارة على جندي، أو على سيارة مدنية تقل عائلة لمستوطنين، هو جزء من النضال المشروع؛ في حين يرى قسم كبير من الإسرائيليين أنها عملية إرهابية. الدعوات لانتفاضة شعبية لا تحصل على استجابة على الأرض رغم تزايد أحداث إطلاق النار. المقاربة الدارجة في إسرائيل تقول إنه كلما زاد عدد القتلى الفلسطينيين سيزداد خطر اندلاع انتفاضة شعبية.

الحكومة الإسرائيلية الحالية ورؤساء جهاز الأمن، لا يوافقون على الدعوات الديماغوجية من قبل اليمين لشن عملية “الدرع الواقي 2” في الضفة. الظروف التي على الأرض مختلفة عما كانت في 2002. يبدو أن الإجابة في هذا الوقت موجودة في عمليات مركزة في شمال الضفة، وليس في إرسال عشرات آلاف الجنود لإعادة احتلال المنطقة. هذه سياسة قد يعاد اختبارها إذا ما حدث تغيير في تشكيلة الحكومة بعد الانتخابات.

 

بقلم: عاموس هرئيل

هآرتس 26/10/2022

 



مقالات أخرى للكاتب

  • كيف أصبح الزلزال لاعباً سياسياً غير متوقع في الانتخابات التركية المقبلة؟
  • إلى نتنياهو ولفين: نحذركما من الحرب الأهلية
  • الفلسطينيون في "القدس الشرقية".. بين التحدي الأمني لإسرائيل والبحث عن حل لمدى بعيد





  • كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي