أقل من دولة و أكثر من احتلال!
2021-05-10 | منذ 1 شهر
 هايل علي المذابي
هايل علي المذابي

تثبت المعطيات في المشهد العام للقضية الفلسطينية أن الدولة الحالية متورطة في الاحتلال وتجسد بهذا ما هو أقل من دولة و أكثر من احتلال.إن الاحتلال الأشد فتكا ويمثل حالة منهكة لكل ما كان متبقيا من ملامح يمكن ان تجعل الحياة محتملة رغم وجود الاحتلال يمكن ملاحظته في تمثلات القيادات والجماعات التي تترأس مهمة التصدي لمظاهر الاحتلال وتسيير شؤون الحكم وهي في أفضل حالاتها لا تمثل غير حالة من التبعية العمياء لتيارات بائدة فكرا وسياسة كما تجسد حالة مسكونة بهاجس التملك والسيطرة والاستبداد كما لو ان ثمة احتلال غير موجود أصلا وكما لو أن هذا البلد في سياقات الحياة الطبيعية التي تعيشها أي بلد آخر.

وهذا الاحتلال المركب والذي يمثل في تمظهراته ما هو اشد فتكا باحتياجات المواطن وخدمات البنية التحتية من خلال حالة النزاعات والتفكك في الادارة العامة على كافة الاصعدة نتيجة الجشع المسكونة به هذه الرموز القيادية والتي جعلتها تتبع جهات خارجية مهما كانت هذه الجهات في علاقاتها مع الاحتلال اي لا يهم سوى الحصول على ما يسد احتياجات تلك الرموز ويلبي تعطشها للاستمرار في التسلط والحكم بعيدا عن اي اهتمام ولو حتى نسبيا يمكن ان يلمس في اجندتها بالشعب ومعاناته والقضية ونصرتها وله أولوية يمكن ان تحمل العالم على اتخاذ موقف حقيقي يحقق سلاما او يخوض حربا.

وهذه التبعية الدائمة خلقت توجهات مثلت تعدديتها انقساما لا يختلف في تمثلاته عن جميع تمثلات الاحتلال الظاهرة في المستوطنات والتقسيمات التي يتشارك فيها مع الدولة. وهذه التقسيمات التي فرضتها التبعية التمويلية في الاساس قبل التوجهات الفكرية التي خلقتها ايضا مصادر التمويل ذاتها وما تعتنقه اضعفت موضوعية القضية واقصتها تماما عن المسارات الحقوقية الإنسانية التي كانت تحملها فنجد ان انقسامات واختلافات الادارات نتيجة الاملاءات والتمويلات الخارجية قد جعلت غزة وشعبها شبابا ونساء في حالة هي أدنى من أقل مستويات الحرية حين يختار الإنسان عدم الاختيار فيفترض في هذه الحال انه حر لإنه اختار عدم الاختيار لإن وضع هذه الفئات هو ذاته وضع الكائنات العاجزة عن مواجهة أبسط تحديات الواقع لإنها محكومة بتسلط قوى الاحتلال التي فرضت وجودها القوى التى استأثرت بغزة نتيجة خلافاتها الفكرية وتوجهاتها وتبعيتها التمويلية مع بقايا مكونات المقاومة والسلطة احدها ومرتهنة في ذات الوقت إلى تسلط آخر لا يمكن تجاوزه وهي القوى التي تمثل ادارة المقاومة في غزة وما تنص عليه لوائحها وتفرضه على الشعب.

هذه الفئات نساء وشباب واطفال تتداعى من الداخل فتكاد تفقد محورها وصميمها وكل ما تفعله لا يغذي أي وجود لها أو لأدنى مستوى من مصالحها ووجود الادارة التي تمثل المقاومة حماس لا يمنحها أي مناعة بل تفقدها ممارسة هذه الحركة كل ملامح قد تعتبر اشارة إلى إمكان وجود تحولات مستقبلية وهذا نتيجة طبيعية للابتعاد التام عن الممارسة الحضارية في التصدي لقوى الاحتلال واتخاذ شكل ساد في عصر التخلف والرجعية حين كان الطرف الآخر يمثل ذات التوجه في هذا التخلف.

ان الممارسة المفترضة للمقاومة يجب أن تتخذ القالب الذي يجبر العالم على التعاطي معه وقبوله ومناصرته لإن القالب أهم من محمولات القضية وأمر مصداقيتها من عدمه. ولعل كثير من القضايا التافهة التي لقيت رواجا عظيما في التاريخ كان لها سبب وجيه يخولها ذلك وهو قالبا الذي اتخذته في ممارستها في حين نجد قضايا عظيمة وتوجهات فكرية تمثل قمة الهرم في الانتاج الانساني تم اقصاؤها ودفنها وتهميشها بسبب قالب الممارسة الذي حملت عليه مضامينها.

قالب حماس يمثل تيارا متطرفا في الشكل لولا انه يتخذ من القضية الفلسطينية موضوعا لممارسته لتم تصنيف هذه الجماعة ضمن قوائم الارهاب وفي المقابل نجد حركة فتح التي تمثل السلطات تجسد من خلال قالبها ما ينهك الدعوى وما يضعف القضية وجدية العالم من الانتباهة لها بشكل اكثر جدية حيث تحول الرئيس إلى حالة رمزية تجسد نسيان القضية والاهتمام فقط بما يشبه أي ممارسة سياسية منهمكة في جعل كل موجود في رقعة الدولة امتدادا طبيعيا لشخص الحاكم وذاته. فلا يمكن لقانون او عرف او دساتير ان تشفع لأحد من ويلات هذا النفوذ وهذا الامتداد لو تعرض له. كما ان ثمة تحول اخر للسلطة مؤخرا يجسد مبدأ أن الشعب قد خلق لعبادة الحاكم ومؤسسات دولته.

وكما يبدو فإن الحديث عما تواجهه المرأة في غزة او فلسطين عامة هو حديث عن حالة مواجهة لاحتلالين بدون سلاح فإن حالفها الحظ ونجت من الأولى فلن تنجو من الثانية في أفضل الحالات ولو افترضنا وجود هم حقيقي تجاه القضية الفلسطينية فهذا الهم لا يمكن ادراك ملامحه إلا عند فئة النساء ومعظم رجالهن الذين يقبعون في سجون الاحتلال وتلك الفئة الناشئة الحالمة بمستقبل أفضل.

ما من حل قد يضع حدا لمعاناة الشعب الفلسطيني غير الانتفاضة والثورة على قيادات المقاومة الذين شوهوا في ممارستهم بنبل وإنسانية القضية الفلسطينية ثم اتخاذ مظهر حضاري وقالب واعي في الممارسة المقاومة للاحتلال والتي يمكن ان يتعاطى العالم معها بدون اي تردد او حسابات تفرضها سياقات قوالب الممارسة التي تظهر لدى مكونات المقاومة الحالية ولا تفصح إلا عن تبعية خارجية مشبوهة لا تختلف في علاقتها مع هذه المكونات عن علاقة الزوجة بعشيق غير زوجها يمثل هذا العشيق ألد الأعداء لزوجها وأكبر خطر على تفاصيل حياته المهنية والاجتماعية.

*كاتب وصحافي يمني
*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن الأمة برس

 


مقالات أخرى للكاتب

  • المؤسسات المجددة!
  • هل كان النظام المعرفي معرفياً؟
  • المعرفة السوداء

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق





    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي