على "المحافظين" في بريطانيا أن يكبحوا من اندفاعهم للتنافس على تولي القيادة
2022-07-17
شون أوغرايدي
شون أوغرايدي

إذا لم يتوخَّ "المحافظون" في المملكة المتحدة الحذر، فقد تتحول انتخاباتهم لاختيار قائد للحزب، إلى عرض محرج بعض الشيء، سواء لعدم الكفاءة من جهة، أو الفوضى العامة من جهة أخرى، بحيث يغدق كثير من المرشحين للمنصب الوعود نفسها على العدد المحدود نفسه من الناخبين لانتخاب 359 نائباً ونحو 150 ألف ناشط.

قد يشعر الناخبون بألا طاقة لديهم لفهم الاختلافات السياسية الدقيقة في أوساط المؤيدين المتشددين لـ"بريكست"، الذين يتطلعون إلى نقل بريطانيا إلى العقد الثالث من القرن الحالي. وإذا كان الأمر على هذا النحو، فلن يكون في مستطاع نواب حزب "المحافظين" وأعضائه ومنظمي استطلاعات الرأي، التوصل إلى تصور محدد خلال الأسابيع المقبلة التي ستغص بالخطابات والمقابلات والحملات الانتخابية في المناطق، في شأن هوية الشخص الذي سيتمتع بالقدرة والكفاءة على ضمان الفوز لحزبهم في الانتخابات العامة المقبلة.

ويمكن القول في الوقت الراهن إن لدى "المحافظين" طيفاً واسعاً من الخيارات، أقله لجهة عدد المرشحين لزعامة حزبهم. فهناك نحو 14 مرشحاً ناشئاً، وهو رقم قياسي لأي سباق على قيادة حزبية بهذا الحجم. الأسماء المتداولة لا تندرج ضمن ترتيب معين وهي: النائب ستيف بيكر (ترشيحه مؤكد)، وزيرة الداخلية بريتي باتيل (تفكر في الترشح)، وزير الدفاع بن والاس (يتشاور مع أسرته)، رئيس "لجنة العلاقات الخارجية في مجلس العموم" طوم توغندهات (ترشيحه مؤكد)، وزيرة الخارجية ليز تراس (ترشيحها شبه مؤكد)، رئيس "لجنة الصحة في مجلس العموم" جيريمي هانت (شبه مؤكد، علماً أنه كان منافساً سابقاً على المنصب)، وزير الخزانة ناظم زهاوي (شبه مؤكد)، وزير الخزانة المستقيل ريشي سوناك (مؤكد، علماً أنه كان أحد المفضلين للمنصب)، وزير الصحة المستقيل ساجد جاويد (شبه مؤكد)، المدعية العامة في إنجلترا وويلز سويلا بريفرمان (ترشحها مؤكد)، النائب جون بارون (مؤكد)، وزيرة التنمية الدولية بيني موردانت (ترشحها شبه مؤكد)، وزيرة الدولة البريطانية لشؤون المساواة كيمي بادنوك (ترشحها مؤكد) ووزير النقل غرانت شابس (يستمزج الآراء في شأن ترشحه).

ها نحن إذاً أمام المشهدية الراهنة لقائمة المرشحين: فهناك أعضاء في مجلس الوزراء، ونواب من المقاعد الخلفية (لا يتولون مناصب حكومية)، ذكور، إناث، محافظون اجتماعيون وليبراليون اجتماعيون، مؤيدون لبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، مؤيدون للمغادرة، تاتشريون، شعبويون، أشخاص من خط الوسط في حزب "المحافظين" المعروف بتيار "الأمة الواحدة" One Nation Tories، فاحشو الثراء وميسورون، آخرون من خلفيات عرقية متنوعة أو من خلفيات ملهمة مختلفة، أفراد كانوا سابقاً في قطاع الخدمة العامة، محامون سابقون، رجال أعمال عصاميون، انطوائيون (نسبياً)، منفتحون، خطباء ومتحدثون متقادمون، مؤيدون للمتحولين جنسياً أو مناهضون للتعصب السياسي والفكري، مدارس عامة أو مجانية، كبار في السن ويافعون، صلعان أو كثيفو الشعر، ملتحون وغير ملتحين... وكثير من المواضيع التي يمكن التحدث عنها، من التضخم إلى التخفيضات الضريبية و"القناة الرابعة" وإضرابات قطاع السكك الحديد.

مع ذلك، لن يكون هناك سوى ما يشبه قصة "برج بابل" ما لم تُجرَ بسرعة عملية تشذيب. فاستناداً إلى  القواعد الراهنة، يحتاج كل مرشح لثمانية ترشيحات فقط كي يحق له وضع اسمه على أوراق الاقتراع، وهو رقم تم ابتكاره لحزب برلماني أصغر بكثير من ذلك الذي جرى انتخابه عام 2019. من هنا، فمن المحتمل أن يتمكن نحو 14 شخصاً أو أكثر من إطلاق حملاتهم. ثم حتى مع إجراء اقتراع مرهق كل يوم لتقليص القائمة، سيتطلب الأمر قرابة أسبوعين للتوصل إلى اختيار شخصَين في المركزين الأولَين، ينطلقان في ما بعد بجولات في أرجاء البلاد للقيام بحملات انتخابية وحضور تجمعات. وكل ذلك من شأنه أن يطيل أمد هذه العملية الانتخابية.

إلا أن "لجنة عام 1922" البرلمانية The 1922 Committee [لجمة تضم نواب المقاعد الخلفية لحزب "المحافظين" وتشرف على عمل الحزب البرلماني]، يمكنها اختصار هذا المسار بسهولة، من خلال زيادة عدد الترشيحات الأكثر كفاءة، بالتالي التخلص من بعض المرشحين الأضعف، في مرحلة مبكرة. أما الخطوة المتطرفة المتمثلة في حرمان القواعد الشعبية من حقها في التصويت، فلا يبدو أنها تكتسب زخماً. ومن الممكن تماماً كما حدث عام 2016، أن يبقى مرشح واحد فقط في نهاية مرحلة الغربلة البرلمانية، ما يعني ألا تكون هناك حاجة لتصويت الأعضاء. لكن تلك كانت النتيجة للمنافسة المضطربة بين رئيسة الوزراء السابقة تيريزا ماي وأندريا ليدسوم، عندما أجبرت الأخيرة على الانسحاب بعد تصريحات مسيئة أشارت فيها إلى امتلاك المرأة مزيداً من البصيرة بعد إنجاب الأطفال (على عكس تيريزا ماي التي لم تنجب).

المسار يقودنا إلى فائدة هذه الممارسة على سبيل التجربة استعداداً لحملة انتخابية عامة. فالمقابلات الواهية التي يتباهى فيها المرشحون بأهمية الأسرة، أو تلك المنمقة التي تعج بعبارات فضفاضة، ناهيك عن العاصفة الهوجاء المقبلة من الحملات الانتخابية، والمناظرات التلفزيونية، والمنشورات التنافسية على قنوات التواصل الاجتماعي... إنما يجب أن تدفع بالسباق إلى وضع كل من السياسيين المرشحين تحت مجهر التدقيق والضغوط ذاتها التي يتعين عليهم مواجهتها في الانتخابات المقبلة. على هؤلاء أن يأتوا بسياسات أكثر ثقلاً وقيمة، وذات صبغة جديدة، وأن يخرجوا بشعارات وبيانات أكثر جاذبية وأشد إقناعاً، ويثبتوا قدرة قوية على مواجهة أشخاص من أمثال الصحافيين التلفزيونيين أندرو نيل وكاي بورلي.

هذا ما يمكن أن يقود إلى غربلة الأفضل. وكما كانت الحال عليه مع زلة اللسان القاضية لأندريا ليدسوم عام 2016، فمن الممكن أن يسقط بعض من المرشحين الغرباء الواعدين في خطأ غير مقصود أو أن يتكبدوا خسارة "بطاقة الأحلام". وقد طاولت مثل هذه المحنة السياسي مايكل هوارد عام 1997 عندما قرر "زميله في السباق" ويليام هيغ سلوك مسار استقلالي في حملته. وكذلك عندما وجّه مايكل غوف طعنة في الصدر إلى بوريس جونسون، وأطلق ترشيحه الخاص عام 2016. ومن يمكن أن ينسى غرباء عظماء فاجأوا المؤسسة السياسية في المملكة المتحدة، من أمثال مارغريت تاتشر عام 1975؟

يبقى القول إن معظم المرشحين الهامشيين لم يخوضوا السباق من أجل الفوز، بل لمجرد تسجيل موقف تمهيداً لترشيح مستقبلي، أو لحجز مكان لأنفسهم إلى طاولة مجلس وزراء الزعيم الفائز، تماماً كما حدث عندما حصل مات هانكوك على وزارة الصحة بعد نيله جميع الأصوات العشرين في سباق عام 2019. وستكون محاولة غربلة المتنافسين الطموحين في السباق نحو الزعامة، أصعب مهمة تواجه في الأيام المقبلة "لجنة عام 1922"، التي يتعين عليها المضي قدماً فيها من دون أي تلكؤ.

*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقع الأمة برس – اندبندنت عربية-



مقالات أخرى للكاتب

  • سنوات بريكست الثلاث لم تحقق لنا سوى اقتصاد أسوأ من روسيا
  • شعارات جونسون وهانت حول "بريكست" دليل على فشله
  • هل الإعلام سلاح في يد هاري وميغان أم مسلط عليهما؟





  • كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي