غورباتشوف يستحق الثناء لكنه ربما زرع فتيل أزمة روسيا وأوكرانيا
2022-09-01
ماري ديجيفسكي
ماري ديجيفسكي

مهما قلنا، لا يمكننا التعبير عن مدى سخرية القدر والتوقيت، فبعد ستة أشهر وبضعة أيام من غزو روسيا لأوكرانيا، في اليوم نفسه الذي أعلنت فيه أوكرانيا بدء هجومها المتوقع منذ وقت طويل من أجل استعادة منطقة خيرسون الجنوبية من الاحتلال الروسي، أعلنت وفاة ميخائيل غورباتشوف في موسكو، أول وآخر رئيس للاتحاد السوفياتي وآخر أمين عام للحزب الشيوعي السوفياتي.

يبدو من المفيد إبراز التناقض بين الأمس واليوم، بين غورباتشوف والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وسوف تلقى تلك المقارنة تأييداً واسع النطاق. وسوف يظهر التباين بين من حرر ومن غزا بالقوة، الأول غورباتشوف ليبرالي في العمق، منسجم مع قوى التاريخ، والثاني بوتين صارم وقمعي بطبيعته، يبذل قصارى جهده بوسائل قاسية وعفا عليها الزمن، لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. وهناك ما يبرر هذه المقارنة نوعاً ما، ولكن في كثير من النواحي سيكون إجراء هذه المقارنة خاطئاً.

سيخلد التاريخ اسم ميخائيل غورباتشوف كما يستحق، باعتباره الرجل الذي فك أغلال الاتحاد السوفياتي، وبذلك عجل بانهيار الشيوعية في أوروبا، وهكذا سيبدو وكأنه النقيض التام لفلاديمير بوتين. من الواضح أن غورباتشوف، الزعيم السوفياتي الذي رفض أن يحذو حذو أسلافه في استخدام القوة من أجل إبقاء الكتلة السوفياتية [في أوروبا الشرقيّة] تحت السيطرة، هو رجل مختلف تماماً عن بوتين، الذي قام بعد 30 عاماً بشن حرب تهدف (اعتماداً على طريقة قراءتك لها) إما إلى إبقاء أوكرانيا متحالفة مع روسيا، أو إحياء الاتحاد السوفياتي أو ما يشبه الإمبراطورية الروسية بالقوة.لكن هناك سؤالان جديان يجب طرحهما هنا، طوال 20 عاماً في السلطة ترأس بوتين دولة كانت أكثر حرية وازدهاراً بكثير من الدولة التي قادها غورباتشوف بين عامي 1985 و1991. وسينظر إلى رئاسة بوتين حتماً من خلال منظور حرب أوكرانيا، التي دفعت البلاد مرة أخرى في كثير من النواحي، ولكن ليس في جميعها، إلى المجتمع المنغلق الذي كان يشكله الاتحاد السوفياتي، لكن في النهاية إلى أي مدى سينجح بوتين في إعادة عقارب الساعة إلى الوراء؟

والسؤال الآخر الذي ينبغي طرحه هو إلى أي مدى كان غورباتشوف سيد الأحداث، وإلى أي مدى جرفته موجة هائلة من التحدي السياسي والتحرير التي اجتاحت ليس أوروبا فحسب، لا بل أيضاً أجزاء أخرى كثيرة من العالم في ذلك الوقت، بما في ذلك الصين، وسيكون إرثه بحق هو أنه ساعد في تغيير كل من أوروبا والعالم إلى الأفضل. في الواقع، ملايين الأشخاص عبر أوروبا الوسطى والشرقية، وبعض الناس في روسيا، ينسبون الفضل إلى غورباتشوف في تغيير بلدانهم وحياتهم الشخصية بشكل كبير.

وهم على حق. مهما قلنا، يصعب التعبير عن درجة التناقض بين الاتحاد السوفياتي في عام 1985، عندما أصبح غورباتشوف أميناً عاماً للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي، وروسيا في عام 1995. في غضون عقد من الزمان، انبثقت ألوان ونغمات أزالت واقع تلك الأوقات الرمادية والقمعية، بيد أن التغيير الأبرز والأكثر مدعاة للأمل، كان تلاشي الخوف.

فبحلول الوقت الذي استقال فيه من منصب الرئيس السوفياتي ووقع على محو الاتحاد السوفياتي من الوجود، اختفى الخوف الذي أبقى الروس في حالة خنوع، وأسر نصف أوروبا خلف جدار. سواء من منطلق ضعف أو حكمة، تجنب غورباتشوف القوة كوسيلة للحفاظ على سلطته. وهكذا، فإن إراقة الدماء التي لطخت الإمبراطورية السوفياتية في كل مرحلة من مراحل تطورها، غابت إلى حد كبير عند انهيارها، وهذه مفخرة دائمة ستلازم اسمه إلى الأبد.

متولياً منصبه في منتصف العقد الخامس من عمره، بعد وفاة ثلاثة من الرؤساء أثناء ولايتهم في غضون 30 شهراً بسبب التقدم في السن والمرض، بدا غورباتشوف مختلفاً بالشكل والأسلوب. غالباً ما كانت ترافقه في المناسبات الرسمية زوجته المحبوبة رايسا، وبذلك أعطى الشيوعية السوفياتية "وجهاً إنسانياً". ومع "غلاسنوست" [الشفافية] و"بيريسترويكا" [إعادة الهيكلة الاقتصادية]، وهما مفهومان شكلا علامة فارقة تميزه، أشرف على كسر كثير من المحرمات السوفياتية.

ولكن إلى أي مدى كان بارعاً في هذه العملية، فهذه مسألة أخرى. بحلول صيف عام 1991، فشلت جهوده الرامية إلى تحويل نظام موحد جامد إلى اتحاد توافقي. وبعد فترة وجيزة، حدث انقلاب أطاح به، وتحولت السلطة بشكل لا رجعة فيه إلى الرئيس الروسي المنتخب بوريس يلتسين، ولم يعد باستطاعة المركز أن يصمد. في 8 ديسمبر (كانون الأول)، تخلى رؤساء الجمهوريات الثلاث التي أسست الاتحاد السوفياتي في عام 1924 عن تلك المعاهدة. وفي 25 ديسمبر، استقال غورباتشوف.

خلال عقد يلتسين، ظل غورباتشوف ناشطاً، ولو بشكل ضعيف، بيد أنه بدأ يعبر عن رأيه علانية أكثر بقليل من قبل، من خلال مؤسسته الخيرية في عهد بوتين. وعلى غرار يلتسين، كانت قدرته على التمتع بتقاعد مقبول في وطنه (بقدر ما تسمح به صحته) ميزة إضافية في سياق التاريخ السوفياتي والروسي، الذي شهد وفاة القادة السابقين وهم في مناصبهم أو تحولهم إلى أشخاص مجهولين وغير معترف بهم، وعلى الرغم من ذلك كان جزء كبير من مكانته مدعوماً بالتزلف الذي تمتع به في الخارج، باعتباره الزعيم الذي ساهمت أفعاله أو تقاعسه في انهيار الاتحاد السوفياتي وزوال أيديولوجية كانت قد أسرت نصف أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

بيد أن التقدير الذي حظي به غورباتشوف على الصعيد الدولي، لم يجده بين معظم أولاد بلده. في الواقع، ألقى عديد من الروس اللوم عليه حتى يوم مماته لما اعتبروه إهانة لبلدهم، وفقداناً لمكانتها كقوة عظمى، وبالنسبة إلى كثيرين، اضمحلالاً للهدف السامي المتمثل بالتعدد العرقي. لقد كان هذا هو السبب إلى حد كبير في الفشل الذريع الذي واجهته محاولات غورباتشوف المتقطعة للعب دور سياسي في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفياتي. يبدو أنه لم يكن يدرك حقاً مدى الازدراء الذي كان يكنه له عدد من الروس، إذ ألقوا اللوم عليه في فقدان بلادهم مكانتها كقوة عظمى.

على أمل أن يتوصل جيل جديد من الروس إلى فهم ما يدينون به للزعيم السوفياتي الأخير من حيث الحرية السياسية والشخصية وأن يعطوه حقه، ولكن بحسب ما تبين عند وفاته، فذلك اليوم أبعد مما كان عليه في أي وقت منذ استقالته.

واستطراداً، يمكن النظر إلى حرب روسيا على أوكرانيا من نواح متعددة على أنها صراع تم تجنبه برحمة عندما تفكك الاتحاد السوفياتي، ولكنه كان يختبئ وراء الكواليس في انتظار إمكانية استخدامه في الوقت المناسب، في حالة عدم تمكن أقوى دولتين وأكثرهما اكتظاظاً بالسكان في فترة ما بعد الاتحاد السوفياتي من بناء علاقة جديدة بينهما كدولتين مستقلتين. ميخائيل غورباتشوف يستحق كل التقدير الهائل الذي حظي به كقائد تقبل تفكك بلاده بكرامة، عوضاً عن محاولة الحفاظ عليها متماسكة بالقوة.

ولكن تجدر الإشارة إلى أن قوة الاتحاد السوفياتي في ذلك الوقت كانت قد تضاءلت لدرجة أنه ربما لم يكن لديه خيار آخر. هل كان في النهاية محركاً للتاريخ أم ضحية له؟ ربما كان التفكك السوفياتي نفسه، وانهيار الشيوعية في وسط وشرق أوروبا الذي حدث قبله، سلميين بشكل لافت، كما لاحظ كثيرون في ذلك الوقت. وقد فاز غورباتشوف بجائزة نوبل للسلام في عام 1990 بسبب رفضه استخدام القوة خارج الحدود السوفياتية، ولكن في الحقيقة هل ساهمت طبيعة الانهيار السوفياتي التي حدثت على عجلة وبحكم الأمر الواقع في خلق مشكلات مستقبلية، ترجمت مثلاً في وضع شبه جزيرة القرم، وأوكرانيا المعلقة بين الشرق والغرب، ما أدى إلى إشعال فتيل الحرب الشاملة التي تشنها روسيا الآن ضد أوكرانيا؟

*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقع الأمة برس – اندبندنت عربية-



مقالات أخرى للكاتب

  • على برلين التوقف عن الاعتذار والدفاع عن تاريخها مع موسكو
  • حبذا لو دعي الرئيس الروسي إلى جنازة الملكة
  • الصراع الروسي– الأوكراني يتوسع لكن ليس بالطريقة التي توقعتها الغالبية





  • كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي