من سيلعب دور "إيسيكس مان" الذي كان سلم ثاتشر مفاتيح السلطة؟
2020-10-17 | منذ 7 يوم
جون رينتول
جون رينتول

عندما سنَّ سايمون هيفر، المؤرخ والمجادل المحافظ عبارة "إيسيكس مان" (ابن مقاطعة إيسيكس) في عمود غير موقع باسمه، نشرته صحيفة "صانداي تلغراف" في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1990، أدرك الجميع على الفور من كان يعني بذلك. فقد كانت مارغريت ثاتشر، التي كان معجباً بها بشكل غير عادي، قد بنت هيمنتها على امتداد 11 عاماً على قاعدة الدعم الذي تلقته من ناخبي الطبقة العاملة الذين اشتروا بيوتهم من المجالس البلدية، واعتقدوا أن مستوى معيشتهم كان يتحسن، بحيث لم يريدوا أن يقوم حزب العمال بنسف تلك المبادرة.

وسرعان ما صارت العبارة على كل شفة ولسان في أوساط المحللين السياسيين. وبلغت الكلمة ذروة الرواج في الساعة 11.22 من ليل الخميس 9 أبريل (نيسان) عام 1992، حين أعلنت (نتائج تصويت منطقة) بازيلدون، وكانت مدينة جديدة في مقاطعة إيسيكس، عن إعادة انتخاب النائب المحافظ ديفيد آميس ممثلاً لها في مجلس العموم، رغم تأرجح الأصوات ضده بنسبة 1.3 في المئة، علماً بأن المدينة تصدرت قائمة الدوائر التي كان يعتقد أن لحزب العمال حظوظ أوفر للفوز فيها. واللافت أن نسبة التراجع تلك في أصوات المحافظين لم تكفِ لإيصال نيل كينوك، الزعيم العمالي الأسبق، إلى رئاسة الوزراء.

وكانت هذه الظاهرة الاجتماعية - السياسية راسخة في المجتمع البريطاني قبل أن تحظى بهذا الاسم، حيث إن "إيسيكس مان" وعائلته تم وصفهما من قبل المشرفين على استطلاعات الرأي، بـ"سي 2 إس" [C2s] (طبقة العمال التي اختارت التصويت لصالح المحافظين رغم ولائها السابق لحزب العمال)، وذلك في وقت كانت فيه عبارة "إيسيكس" لا توحي بمفهومها الانتخابي بقدر ما كانت مرتبطة بالصورة النمطية الجنسية (الجريئة) لسيدات تلك المدينة. وكان هؤلاء هم العمال اليدويون المتوفرون على مهارات مهنية، ممن أعجبوا بثاتشر، وكانوا مصدر الكثير من الفخر في صفوف حزب المحافظين.

في المقابل، قضى حزب العمال وقتاً طويلاً للتأقلم مع التحول في القاعدة الطبقية في ما يتعلق بالمنافسة بين الحزبين الرئيسين. وفي أعقاب كل من انتصارات ثاتشر الانتخابية الثلاثة في 1979 و1983 و1987، انتقدت بعض أطراف حزب العمال الوعي الزائف لدى العمال اليدويين الطموحين، ممن اتهموا بالتصويت ضد مصالحهم الطبقية.

كانت تلك هي الفترة التي تخللتها تغيرات كبيرة ليس في السياسة البريطانية وحدها، وإنما في السياسة عبر أنحاء العالم. ففي الولايات المتحدة، عرف المعادل لـ"إيسيكس مان" باسم "ريغان ديموكرات" (ديمقراطي ريغان) الذي عاش في مقاطعة ماكومب القريبة من ديترويت، بعدما سلطت عليه الضوء دراسة لناخبي الطبقة العاملة هناك أجراها ستان غرينبيرغ، خبير استطلاعات الراي الذي عمل لاحقاً لدى كل من الرئيس بيل كلينتون وتوني بلير.

وفي بريطانيا، كان الانتماء الطبقي هو المحدد الرئيس للسلوك الانتخابي منذ صعود حزب العمال ومنح الحق بالتصويت للجميع. والآن بدأت الأمور تتغير شيئاً ما. فقد باتت المؤهلات الدراسية العليا التي يحملها الاحترافيون من أبناء الطبقة المتوسطة مؤشرات على الرغبة بالتصويت لصالح المحافظين. إلا أن انتخابات عام 1987 شهدت تغيراً غير مسبوق تمثل في ترجيح أن يصوت عشر الناخبين، الأعلى من حيث التحصيل الدراسي لصالح حزب العمال، وذلك أكثر من أولئك الأقل تعليماً عالياً.

وحتى عندما عزز المحافظون من شعبيتهم المتنامية لدى شطر من أبناء الطبقة العاملة، كان هناك شطر من أبناء الطبقة المتوسطة يذهب في الاتجاه المعاكس.

وقدم الاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي وصفاً مفصلاً للتوجه نفسه في الولايات المتحدة وفرنسا، حيث بدأ انتقال الناخبين من هذا الجانب إلى ذاك في الولايات المتحدة عام 1972. وكان هذا حين بدأ عشر الناخبين الأرفع تعليماً يصوتون للديمقراطيين بشكل أكبر من عشر الناخبين الأقل تحصيلاً دراسياً. أما في فرنسا، فقد حصل التحول في 1973 (من الضروري تحديد كل هذا بتذكير أنفسنا أن السنوات التي يقضيها المرء في المعاهد التعليمية لا تعني تماماً تعليما "عالياً").

لقد أثار التحول في بريطانيا واحداً من أكبر نزاعات علوم السياسة في مرحلة ما بعد انتخابات 1983 التي فازت فيها ثاتشر بأغلبية بلغت 144 مقعداً في مجلس العموم، فيما أخفق "حزب الديمقراطيين الاجتماعيين"، المنشق عن حزب العمال، في تحقيق اختراق انتخابي. فهل كان فشل حزب العمال (الحفاظ على ناخبيه التقليديين) دليلاً على "انتقال طبقي"؟ أم كان "مجرد تأرجح من دون اتجاه" بسبب مكائد حاكها سياسيون؟

في النهاية، كان الجواب يتمثل في (الجواب عن) هذين السؤالين. فأهمية الطبقية كانت تتضاءل أمام تغيير طبيعة السلوك الانتخابي، بيد أن ذلك لم يكن يعني أن حزب العمال محكوم عليه بالفشل، لأن "إيسكيس مان" تحول إلى "مونديو مان"، وهو الرجل الذي أشار إليه توني بلير في خطابه أمام مؤتمر حزب العمال عام 1996 (يمتلك سيارة فورد من طراز مونديو). قال بلير الذي كان يتحدث حينذاك عن انتخابات 1992 وسبب هزيمة حزب العمال فيها "التقيت رجلاً كان يلمع سيارته من نوع فورد سييرا". يمكننا القول إن هذا الرجل نفسه كان (إيسكيس مان)، مع أن بلير زعم أنه رآه في منطقة ميدلاندز. كان هذا الرجل يعمل لحسابه الخاص ككهربائي: "لقد اعتاد أن يصوت لحزب العمال، غير أنه اشترى بيته الخاص، وأسس شركته الخاصة. وبدأ يحقق أرباحاً". وهكذا أصبح الآن يصوت للمحافظين.

وبحلول انتخابات 1997 حلت سيارة فورد مونديو محل فورد سييرا، كما حل بلير محل ثاتشر لجهة تبوؤ المركز المهيمن في السياسة. وجاءت تسميات سوسيولوجية أخرى ثم راحت. وكان هناك غزل عابر مع "امرأة ورسيستر"، فطبقاً لأحد الحسابات كانت ورسيستر دائرة انتخابية احتاج حزب العمال للفوز بها كي يشكل حكومة أغلبية، لكن فوز الحزب بقيادة بلير بمقاعد دوائر انتخابية على شاكلة إينفيلد ساوثغيت التي كان يمثلها مايكل بورتيلو وزير الدفاع (في حكومة المحافظين) في أطراف لندن، أدى إلى ترك "امرأة ورسيستر"، وشأنها بعيداً.

وبالفعل، فقد خطفت منها الضوء "امرأة بازيلدون"، حين استطاعت أنجيلا سميث، وهي الزعيمة الحالية لأعضاء مجلس اللوردات من حزب العمال، أن تفوز أخيراً بمقعد منطقة بازيلدون باسم حزب العمال.

لقد أبلى حزب العمال في ظل بلير بلاءً حسناً بين ناخبي كل من الطبقة الوسطى والطبقة العاملة. ولم يعد "الانتقال الطبقي" للظهور إلا بعد وصول جيريمي كوربين لزعامة حزب العمال. وعلى الرغم من إضفاء الأخير هالة مثالية على الطبقة العاملة، فقد اكتمل في ظله نزع الطابع الطبقي عن السياسة البريطانية. وهكذا تحول حزب العمال في انتخابات 2017 و2019 إلى حزب يقترب بشكل أكبر من الطبقة الوسطى. وبحلول موعد انتخابات العام الماضي، لم تبقَ هناك فوارق طبقية واضحة بين ناخبي العمال وناخبي المحافظين.

وهاجر "إيسيكس مان" متوغلاً في الشمال، إلى "الجدار الأحمر" الذي يضم المقاعد التقليدية التي كان عادة ما يفوز بها حزب العمال، وقد ظل محتفظاً ببعضها لقرن من الزمن، إلى أن سقطت في يد المحافظين خلال انتخابات ديسمبر (كانون الثاني) الماضي.

والسؤال المهم ما هوية المجموعة الديموغرافية الأساسية في الانتخابية المقبلة؟ قد يكون ميدان المعركة في تلك الانتخابات هو أبناء الطبقة المتوسطة الليبراليون من المتعلمين تعليماً عالياً، والذين يقيمون في المقاطعات القريبة من لندن، حيث يعتبرون نسخة طبق الأصل لـ"إيسيكس مان"، إذا شئتم. ومن يدري أي اسم جذاب سيبتكر للإشارة إليهم، علماً بأنهم يعيشون في مناطق مثل كانـتربـري التي فاز بها العمال بقيادة جيريمي كوربين واحتفظت النائبة روزي دافيلد بمقعدها النيابي العام الماضي؛ وأيضاً (حي) كينزينغتون (في غرب لندن)، التي فاز بها حزب العمال ثم خسرها. ويمكن لهؤلاء الأشخاص أن يكونوا موجودين أيضاً في مناطق كاد حزب العمال أن يكسبها عام 2017، والتي ستكون دوائر مستهدفة في الانتخابات المقبلة.

ومن هذه الدوائر الانتخابية تشيبينغ بارنيت الواقعة حالياً على حدود مدينة لندن الكبرى، لكنها كانت عادة في مقاطعة هيرتفوردشاير؛ وتشينغ فورد، الكائنة أيضاً على أطراف لندن الكبرى حالياً بيد أنها كانت في مقاطعة إيسيكس (وطن إبن إيسيكس الحديث، ربما)؛ وكذلك دائرة "سيتيز أوف لندن أند ويستمنستر" في قلب العاصمة لندن التي خاض تشوكا أومونا النائب العمالي السابق، المنافسة عليها باسم حزب الديمقراطيين الأحرار في المرة الأخيرة؛ وهناك إيست ورثينغ وشورهام في مقاطعة ويست ساسيكس؛ وأيضاً دائرة ويكومب في مقاطعة باكينغهام شاير التي يمثلها حالياً في البرلمان ستيف بيكر، وهو رئيس "مجموعة البحوث الأوروبية" المؤلفة من نواب محافظين من المُعادين للاتحاد الأوروبي.

في الواقع ليس لعبارة "امرأة المقاطعات القريبة من لندن" نفس الوقع بالنسبة لـ"إيسيكس مان"، لكن يمكن أن تكون الإناث اللاتي يحملن شهادات جامعية في جنوب شرقي إنجلترا هن من سيأخذن مكان ابن مقاطعة إيسيكس ومن أتوا بعده في سلسلة أصحاب القرار الانتخابي، ليحددن نتائج الانتخابات في المستقبل.

 

*المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع



مقالات أخرى للكاتب

  • جونسون يحارب موظفي الدولة.. فمن سينتصر؟
  • غالبية جونسون البرلمانية قد لا تضمن استمراره في الحكم
  • توني بلير تحدث إلى حزب العمال بما يود سماعه

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق




    شخصية العام

    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي