الناتو الشرق أوسطى.. وخلل التوازن
2022-06-28
ياسر عبد العزيز
ياسر عبد العزيز

جاءت تصريحات العاهل الأردنى الملك عبدالله الثانى لقناة «سى إن بى سى» الأمريكية، فى الأسبوع الماضى، لتتقاطع مع -أو تفسر- الكثير من التحركات الإقليمية النشطة التى شهدتها المنطقة فى الأيام الأخيرة؛ إذ أعرب الملك فى تلك التصريحات عن تأييده لإنشاء «ناتو شرق أوسطى»، على أن تكون «مهامه واضحة للغاية».

لا يؤيد الملك إنشاء هذا الحلف فقط، لكنه أيضاً يدعو إلى إنشائه، ثم يقترح أن يكون أعضاؤه «البلدان ذات التفكير المتشابه»، قبل أن يشير إلى ضرورة «التفكير فى الروابط مع بقية العالم، وكيف ننسجم فيه، لذلك يجب أن يكون بيان المهمة واضحاً للغاية، وإلا سيكون مشوشاً للجميع».

والشاهد أن التطورات الدراماتيكية التى أثمرتها الحرب الروسية فى أوكرانيا من جانب، والتحولات الجيوسياسية فى منطقة الشرق الأوسط، وما نجم عنها من بروز تهديدات جديدة أو تصاعد تهديدات قائمة، من جانب آخر، أدت ربما إلى إطلاق العاهل الأردنى تلك الدعوة، التى يبدو أنها تواكبت مع زخم من المحادثات واللقاءات والزيارات التى تشهدها المنطقة راهناً، ويشكل الهاجس الأمنى جزءاً جوهرياً من نقاشاتها.

وسيُمكن بقليل من التركيز إدراك أن التحالفات العسكرية كانت جزءاً رئيسياً من الصدامات والمعارك والمنافسات الكبرى فى مختلف قارات العالم؛ إذ تنشأ التحالفات عادة لمعالجة خلل فى توازن القوى، وهى قادرة تماماً على تغيير وقائع الصراعات، وبالتالى فهى قادرة أيضاً على صناعة التاريخ.

ويرى بعض الباحثين أن التحالف ليس سوى «التزام مشروط ذى طابع سياسى أو عسكرى، بين دولتين أو مجموعة من الدول، تتعهد خلاله باتخاذ تدابير تعاونية فى مواجهة دولة أو مجموعة من الدول».

يفسر هذا الشرح ما اتفق عليه الباحثون الاستراتيجيون من كون التحالفات العسكرية ليست مبدأً من مبادئ العلاقات الدولية بقدر ما هى وسيلة من وسائل الملاءمة، وهو الأمر الذى احتاجته دولة مثل أوكرانيا، لكى تُعزّز دفاعاتها فى مواجهة روسيا، أو احتاجته بعض دول القارة الأوروبية -التى أعلنت سابقاً التزامها الحياد- عندما دقّت الحرب الروسية - الأوكرانية أبوابها، أو حتى احتاجته كوبا، فى ذروة صراعات الحرب الباردة فى القرن الفائت، لكى تبقى فى مأمن من اجتياح أمريكى لأراضيها.

يبدو واضحاً أن دولاً فى المنطقة كبيرة أو صغيرة، وعريقة أو حديثة التكوين، لا تمتلك من وسائل القوة الشاملة ما يُمكّنها من صد التهديدات التى قد تتعرّض لها، ومجابهة التحديات الأمنية والاستراتيجية التى تستهدفها، بسبب الخلل الواضح فى موازين القوى من جانب، ووجود مصادر تهديد جديدة تمثلها قوى طامعة وطامحة وشرهة إلى التغول والنفوذ من جانب آخر.

وثمة سبب آخر يُعزّز فكرة الميل إلى إنشاء التحالفات فى المنطقة، وهو ما يتعلق بتغيير طبيعة الحرب ذاتها؛ إذ إن القوى الأضعف أيضاً بات بإمكانها أن تلحق الخسائر بالقوى التقليدية المتفوقة عليها، عبر استخدام وسائل الحرب الجديدة، لذلك يمكن أن تمثل التحالفات شبكات ردع تُحد من أثر الأنشطة العدائية الهجينة المؤثرة.

وهنا يثور سؤال مهم: «هل يقتصر هذا الأمر على منطقة الشرق الأوسط فقط؟ وإذا كانت الإجابة لا، فما الذى تفعله دول أخرى فى مناطق أخرى من العالم حين تكون فى الظرف ذاته؟».

إن اختلال موازين القوى نسق متكرر، بل يمكن القول إنه دائم الحدوث فى مناطق العالم المختلفة، وبسبب هذا الاختلال، فإن الكثير من الدول وقعت فى الظرف ذاته، لكن الطرق التى يتم التعاطى بها مع مثل هذا العوار الخطير تبدو متباينة؛ وهى فى كل الأحوال صالحة لكى نستخلص منها العبر.

وتأتى سياسة تكوين التحالفات على رأس تلك الطرق، ويشرح أستاذ العلاقات الدولية الأمريكى الشهير هانز مورجنثاو Hans Morgenthau أسباب اللجوء إلى التحالفات العسكرية بقوله: «نفترض أن الدولتين (أ) و(ب) متنافستان أو متصارعتان. بسبب هذا التنافس أو التصارع ستسعى الدولتان إلى تعزيز مراكز قواهما، وفى هذه الحال لن يكون أمام كل منهما، إذا اختل التوازن، إلا ثلاث طرق؛ أولاها تعزيز التسلح، وثانيتها إضافة قوة أخرى إلى قوة الدولة، وثالثتها سحب قوة دول أخرى من رصيد الدولة الخصم -العدو. وبالتالى فإن الخيارين الثانى والثالث سيقودان مباشرة إلى تكوين التحالفات العسكرية».

هى حل لإشكال أمنى إذاً، أو كما سمّاها كثير من الباحثين وسيلة من وسائل الملاءمة للتعامل مع أوضاع تطرح مخاطر فائقة، لكن مع ذلك، فإنه من الضرورى أن تكون وسيلة الملاءمة هذه مبنية على ضرورة مُلحة تلبى مصالح وطنية ضرورية لأعضاء التحالف من جانب، وأن تعكس أيضاً اتساقاً وتوافقاً أكبر من مرحلى بين أطراف التحالف من جانب آخر.

ولذلك، فقد دعا الرئيس السيسى إلى إنشاء قوة عسكرية عربية مشتركة، فى مارس 2015، وبعد ذلك بشهرين تم إقرار آليات إنشاء تلك القوة، لكن مشروع إنشائها لم يرَ النور حتى الآن للأسف.

والآن تُطرح على المنطقة فكرة «الناتو الشرق أوسطى» من جديد، وكما قال العاهل الأردنى فإن مهمته يجب أن تكون واضحة حتى لا يحدث «تشويش»، لكن من جانب آخر، فإن أطرافه يجب أيضاً أن يحلوا تناقضاتهم الرئيسية، أو يؤسسوا لحلها، قبل أن يشرعوا فى مواجهة المخاطر التى يُصدّرها الآخرون.

*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقع الأمة برس – الوطن-



مقالات أخرى للكاتب

  • «السوشيال ميديا» قد تقودنا إلى الحضيض
  • علامَ تعتمد لمعرفة ما يجري في أوكرانيا؟
  • النزعات العنصرية فى «الميديا» الغربية





  • شخصية العام

    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي