بعد عهد ملكي شهد تغيرات مزلزلة ماذا ينتظر بريطانيا خلال العقود السبعة المقبلة؟
2022-09-16
هاميش ماكراي
هاميش ماكراي

شهدت السنوات الـ 70 الماضية من حكم الملكة إليزابيث الثانية تغيرات استثنائية في اقتصاد المملكة المتحدة، بل وتغييرات أكبر من ذلك في اقتصاد العالم ككل، ويعد وقت الحداد الوطني الحالي فرصة لإعادة القراءة، وكذلك فرصة للتفكير في السنوات الـ 70 المقبلة، وما قد ستحمله في جعبتها.

لقد رويت قصة اقتصاد المملكة المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية مرات عدة، لدرجة أنه من الجدير بالذكر ملاحظة السمات الرئيسة، وتشمل القضايا الاقتصادية الضيقة تراجع التصنيع والوزر الكبير الذي خلفته الديون الهائلة المتراكمة خلال الحرب والتحول إلى اقتصاد قائم على الخدمات وسقوط الامبراطورية والانضمام إلى الاتحاد الأوروبي والخروج منه، وكل ما إلى ذلك.

إن [عوامل مثل] ارتفاع متوسط الأعمار المتوقع وزيادة عدد النساء في سوق العمل وتطور التعليم العالي والمواقف الاجتماعية بشكل عام ترسم وجه التغيرات الاجتماعية والاقتصادية الأوسع. وبالنسبة إلى أي شخص بمقدوره تذكر الخمسينيات من القرن الماضي، تبدو هذه التحولات مهولة.

وتسلط صور الملكة الشابة الضوء على الفقر النسبي للناس العاديين آنذاك، والتباين الصارخ بين بريق [بهاء] الملكة وكآبة رعاياها من حولها. لكن إذا كانت المملكة المتحدة مختلفة تماماً الآن، فإن التغييرات هنا تعتبر ضئيلة مقارنة بتلك التي تجلت في مواقع أخرى حول العالم، والأكثر وضوحاً هو إعادة توازن الاقتصاد العالمي نحو ما يسمّى بالاقتصادات النامية، لا سيما الصين، وأخيراً الهند.

وتعد الصين الآن ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة، بينما يبدو أن الهند قد تجاوزت المملكة المتحدة، لتصبح خامس أكبر اقتصاد في العالم خلال العام الماضي.

تحاول روسيا حالياً إبراز قوتها من خلال مهاجمة أوكرانيا. لكنها في الخمسينيات من القرن الماضي سيطرت على معظم أوروبا الشرقية والوسطى، ووفقاً للحسابات التقليدية كانت ثاني أكبر اقتصاد في العالم. أما اليوم فيأتي ترتيبها في المرتبة الـ 11 بين كوريا الجنوبية وأستراليا.

يمكننا أن نرى عديداً من هذه التغييرات في حياتنا اليومية، وفي الخمسينيات من القرن الماضي صنعت سيارات من طراز "أم جي" MG الرياضية في بلدة أبينغدون بالقرب من أكسفورد، واليوم يجري تصنيع سيارات "أم جي" الكهربائية الجديدة والممتازة كما يبدو في الصين. تقاسمت الولايات المتحدة والصين الغنائم من ثورات الاتصالات والشبكات الاجتماعية، واخترعت الولايات المتحدة "غوغل" و"فيسبوك"، في حين اخترعت الصين "تيك توك".

وأيضاً كانت هناك تغييرات هائلة في مصادر قلقنا، وكانت المخاوف البيئية التي تقض مضجع المملكة المتحدة عام 1952 في الغالب تتعلق بتلوث الهواء، حيث تسبب الضباب الدخاني الكبير في لندن خلال ديسمبر (كانون الأول) من ذلك العام في مقتل ما لا يقل عن 8 آلاف شخص، وأدى إلى سن قانون الهواء النظيف في عام 1956، وأهم ما يقلقنا في الوقت الحاضر هو التغير المناخي، لكن دعونا نتطلع إلى الأمام ونفكر في السنوات الـ 70 المقبلة.

أنجزت مجلة "لانسيت" الطبية The Lancet بعض أفضل التوقعات حول المستقبل، حيث نشرت العام الماضي بعض التوقعات لعام 2100، وتشمل بعض النقاط الرئيسة احتمال توقف عدد سكان العالم عن الارتفاع، وربما البدء في التراجع، وأن الاقتصاد الأميركي سيعود إلى الانتعاش ليصبح مرة أخرى أكبر اقتصاد في العالم، وأن المملكة المتحدة ستحقق نجاحاً معقولاً حتى نهاية القرن.

والعالم زاخر بتوقعات أخرى بعيدة المدى (لقد أضفت إلى القائمة المزيد بنفسي). وبالنظر إلى عدم اليقين يجب ألا نصدق كل ما نسمعه أو نقرأه، لكن إليك خمسة أشياء يبدو لي أنها من المحتمل أن تكون قد حدثت بحلول الوقت الذي ربما يعتلي خلاله الملك جورج السابع عرش المملكة المتحدة.

الأول هو أن عدد سكان العالم سيبدأ في التناقص، مما يؤدي إلى إحداث تحولات اجتماعية وسلوكية.

ثانياً سيكون العالم قد عالج أزمة المناخ، وذلك لا يعني أنه سيتعامل معها بشكل جيد على رغم أنني آمل بشدة أن يفعل العالم ذلك، وبدلاً من ذلك يجب أن نلاحظ أن هذه قضية كبرى وربما كارثية بحيث لن يكون أمام العالم خيار سوى معالجتها.

ثالثاً ستستمر التكنولوجيا في التقدم، وذلك سيمكن بشكل عام معظم الناس من عيش حياة مرضية، ولن يتعلق الأمر بارتفاع في الناتج المحلي الإجمالي للفرد، وبدلاً من ذلك سينظر إلى رفاهية الناس، أي صحتهم وطول عمرهم وتماسكهم الاجتماعي، على أنها مسألة أكثر أهمية.

رابعاً ستكون الطبقات الوسطى محركة عجلة العالم، لا سيما في آسيا وأفريقيا. وستتشكل المجتمعات بناء على قيم هذه الشرائح. وفي الوقت الحالي تعيش غالبية الطبقة الوسطى حول العالم في الدول المتقدمة، لكن ذلك يتغير بسرعة، وباختصار لا يزال الغرب يهيمن على المواقف العالمية، لكن مع انتقال التوازن في عدد المتعلمين الذين لديهم إمكان الوصول إلى المعلومات بعيداً من أوروبا وأميركا الشمالية، وستتغير الأمور في الاتجاه الآخر.

أخيراً، أعتقد أن الديمقراطية بجميع أشكالها ستظل نظام الحكم الذي يطمح إليه معظم سكان العالم، وإذا كان ذلك ما يريده الناس فسوف يحصلون عليه، وهل ذلك يعني أن المملكة المتحدة إذا تماسكت سترغب في الحفاظ على النظام الملكي؟ أعتقد أن الإجابة ستكون "نعم".

*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقع الأمة برس – اندبندنت عربية-



مقالات أخرى للكاتب

  • بعد تولي سوناك السلطة كم من الوقت ستحتاج بريطانيا للعودة إلى مسار النمو؟
  • جيريمي هانت رئيس الحكومة البريطانية بحكم الأمر الواقع
  • ضعف الجنيه الاسترليني أمام الدولار يوقع وزير الخزانة البريطاني في مأزق





  • كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي