المعرفة السوداء
2019-09-09 | منذ 1 أسبوع    قراءة: 49
 هايل علي المذابي
هايل علي المذابي

 

لقد ترعرع الاقتصاد البشري في بدايته على أسس الوعي البشري بمعطيات الطبيعة والأزمنة الغابرة، التي عاش فيهان وفقا لأدوات ومعطيات تلك الأزمنة. وتمثلت أول انطلاقة اقتصادية للبشرية في اقتصاد الزراعة، ووفقا لهذا النوع من الاقتصاد فقد حقق الإنسان نقلة نوعية غير عادية في مجال المعرفة الزراعية، ولا أقول إن الثورة الاقتصادية الثانية قد أوقفت هذه الجهود البحثية والاستكشافات المعرفية حول اقتصاد الزراعة، أو حول العلوم الزراعية عموما، بل ظلت تتراكم حتى يومنا هذا، وما زالت البشرية تكتشف وتتطور في هذا المجال في كل يوم.
كما ان طبيعة الاقتصاد المالي للعصر الزراعي لم تبتعد كثيرا عن معطياته وتفاصيله، فنشأة العملات المالية كانت متوازية مع هذه المعطيات لهذا الاقتصاد، مثلا نجد أن العملة المستخدمة في جميع تعاملات الناس كانت مستلهمة من مخرجات الزراعة ذاتها، حيث ازدهرت عملية تبادل السلع الزراعية بين الناس، وكان هذا أقصى ما كان يمكن أن يحدث من تطور لولا تدخل الاحتياجات إلى السلاح، ودخول البشرية في مرحلة الصراعات والنزاعات، ولكنها رغم ذلك كانت بشكل خفيف، فكان الناس يستبدلون جزءا من محاصيلهم مقابل الحصول على أنواع من السلاح، الذي يستخدمونه لتأمين انفسهم وكذلك في معاركهم.

وفي العصر الثاني للاقتصاد البشري، ازدهرت الصناعات بازدهار الفكر الصناعي المتطور نتيجة للحاجة التي اقتضتها الطبيعة القاسية للعملية الزراعية، وبالتالي تطورت عملته المالية نتيجة لهذا التطور، ثم انتقل البشر إلى عصر اقتصادي ثالث، وهو اقتصاد الشركات والمؤسسات، إلى أن اندلعت الشرارة الاقتصادية للثورة الرابعة، نتيجة للخسائر الكبيرة التي مُني بها اقتصاد المؤسسات، نتيجة للفساد الذي توغل في كل تفاصيلها، بل وفي عمق أعماقها، وهذا الفساد هو ما سمي على أعراضه جميعا منذ بداية ظهور اعراضه بـ«الاقتصاد الأسود».


لقد كانت الثورة الاقتصادية الرابعة هي اقتصاد المعرفة، وهي ما نعيش اليوم تفاصيلها في معظم ملامح هذا العصر، المسمى وفقا لمعطياتها بـ«عصر المعرفة»، وهو يمزج بين نظامين في الاقتصاد شهيرين، سادا في عصور متفرقة من العصور البشرية، الأول النظام الاشتراكي، والثاني النظام الرأسمالي، ولكن بطريقة متطورة جدا، إذ ان رأسمال الإنسان، في عصر المعرفة، هو الإنسان ذاته، بعقله، وإبداعه، وابتكاراته، وعلمه، وفنه، وبطريقة متوازية جدا مع عمل تلك المصانع، وفي كل المجالات التي لم يستغن عنها حتى بعد انتهاء عصر اقتصاد الصناعة، بل بعثت من جديد ولكن بتطور كبير جدا، يوافق احتياجات عصر اقتصاد المعرفة، ونجد ثمة تناغم كبير، إذ لا يمكن لهذه المصانع والمؤسسات بشكل عام، وكل أنظمتها ان تستمر إلا بالإنسان ومعرفته وابداعه وابتكاراته، وهو لا يستطيع ان يكون إلا بها ومن خلالها، وبالتناغم في عمله معها، وهو في الأولى ينزاح نحو النظرية الاشتراكية، لكن بفارق واضح، وهو أن يكون الإنسان منتجا ومفكرا ومبتكرا، ومبدعا ومخلصا

في عملية اكتساب المعرفة والتطور، وهو في الثانية ينزاح إلى الرأسمالية ولكن بفارق جوهري واضح أيضا، من حيث ان المؤسسات والشركات والمصانع مهمة جدا، لكن ليس لها قيمة إلا بالإنسان وابتكاراته وإبداعاته ومعرفته.
وبالطريقة نفسها التي خلقت سياقات غير جيدة في العصور الاقتصادية السابقة، أضرت كثيرا بالممارسة الاقتصادية، وشوهت الهدف الأساسي لها، وهو «القضاء على الفقر»، نجد أن الطريقة ذاتها، وربما هي تكلس القوانين التي تحكم المنظومة الاقتصادية وصرامتها، أو التخلف في التركيبات البنيوية المعرفية للمجتمعات النامية والأقل نموا، شكلت توجهات غير جيدة أيضا في مسيرة هذا الاقتصاد المعرفي، وقد تضر إلى حد كبير بالغايات الجوهرية لاقتصاد المعرفة، وهي أولا «القضاء على الفقر» وما يعنيه هذا الاقتصاد، وهي الآن طافية على السطح بالشراكة مع آثار سيئة جدا تمثل فسادا كبيرا في العصور السابقة، ويجب معالجتها قبل البدء في ممارسة فعلية، وتعاط جاد مع عصر المعرفة، ما لم يتضخم الفساد الماضي بتضخم فساد عصر المعرفة، أو هو ما سوف يتسبب في ظهور وتضخم فساد في عصر المعرفة.

إن الممارسة الجادة ومواكبة عصر المعرفة في الدول النامية والأقل نموا، يعني أولا التطهر من تراكمات الفساد التي ظلت تتراكم منذ العصور الماضية، والتي شكلت عائقا كبيرا وفجوة عظيمة بين الانسان وعقله، بين الانسان وقدرته على الابداع والخلق والابتكار، بين الانسان وادراكه لضرورة العلم كغاية.


وان العلم يسبق الرغيف، لأنه ان لم يتم تلافي ذلك ومعالجته فسوف يحدث ما حدث سابقا، أي بالطريقة نفسها التي ازدهرت بها مظاهر «الاقتصاد الأسود» بكل اشكالها واساليبها وادواتها، في كافة العصور السابقة، او ربما ما هو اشد واكثر اذ أن المرحلة في هذا السياق تعتبر تراكمية، وهذا ما سوف يمثل تعقيدا كبيرا وصعوبة في تلافيها، ستصل بالبشرية إلى النهاية والسقوط في الهوة. إن انطلاق في البحث في تفاصيل السياقات غير الجيدة في عصر المعرفة، بغرض معالجتها، بمعزل عن تراكمات السياقات غير الجيدة في العصور الاقتصادية السابقة، لن يصل بنا إلى ما نرجوه من نتائج في سياق التصحيحات والمعالجات، وهنا لا بد من نظرة توائم بين معطيات ما نعيشه في هذا الزمن، وبين معطيات العصور الماضية، ليكون مشروعنا في هذا السياق هو ما سميته «المعرفة السوداء» أول فاتحة في هذا المضمار.

 

* كاتب من اليمن



مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى للكاتب

التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق

مجلة العربي الأمريكي

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي