متراوحاً بين ترامب وأوباما.. كيف يبدو الشرق الأوسط بقيادة بايدن؟
2021-01-04 | منذ 5 شهر
كتابات عبرية
كتابات عبرية

مع دخوله إلى البيت الأبيض سيكون بانتظار الرئيس بايدن كومة من المسائل الخارجية “المشتعلة”. ومثلما جسد في مقاله: “يجب أن تعود الولايات المتحدة إلى القيادة”، فإن بايدن يولي أهمية كبيرة للسياسة الخارجية، وقد أعلن عن تعيينات في وزارته في مجال الأمن القومي قبل أي مجال آخر، بما في ذلك الاقتصاد والصحة، كي ينقل هذه الرسالة.

ما خطط بايدن للشرق الأوسط؟ بأي دروس يتوجه إلى الموضوع؟ ماذا سيكون مكان منطقتنا في سلم أولوياته؟ ما هي التوترات والاضطرارات بين أهداف الولايات المتحدة ومصالحها وقيمها بالنسبة للشرق الأوسط، والتي ستضطر إدارة بايدن إلى المناورة فيها. وما المعاني التي تستخلصها إسرائيل؟

دروس الماضي

في مناصبه في الكونغرس والإدارة في العقود الثلاثة الأخيرة، تعرف بايدن عن كثب على إخفاقات الولايات المتحدة في إحداث تحولات إيجابية في الشرق الأوسط.

إن انهيار المفاوضات على التسوية الدائمة التي حاول الرئيس كلينتون العمل عليها أدى إلى انتفاضة مسلحة في “المناطق”، وكل جهود تحريك المسيرة السياسية فشلت وعمقت أزمة الثقة بين إسرائيل والفلسطينيين.

سعى المحافظون الجدد في إدارة بوش لأحداث مسيرة تحول ديمقراطي في الشرق الأوسط. واصل الرئيس أوباما ذلك على خلفية أحداث الربيع العربي، وسعى لفتح صفحة جديدة في العلاقات مع إيران. وبعد إسقاط نظام صدام حسين انطلقت إيران كقوة إقليمية صاعدة؛ وأدت أحداث الربيع العربي إلى انعدام الاستقرار والهزات والحروب الأهلية، وانتشار عظيم لـ”داعش”، وعودة الحكام المطلقين إلى الحكم في غالبية دول المنطقة.

ماذا يقول بادين ورجاله عن مخططاتهم في الشرق الأوسط؟

على أساس برنامج الحزب الديمقراطي وتصريحات كبار المسؤولين الذين عينهم بايدن في حكومته، وأقواله ومقالاته نفسه، نرسم الخطوط الهيكلية التالية بالنسبة للشرق الأوسط.

ستنشأ سياسة الولايات المتحدة في المنطقة من مبادئ السياسة الخارجية الأوسع: إعادة بناء النظام الدولي الليبرالي – الديمقراطي، الذي بنته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية؛ وتعزيز الديمقراطية في أرجاء العالم “من هونغ حتى السودان، ومن تشيلي حتى لبنان”؛ والانتصار في المنافسة الدولية حيال الصين وروسيا.

رغم تعلقها المتقلص بالنفط في الشرق الأوسط، لا تزال للولايات المتحدة مصالح متواصلة في المنطقة، مثل: أمن إسرائيل، والتدفق الحر للطاقة، ومنع التحول النووي لإيران، والحرب ضد الإرهاب. كما تسعى الولايات المتحدة إلى مزيد من التوازن بين مستوى التزامها بالاستقرار والحرية والأمن في المنطقة وبين الغرق في المواجهات (التي لا يمكن الانتصار فيها) والتي تقضم من القوة الأمريكية.

إيران في سلم الأولويات، وتسعى الإدارة لاستئناف الدبلوماسية، وعدم التصعيد، وإلى حوار إقليمي مع طهران. إذا عادت إيران إلى الالتزام التام بالاتفاق النووي، ستنضم إليه الولايات المتحدة مجدداً، وسترفع العقوبات ضمناً. وبعد ذلك، ستدير الإدارة مع إيران مفاوضات على “تعزيز وتمديد المفعول” لبنود الاتفاق، وستواصل ممارسة عقوبات محددة ضدها على خرق حقوق الإنسان، ودعم الإرهاب وتطوير الصواريخ.

حيال دول الخليج سينفذ “إعادة بدء” و”إعادة فحص” للعلاقات. من جهة، ستواصل الولايات المتحدة ضمان أمنها في وجه التهديدات الإقليمية، ومن جهة أخرى لن تعطي “شيكاً مفتوحاً” لقمع حقوق الإنسان، ولخصومات داخلية وحروب “كارثية” عبر وسطاء (وعلى رأسها الحرب في اليمن).

ستعمل الولايات المتحدة على إحياء الديمقراطية في أرجاء المنطقة، بما في ذلك في مصر وتركيا، وستحرك جهداً دبلوماسياً لحل سياسي للأزمة السورية، والتقدم في إصلاح سياسي واقتصادي في لبنان.

ستعمل الإدارة على تقليص حجم القوات الأمريكية، وتنفيذ تغييرات في انتشارها تقلل المقدرات المستثمرة في المال وحياة الإنسان إلى مستوى مقبول، في صالح الدفاع عن العراق، وإيقاع الهزيمة بداعش، ومساعدة الأكراد.

وجود إسرائيل قوية في حدود آمنة هو مصلحة أمريكية، وإلى جانبها دولة فلسطينية قابلة للعيش. ستعارض الإدارة خطوات من طرف واحد مثل ضم وتوسيع المستوطنات، والتحريض والإرهاب. وستستأنف العلاقات الدبلوماسية (مكاتب م.ت.ف في واشنطن، قنصلية في شرقي القدس) والمساعدة الاقتصادية للسلطة ولغزة.

في عقدة التوترات

بين المثالية والواقعية – من جهة يصل بايدن إلى منصبه مع التزام معلن بأجندة وسلم قيم ليبرالي من الحرية والمساواة المدنية وبين الجنسين وحقوق الإنسان، من مدرسة التيار التقدمي المتعزز في الحزب الديمقراطي. من جهة أخرى، سبق لبايدن أن جرب “نتائج غير مخطط لها” لخطوات التحولات في الشرق الأوسط، التي تحفّظ على بعضها عندما كان نائب الرئيس. وإن من شأن أجندة الديمقراطية وحقوق الإنسان أن تثير احتكاكاً حقيقياً بين الإدارة وحلفاء أمريكا التقليديين في المنطقة وعلى رأسهم السعودية ومصر. وتشير تعيينات بايدن في مجال الأمن القومي (بلينكن، ساليبن) إلى أن الرئيس كفيل بأن يفضل الخط الواقعي في السياسة الخارجية الأمريكية.

بين جدول أعمال عالمي ومحلي – مثل إدارتي ترامب وأوباما قبله، المنافسة مع القوى العظمى الأخرى الصين وروسيا، والتي هي جزء من أجندة حفظ النظام العالمي الليبرالي، ستكون العنصر السائد في سياسة الخارجية الأمريكية. ولا يزال الشرق الأوسط هو إحدى المناطق التي تدور فيها هذه المنافسة. وقد تضطر إدارة بايدن إلى الاستثمار فيها وتبقي فيها وجوداً عسكرياً بل وتكون مستعدة لاستخدامها عند الحاجة كجزء من الحفاظ على مكانة الولايات المتحدة كقوة عظمى. وذلك على نحو خاص في ضوء تجربة السنوات الماضية التي تدخل فيها روسيا إلى “الفراغ” في كل مكان تقلص فيه الولايات المتحدة تدخلها (سوريا، ليبيا، البحر المتوسط).

بين التقليص والتدخل والانجذاب – الشرق الأوسط في سلم أولويات ثانوي من ناحية إدارة بايدن بعد معالجة ملحة لـ “الأمراض” الاجتماعية – الاقتصادية الداخلية، والمنافسة مع القوى العظمى وترميم مكانة الولايات المتحدة في الساحة العالمية. وفي العقود الأخيرة، وبالذات عندما سعت الولايات المتحدة لتقليص وجودها في الشرق الأوسط، عادت لتجتذب إليه على خلفية أحداث 11 أيلول، والربيع العربي، وانتشار “داعش”.

في نظرة إلى الأمام يلوح التحول النووي الإيراني و”رفع رأس” محافل الإرهاب في الدول التي تقلص فيها الوجود الأمريكي، وعلى رأسها أفغانستان.

بين الدبلوماسية واستخدام الأدوات العسكرية – يعلن بايدن بأن الدبلوماسية ستكون الأداة المركزية في السياسة الخارجية الأمريكية. وقد يفهم بأن امتناع ترامب وأوباما عن استخدام القوة كلف الولايات المتحدة المس بمصداقيتها وقوتها. الشرق الأوسط يختبر سلوك بايدن لتشخيص الضعف، وقد يكتشف بأن الدبلوماسية وحدها، دون تهديد عسكري، لن تكفي لتحقيق الأهداف الأمريكية.

عقدة التوترات بين المصالح والقيم والأهداف في سياسة الإدارة الخارجية تنعكس في مسائل إقليمية ملموسة على جدول الأعمال.

إيران، وبايدن، إلى جانب وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي، هم من مهندسي الاتفاق النووي، ويؤمنون به ويسعون إلى العودة إليه. خطوة معناها رفع العقوبات. وفقدان رافعة العقوبات سيصعب على الإدارة تحقيق التزامها في تعديل مواضع خلل الاتفاق النووي. وهذا السلوك سيرفع إدارة بايدن إلى مسار احتكاك وتوتر مع حلفائها – الدول العربية وإسرائيل. وهذه سترى في العودة إلى الاتفاق مع رفع العقوبات والامتناع عن التهديد العسكري، خطوات تعزز مكانة إيران في المنطقة في ظل تجاهل سجل طهران في مجال الإرهاب وحقوق الإنسان.

اتفاق إبراهيم – يبدو أن استمرار ميل التطبيع يخدم مصالح الأطراف المشاركة، بما في ذلك السعودية الساعية لتقليص التوترات والاحتكاك مع الإدارة الوافدة. وستواصل إدارة بايدن الميل، ومعقول أيضاً ألا تسارع إلى الاستثمار في استئناف المسيرة السياسية بين إسرائيل والفلسطينيين، التي تتدنى احتمالات نجاحها في هذه الظروف. وسيسعى بايدن إلى استعادة مكانة الولايات المتحدة كوسيط نزيه وإعادة حل الدولتين إلى الخطاب، وهو يتعرض لضغوطات في الموضوع الفلسطيني من الجناح اليساري في الحزب. وبالتالي، سيخلق صلات بين المراحل التالية للتطبيع وبين الالتزام العربي في السياق الفلسطيني، مثل اشتراط العلاقات بالامتناع عن خطوات من طرف واحد (المستوطنات؟).

بيع السلاح – وضعت مسيرة التطبيع مستوى عالياً من تورد السلاح الأمريكي المتطور للدول العربية. وستطلب السعودية وقطر ومصر ودول أخرى ما حصلت عليه الإمارات. وسيدخل بيع السلاح المليارات إلى الصندوق الأمريكي ويخلق آلاف أماكن العمل في فترة الانتعاش من الأزمة الاقتصادية. وبالمقابل، تعهدت إدارة بايدن بوضع حد للتدخل الأمريكي في حرب اليمن، تتماثل مع انتقاد الديمقراطيين للمس الواسع بالأبرياء وفي مواضيع حقوق الإنسان في دول الخليج، ملتزمة بالحفاظ على التفوق النوعي لإسرائيل. وفي ضوء الرفض الأمريكي لتزويد دول المنطقة بالسلاح المتقدم، قد تتوجه هذه إلى شرائه من روسيا مما يلزم بايدن قانونياً بفرض عقوبات عليها.

تركيا – وفقاً لتقديرات إدارة بايدن فإنها ستبدي خطاً حازماً أكثر تجاه أنقرة التي أصبحت لاعباً إشكالياً في الشرق الأوسط. وينتقد بايدن خطوات أردوغان المناهضة للديمقراطية وسياستها الإقليمية من حيث الخط الإسلامي المتطرف، وشراء منظومات S-400 من روسيا، واستعراض القوة في حوض البحر المتوسط، والمس بالأكراد في سوريا، وغيرها. وستسعى إدارته أيضاً إلى الامتناع عن الاحتكاك مع عضو في الناتو، وستحاول منع تقرب تركيا من روسيا التي وصفها بايدن نفسه كتهديد خطير.

إسرائيل وإدارة بايدن

ستضع إدارة بايدن استراتيجية وسياسة تجاه الشرق الأوسط، وسيضطر فيها إلى المناورة بين التوترات والمصالح المتضاربة والحذر من ألا تلتصق به صورة أوباما المتصالحة مع الأعداء والمغتربة عن الحلفاء. وسيختار بايدن خطاً وسطاً، فلن يتجاهل السلوك الإشكالي “للدكتاتوريين” كما فعل ترامب، ولكن سيضع أمامهم مطالب أقل من تلك التي وضعها أوباما.

قد تتخذ إدارة بايدن نهجاً واقعياً ولن يكون موضوع التحول الديمقراطي في المنطقة الوتد المركزي في سياسته. وستتأثر هذه بنهجه تجاه إيران التي يلوح كنقطة أرخميدس تحدد عمق التدخل الأمريكي وتصمم علاقاتها مع حلفائها في المنطقة.

وسيكون لموقف إسرائيل في هذا السياق وزن وتأثير على القرارات التي تتخذ والاتجاهات التي يتم اختيارها.

وفي هذا السياق، فإن خطوات أحادية الجانب من إسرائيل سيعتبرها بايدن تقييداً له، مما سيؤثر على قدرة إسرائيل في التأثير على عملية تصميم سياسته في الشرق الأوسط.

 

بقلم: أودي أفينتال

معهد السياسة والاستراتيجية IPS 4/1/2021



مقالات أخرى للكاتب

  • كيف تنظر إسرائيل إلى سلوك "بايدن" أثناء الحرب على غزة؟
  • ما معنى أن يوقع منصور عباس على تشكيل الائتلاف مع بينيت ولبيد؟
  • هل يمكن أن يكون السنوار من بني البشر؟

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق





    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي