الجبهة الثورية من الميدان إلى المدينة
2020-10-11 | منذ 7 شهر
محمد جميل أحمد
محمد جميل أحمد

بتوقيع الجبهة الثورية اتفاقاً شاملاً للسلام بينها وبين الحكومة الانتقالية، دخل حيز التنفيذ قبل أسبوع، أي منذ توقيع الاتفاق في يوم 3 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، تدخل فصائلها الثورية فصلاً جديداً من ممارسة العمل السياسي من داخل المدينة، بعد سنوات طويلة من الكفاح المسلح.

وفي الفترة بين التوقيع على الاتفاق بالأحرف الأولى في الأول من سبتمبر (أيلول) الماضي، والتوقيع النهائي على الاتفاق يوم 3 أكتوبر الحالي؛ كانت الجبهة قد أرسلت وفداً إلى الخرطوم سمي "وفد مقدمة الجبهة الثورية" برئاسة ياسر عرمان، من أجل تنوير الشعب السوداني، من خلال فعاليات كثيرة مع جهات مختلفة لشرح طبيعة هذه الاتفاقية والظروف التي أدت إلى نجاحها، نظرياً على الأقل، والفرص التي توفرها لجميع الأقاليم المهمشة إلى جانب التواصل المباشر في مهام العمل السياسي التنسيقي مع قوى الحرية والتغيير من داخل الأطر التنظيمية؛ إذ إن الجبهة الثورية، هي أيضاً، جزء من قوى الحرية والتغيير.

الملاحظات السياسية للتنوير، الذي كشف عنه وفد مقدمة الجبهة الثورية من خلال المنابر الإعلامية السودانية كالفضائيات والصحف، عبر العديد من شخصيات الوفد نساءً ورجالاً من أمثال؛ إبراهيم زريبة، ومعتصم أحمد صالح، وستنا محمود، ونمر عبد الرحمن وآخرين، عكست وعياً عميقاً وأفكاراً متماسكة حول العديد من القضايا المتصلة بالسياسة والسلام في المرحلة المقبلة.

التفكير السياسي في خطاب أعضاء وفد مقدمة اللجنة الثورية وآرائهم حول السلام والديمقراطية والانتقال السياسي، بدا واضحاً في كونه رؤية سياسية أثبتت لنا، بصورة ما، أن هذه الحركات التي حملت السلاح هي في صميمها حركات مدنية سياسية اضطرت اضطراراً لحمل السلاح.

ولهذا فإن المرحلة المقبلة من المرحلة الانتقالية التي تم تمديدها عاماً لتكون ثلاث سنوات مقبلة منذ بدء التوقيع النهائي للاتفاقية، ستعتبر مختبراً حقيقياً لأعمال السياسة والسلام في ممارسات فصائل وأحزاب الجبهة.

وإذا بدا لكثيرين أن قسوة الحرب وسنواتها الطويلة ربما تكون الأكثر تكلفة وتعقيداً، وهذا صحيح في عمومه، فإن تكلفة مرحلة السلام المقبل وتعقيداته المتصلة برهانات عديدة وتحديات كبيرة هي الأصعب في تقديرنا حتى من مرحلة الحرب.

إن اتفاقية سلام جوبا التي أطلق عليها "اتفاقية الاتفاقيات"، لتكون اتفاقية مفتوحةً وقابلة للإضافة عليها، نظراً للتطورات التي قد تقتضيها تحولات السلام في المستقبل كاحتمال انضمام حركات ثورية أخرى وذات وزن كبير مثل حركتي؛ عبد الواحد محمد نور "حركة جيش تحرير السودان"، فيما حركة عبد العزيز الحلو "الحركة الشعبية شمال جناح الحلو" ستستأنف المفاوضات في الأيام المقبلة؛ كل ذلك يعكس استعداداً نبيلاً من قبل طرفي الاتفاقية؛ الحكومة الانتقالية، من ناحية، والجبهة الثورية، من ناحية أخرى، وهو ما يدل على أن الجدية هذه المرة والإصرار على تطبيق محتوى اتفاق سلام جوبا يعتبر أبرز رهانات الطرفين.

إن اتفاقية جوبا للسلام تكمن فرادتها في أنها أولاً، تعتبر اتفاقية "سودانية – سودانية"، وهذا يعني أنها اتفاقية خالية من الوسطاء الدوليين في مستوى التفاوض المباشر، وثانياً تعتبر الاتفاقية التي كتبت بلغة عربية سهلة وميسرة، من خلال محتوى واضح ودقيق دالة على استبعاد أي سوء تفاهم قد ينشأ من ترجمة المصطلحات في فهم الوسطاء الأجانب، كما كان الحال في الاتفاقيات السابقة التي كانت تكتب باللغة الانجليزية؛ كـ"اتفاقية نيفاشا"، وذلك نتيجة لخضوعها لضمانات دولية ووسطاء دوليين، لم يكن في وسع نظام الإنقاذ التهرب من ضغوطهم في شروط التوقيع، وإن كان نظام الشير، بعد ذلك غدر بكل ما تم الاتفاق عليه، ما أدى إلى انفصال جنوب السودان عقب انهيار اتفاقية نيفاشا، التي أخل النظام البائد بشروطها، كما أخل في الوقت ذاته ببنود اتفاقية أسمرا بينه وبين جبهة الشرق عام 2006، ما أدى إلى خروج القيادي أسامة سعيد، الذي انضم، بعد ذلك، إلى الجبهة الثورية عبر مؤتمر البجا المعارض، أحد التنظيمين الموقعين على مسار الشرق، فيما بقي موسى محمد أحمد رئيس مؤتمر البجا مع نظام البشير في منصب مساعد الرئيس حتى 9 أبريل (نيسان) 2019 يوم سقط البشير، على الرغم من إخلال النظام ببنود الاتفاقية مع حزبه.

إن فصل السلام والسياسة الجديدين في أعمال الجبهة الثورية للمرحلة الانتقالية المقبلة سيفرضان على الجبهة شروطاً مختلفة من مقتضيات العمل السياسي الداخلي وتحدياته، سواءً لجهة العمل داخل تحالف قوى الحرية والتغيير؛ الحاضنة السياسية لحكومة الثورة، أو عبر العمل البيني، أي بين أحزاب وحركات الجبهة الثورية ذاتها والبالغ عددها عشرة فصائل، أو عبر تنفيذ المهام الدقيقة لمواد الاتفاقية مع الالتزام بحساسية التطبيق الجاد لهذه المواد التي ستكون المحك التجريبي لرهان الجبهة الثورية على إدارة مرحلة السلام، فهذا السلام الذي ولد بعد سنة كاملة من المفاوضات الشاقة وثبت حقوقاً دستورية غير مسبوقة للأقاليم المهمشة، لا بد أن تنعكس تطبيقات مواده ومقرراته وفق روح ومصداقية عاليين لناحية جدية الجبهة في ظل وضع مُوَاتٍ، ومن ناحية ثانية؛ لتثبت استحقاقاً يؤهلها للوفاء بوعود ضامني السلام من حيث التمويل الذي ستضمنه دول ومنظمات إقليمية وعربية وعالمية.

إن الفرص التي يتهيأ بها السلام اليوم ستختبر حرص الجبهة الثورية على انتهاز لحظة وطنية تاريخية وفرتها الثورة الجسورة للسودانيين، فأكبر ما يتمناه السودانيون اليوم؛ أن تكون وعود الجبهة الثورية جديةً في تطبيق فصل السلام للمرحلة الانتقالية المتبقية بما يعكس اختباراً ناجحاً يجنبها أخطاء تنظيمات قوى الحرية والتغيير، التي تعثر معها مشروع التغيير الثوري الحقيقي طوال العام الماضي من المرحلة الانتقالية.

 

* المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي الموقع



مقالات أخرى للكاتب

  •  شرق السودان... معارضو المسار وعقدة التفاوض
  • ورشة مؤتمر نظام الحكم.. الثورة تنتصر
  • مأزق العنصرية السياسوية في شرق السودان!

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق





    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي