لم ينتحروا بل قمتم بقتلهم!
2021-09-18 | منذ 1 شهر
غادة السمان
غادة السمان

بحزن أطالع كل عام أخبار الطالبات والطلاب الذين رسبوا في الامتحانات فانتحروا. في نظري، انتحروا خجلاً من الأهل والأصدقاء الذين يجدون في الرسوب ما يسبب العار العلمي! في مصر وحدها، انتحرت 5 طالبات وطلاب لأنهم رسبوا في امتحان «الثانوية العامة»، وانتحروا بأساليب مختلفة، وكلها يسبب الحزن لي.

ثمة مبدعون كثيرون في العالم فشلوا دراسياً لكنهم أبدعوا في حقل ما. ثم إنه لدينا فكرة خاطئة عن (النجاح)! وما أكثر الأمهات والآباء الذين يجدون أن الفشل في النجاح في «الثانوية العامة» فشل في الحياة! وتلك نظرة خاطئة.

تاريخ العلوم والأدب يذكرنا بأن الكثير من المشاهير الذين أبدعوا في حقولهم كانوا من الفاشلين في (الامتحانات العامة).

وإذا افترضنا جدلاً أن أحد الراسبين ليس من أولئك المبدعين، ثمة مهن أخرى تستحق الاحترام في الحياة غير الإبداع الفني أو النجاح في التدريس الجامعي أو الطب أو المحاماة، وغير ذلك.

احترام المهن اليدوية

كثيرون قد يفشلون في الامتحانات العلمية العامة، لكنهم ينجحون في أداء مهن أخرى يمتعهم القيام بها، ويحتاج المجتمع إلى خبراتهم فيها.

والمشكلة أن معظم الأهل يريدون أن يتعلم أولادهم للمباهاة، بأنهم صاروا أساتذة جامعات أو أطباء، ولا يخطر ببالهم أن بعض أولادهم التلامذة يريدون عملاً آخر ليس بحاجة إلى هذه الشهادات الجامعية، بل إلى معرفة تقنية في أحد حقول حياتنا اليومية.

وأولئك الطلاب الذين فشلوا في الامتحانات العامة قتلهم الأهل لأنهم خجلوا من فشلهم هذا، ولو تعاطف الأهل مع رغباتهم الحقيقية في الحياة والعمل دون شهادات مدرسية لما حدثت تلك المأساة. أقدم التعازي إلى أهل المنتحرين، لكنني أيضاً أذكر بقية الأهل أن فشل الطالبة/الطالب في «الامتحانات العامة» لا يعني أنه من الفاشلين في الحياة.

بين صورة المبدع وحقيقته

تهرول الأيام، ويمر 13 عاماً على رحيل المخرج السينمائي الكبير يوسف شاهين، لكن لقائي الأول به (والأخير) رسخ في ذاكرتي لأنه عبر عن حقيقته.

 وكان ذلك حين وصلت من دمشق إلى بيروت لمتابعة دراستي في الجامعة الأمريكية في بيروت، وعملت في الوقت ذاته في مجلة «الأسبوع العربي» (المتوقفة عن الصدور) وكان رئيس التحرير المرحوم ياسر هواري. قال لي إنه كتب رواية عنوانها «شقة في شارع الحمراء» البيروتي، وأنه سيدعو إلى الغداء المخرج الكبير يوسف شاهين الذي جاء إلى بيروت لزيارة. وكان المبدعون يزورون بيروت حين كانت عاصمة للإبداع العربي والنشر.

كان ياسر يريد أن يحدث يوسف شاهين عن روايته آملاً في أن تصير فيلماً على يدي إبداعه.

يوسف شاهين وصوت البحر!

التقينا في مطعم في الروشة البيروتية يدعى (لاغروت أوبيجون) وكان المقصود أن يقنع ياسر هواري المخرج يوسف شاهين بتحويل روايته «شقة في شارع الحمراء» إلى فيلم.

لكننا فوجئنا بأن يوسف شاهين، المخرج الكبير، يريد أن يتحدث عن نفسه دون أن يصمت لحظة واحدة، كما أمواج البحر التي لا تهدأ.

يوسف شاهين في الطائرة

ومرت الأعوام، وذات يوم عاد زوجي من زيارة إلى بغداد، وقال لي إن جاره في المقعد في الطائرة كان المخرج الشهير يوسف شاهين، وإنه لم يستطع النوم في الطائرة لأن يوسف كان يتحدث طوال الوقت عن نفسه! وتذكرت تلك الجلسة في بيروت على شاطئ البحر قبل أعوام كثيرة وكيف فشل ياسر هواري في قول كلمة عن روايته، لأن يوسف شاهين كان يتحدث عن نفسه، واكتشف ياسر أن مهمتنا أن نستمع.

 وقال لي زوجي إنه في الطائرة التي أقلتهما من بغداد، هو ويوسف شاهين، حاول أن يغمض عينيه لينام قليلاً، لكن يوسف شاهين ظل يتحدث ويتحدث عن نفسه. من طرفي، أعتقد أن على المبدع أن لا يتحدث عن إبداعه بل أن ينفذه في عطائه الفني.. ولو التقيت اليوم بالراحل يوسف شاهين لحملت له كمامة هدية كتلك التي نرتديها هذه الأيام بسبب وباء كورونا.. ولكن لا لقاح ضد الثرثرة الإبداعية ولا قناع يحمي من رغبة مبدع مثل يوسف شاهين من الثرثرة عن نفسه.

نعرف الكثير عن عطاء المبدعين، لكننا نعرف القليل عن سلوكهم الحياتي.

أول سوداء في مقبرة العظماء

سحرني أن قصر الإليزيه في باريس (قصر رئيس الجمهورية الفرنسية) أكد أن الفنانة الأمريكية الفرنسية سترقد في مقبرة العظماء في باريس (البانثيون) وستكون أول امرأة سوداء تدخل ذلك (المتحف الجنائزي) لا بسبب لون بشرتها، بل لأنها، كفنانة استعراضية، جسدت الروح الفرنسية. فقد انضمت إلى المقاومة الفرنسية ذات يوم ضد النازية.

وهي سادس امرأة تدفن في مقبرة العظماء في باريس، ومنهن مثلاً العالمة الفيزيائية الشهيرة ماري كوري.ها هي المرأة تقتحم المواقع الرجالية كلها، بما في ذلك (المقابر!). من طرفي، سرني أن تكون جوزيفين بيكر أول سوداء تقتحم المقبرة الشهيرة، فأنا أقف ضد العنصرية التي تتوهم أن بيض البشرة من فصيلة بشرية أرقى من سود البشرة!

وفي نظري: البشرة قشرة، والمهم الإنسان والعطاء.

 

  • كاتبة وأديبة سورية

*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقع الأمة برس



مقالات أخرى للكاتب

  • راشانا: من قرية لبنانية إلى منارة عالمية!
  • يا دمشق: لن أنسى يوماً ما كان!
  • تحسين «صورتنا كمسلمين أمْ حقيقتنا»؟

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق





    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي