أعطني سينما أعطيك حرب انسانية !
2020-10-22 | منذ 1 شهر
ثريا الشيباني
ثريا الشيباني

وأنت تعد العدة للحرب عليك أن تتفقد أسلحتك وذخائرك والجيش الذي ستحارب به ولا تنسى في خضم ذلك أن تتفقد السينما، وإن كنت لا تملك سينما مؤهلة فلا تحارب.
أما إن كنت قد أعددت للحرب سينما مدججة بالسيناريوهات والمشاهد فبامكانك أن تغزو أي مدينة وتأخذ منها حاجاتك من البترول و الغاز والمعادن وتترك الباقي على السينما لتصور نيران حربك أمطاراً تغسل وعثاء الإنسانية.
مهما كانت حربك قبيحة ستجري لها السينما أكبر عمليات التجميل لتبدو للمشاهد "الحرب المنقذة".
حطمت السينما المقولة الشهيرة " المنتصر في الحرب مهزوم" فالسينما ستجعل منك منتصراً حتى في الحرب التي تنهزم فيها لأنك ستختار الهزيمة كحل إنساني مع أن النصر في متناول يديك.
يترك أفراد جيشك حياة الرفاهية في وطنهم ويلبون نداء الانسانية في مكان يحفه الموت متجاهلين بكاء ذويهم.
يتردد مقاتلوك كثيراً قبل أن يقتلوا الأطفال والنساء الذين تظهر صورهم في صفحات الجرائد و قنوات التلفاز إلا أن المشاهد السينمائية ستشهد أن ذلك الطفل أو المرأة كان يحمل عبوة ناسفة يعتزم تفجيرها أمام دبابات جيشك التي قطعت مشواراً صعباً لتحمي السلام في هذة المنطقة، فيجد القناص نفسه مجبراً على تصويب الرصاصة ودموعه تنهمر في مشهد سينمائي يصور القناص ينزف وجعاً ولا تظهر صورة الضحية.
قد يهاجم كلب ٌ أحد جنودك فيهرب دون أن يباشر الكلب بطلقة ترديه قتيلاً، فهو لم يأت ليقتل الكلاب بل الإرهابيين وحسب، رجالاً كانوا أو نساءً أو أطفالاً، وهذا لا يتناقض مع مشاهد الفيلم التي تحكي عن مهارة القناص المبكرة في الصيد، فهو منذ نعومة أظافره كان بارعاً في صيد الأرانب والغزلان البرية التي لم يسبق أن هاجمته، ولكن قدرها أن تكون مواد تعليمية لتدريب جيشك على حماية السلام في العالم، وهكذا تكون حيواناتك البرية أيضاً جزءً من الجيش الذي يحمي السلام العالمي.
لا باس أن يروج فيلمك للتدخين حين يحكي أحد الجنود في مشهد كوميدي فضل التدخين في حماية يده الناجية من انفجارٍ ما، حين رفعها ليضع السيجار في فمه فبتر الانفجار يده الأخرى وقدميه ، و لو حدث الانفجار قبل أن يضع السيجار في فمه لخسر كلتا يديه مع قدميه، و كان قد قرر أن يقلع عن التدخين إلا أنه اقلع عن قراره بعد هذا الحادث.
ليس عليك أن تخشى الأخبار المتداولة عن عودة جنودك مثقلين بالصدمات النفسية ويخضع عدد كبير منهم للعلاج النفسي والتي قد يفسرها المحللون على أنها نابعة من عدم رضاهم عما فعلوه في الحرب أو أنهم لم يروا لهذه الحرب مبرراً حقيقياً، لا تقلق فالسينما ستقنع المشاهد أن ذلك نابع من إنسانيتهم العالية حتى وهم يقتلون مجرد إرهابيين، كما أن مشاهد الدمار وما لقيه رفاقهم على ايدي الإرهابيين المتوحشين في ذلك البلد لا تغادرهم، وقد يظهرون غير فخورين بما أنجزوه ليس لأنه لا يستحق الفخر بل لأنهم يتضامنون حتى مع اولئك المجرمين ويتمنون لو أنهم لم يضطروا لقتلهم.
أما إن كنت تحرم السينما وتعتبرها من عمل الشيطان فحتى دفاعك عن وطنك سيكون عملاً ارهابياً، بل حتى لو فكرت في أي حراك سلمي ستجعل منك السينما خطراً على الإنسانية وأفكارك أخطر من الأسلحة النووية، وبهذا تكون الحرب عليك والتنكيل بك هو عمل إنساني، وفي كفاحك لن تنقذ سوى تجارة السلاح من الكساد، ستكبر الحرب عليك لتغدو بنداً في موازنة أكبر اقتصادات العالم والذي يسمى "مكافحة الارهاب"، البند الذي يتدفق من ميزانية الدول المهددة بأعمالك الإرهابية ليصب في ميزانية الدول الحامية للسلام.

*كاتبة وأديبة يمنية



مقالات أخرى للكاتب

  • جنون النسوة

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق





    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي