حتى جون بول سارتر لم يكن حرا كما يدعي

2021-03-29 | منذ 1 شهر

الفارق جلي أحيانا بين التنظير للحرية وممارستها

أبو بكر العيادي*

حفظنا منذ الصّغر القولة التي تنسب إلى عمر بن الخطاب "متى استعبدتم النّاس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحرارا" فهل نحن أحرار فعلا، والحال أن الموانع والنواهي، والقواعد والواجبات، والقوانين والتشريعات تُخضعنا باللّين أو بالشّدة إلى قبول ما نأباه منذ نعومة أظفارنا؟ فنحن حتّى في الأوقات التي يخيّل إلينا أنّ الاختيار ممكن نكون مقيّدين عن وعي أو غير وعي بعادات وتقاليد وتابوهات تعمل عمل الأمر والنهي. ألا تكون الحرية في النهاية مجرّد وهم؟

تحيل الحرية في الخطاب اليومي إلى قدرة كلّ إنسان على ألا يطيع سوى نفسه، ويعمل وفق إرادته، فيتصرف فقط حسب رغباته، بعيدا عن أي إكراه أو تعبير خارجي. بهذا المعنى، كل إنسان يشعر عفويّا أنه حرّ، لمجرد أنه قادر على اختيار مسائل واتّخاذ قرارات، أيّا ما تكن أهميتها.

أما الفلاسفة فقد ميزوا فيها ثلاثة مفاهيم: أولا مفهوم ميتافيزيقي، هل الإنسان حرّ أم تحدّده إكراهات لا سيطرة له عليها؟ إن كانت السّببَ الأول في اختياره، فإن له حرية الاختيار، وهو أمر يصعب إثباته.

  رغم تعدد تعريفاتها فإن الحرية تدخل في حقل التأمل الأخلاقي والاجتماعي والسياسي ولها علاقة بالذات والآخر

ثانيا نجد أن الحرية مفهوم أخلاقي. وحسب كانْت، بما أن الحرية لا يمكن إثباتها ينبغي اقتراحها حتى تكون الأخلاق ممكنة. فالكائن الحرّ هو وحده الذي يمكن أن يختار بين الخير والشّرّ، فلكي يؤدي الواجب ينبغي أن يكون ذلك في مقدوره. وفي رأيه أن الكائن الأخلاقي هو وحده الذي يمكن أن يكون حرّا، لتصبح الحرية صنوا للاستقلالية الذاتية. أما من يريد التمتع دون مانع أخلاقي فهو متفسّخ ليبرتاري.

الحرية تكمن في أن يفعل المرء ما يريد، أي أن يحقق كل رغباته (لوحة: نهاد ترك)

والحرية ثالثا مفهوم سياسيّ، حيث يوضع المواطن الحرّ مقابل العبد، فهو حرّ بمقدار ما يمليه القانون، وعندما تمارس عليه الدولة بعض الإكراهات نسميها دولة ليبرالية. وإذا رأى أن القوانين تبالغ في إرغامه على ما يكره وتصادر حريته فهي دولة استبدادية.

الحرية التي تغنّى بها بول إيلوار والشابّي وشوقي هي الحرية السياسية، والمطمح المشروع لكل شعب يرفض الخضوع لحكم لا يمثله، كي لا تكون طاعته إياه خضوعا ومذلة. ولكن الحرية بمعناها العام هي حالة الفرد الذي لا يخضع لإكراه، ويتصرف طبقا لإرادته وطبيعته، أي أن يكون بإمكانه أن يفعل ما يحلو له، لكون الحرية مطلبًا عفويّا وكونيّا أمام كلّ عائق.

غير أن ذلك المطلب يتغير بتغير الفرد، فهي لدى السجين أن يكون حرّا في الذهاب حيثما يشاء، وللمريض أن يأكل ما يشتهي، وللعامل أن يتخلص من المشقّة، وللغنيّ أن يزداد ثراء ولو على حساب من يستغل طاقاتهم، وللمتحيّل أن يواصل تحيّله دون عقاب، وللطفل أن يلهو بما يهوى ويحطّم لعبه ولعب أترابه… وهو ما كان تعرض له أفلاطون منذ غابر الأزمنة.

حرية الاختيار

عرّف أفلاطون الحرّ بأنه ذلك الذي يتعلم كيف يتخلّص من أهوائه، حيث بيّن كيف أن كالّيكليس في حواره مع سقراط كان يعتقد أن الحرية تكمن في أن يفعل المرء ما يريد، أي أن يحقق كل رغباته، فاستخلص أن مثل هذه الحياة لا تقود المرء إلا إلى العذاب والشقاء، لأنه سوف يصبح حينئذ عبدًا لشهواته، فتنتفي بذلك حريته.

ومن ثَمّ، فضّل عليها أفلاطون حياة يسيّرها العقل، كما تمثلها الحكمة السقراطية، لأن الحكيم يميز بين الرغبات التي يمكن اتباعها أو العدول عنها، ويحسن قيادَ نفسه بنفسه ليبلغ حرية إرادة حقيقية. ما يعني أن الحرية الحق هي حين يصبح الإنسان مسؤولا عن أفعاله، قادرا على تحملّ تبعاتها.

ولكن أغلب من كانوا مع حرية الفرد وحرية الاختيار أعطوا قيمة كبرى للتجربة الحميمة، الفورية التي يقوم بها المرء إزاء حريته، فحرية إرادتنا كما يقول ديكارت “تُعرف دون دليل من خلال التجربة التي نمارسها”، أي “التجربة الفورية” بعبارة برغسون؛ ولكن هل يمكن أن نقنع بالشعور بحريتنا كي نقتنع بوجودها؟ وهل ينبغي المرور بتجربة حريتنا كي نبرر ذلك الشعور؟

سبينوزا مثلا كان يعتقد أن شعورنا بالحرية ليس سوى وهم طبيعي، مردّه إلى سببين اثنين، أولهما أن مصدر الوهم البشري بأن ثمة حرية اختيار هو الجهل بالأسباب التي تدفعنا إلى الفعل، والحال أن الإنسان يتحدد أيضا من خلال وقوعه تحت تأثير أسباب خارجية.

الحرية هي شرط إمكان، وجوهر الحياة الأخلاقية التي يعرف بواسطتها الإنسان واقع حريته (لوحة: هبة العقاد)

وفي رأيه إن البشر يحسبون أنفسهم أحرارا ولكنهم في الواقع مرغمون أو محدّدون بطبيعتهم. وثانيهما أن البشر يفخرون بكونهم أحرارا لأن الرغبة في أن يكون الإنسان حرّا، ولو توهّما، تدغدغ نرجسيته وتغذي كبرياءه أكثر من فكرة أن يكون محدّدًا كله بعوامل فيزيولوجية وسيكولوجية واجتماعية… أي أن سبينوزا يعارض الفكرة القائلة إن الإنسان يملك سلطة تسمح له بتجنب قوانين الطبيعة، وإن له حرية الاختيار، ففي رأيه أن الحرية تكمن في معرفة الحاجة، أي في وصولها إلى الأفكار التي تتناسب مع علاقتها بالعالم. والحر عنده هو من يعمل وفقا للطبيعة.

أما كانْت فيؤكد أن الحرية هي شرط إمكان، وجوهر الحياة الأخلاقية التي يعرف بواسطتها الإنسان واقع حريته، فلكي يكون الإنسان متخلّقا في نظره ينبغي أن يكون حرّا، لأنه لو أرغم بطبيعة بيّنة الطيبة والعدل والغيرية فإنه لن يكون سوى مسيَّرٍ فكريّا، ولو أرغم بطبيعته الحساسة للأنانية فلن يكون سوى آلية مادية.

التأمل والوهم

لقد تناول المفكرون هذه القضية خلال القرن العشرين من شتى جوانبها، واقترحوا لها ثلاث مقاربات: أُولاها الحصر السببي، فبين ماركس ونيتشه وفرويد أن حرية الاختيار لدينا ليست سوى وهم، وأن حريتنا ليست سوى مظهر، لأن سلوكنا تفسره مسارات استلاب أيديولوجية، إذ يظل خاضعا لقوى تقويم أو صور رغبةٍ لاواعية.

والثانية، التأويلية الظاهراتية، حيث اقترح هايدغر وسارتر وريكور وصفا للحرية كمشروع أصالة أو قرار في تأويل سلوكنا، ولكنهم غفلوا عن الإجابة عن حرية الاختيار. هل يمكن أن نتصرف بشكل مغاير؟ وأن نتبنى هذا السلوك أو عكسه؟

وأما الثالثة فهي الفلسفة التحليلية التي تطرح المسألة في شكل كونيّ مجرّد: هل نملك القدرة على التصرّف في هذا الاتجاه أو ذاك بعيدا عن الظروف الداخلية والخارجية؟ وتجيب: بتحليل الكلام وحده، وهي إجابة تفتح على تضارب بين الطروحات، حيث تتوالى الحجج عن هذا الرأي ونقيضه إلى ما لا نهاية.

وأيّا ما تكن التّعريفات فإن الحرية تدخل في حقل التأمل الأخلاقي والاجتماعي والسياسي إذا كانت لها علاقة بالذات والآخر، أما إذا كانت وهمية فإن المسؤولية الأخلاقية والقانونية لكل فرد تزول.

ويبقى الفارق جليّا أحيانا بين التنظير والممارسة؛ فسارتر، الذي كان يؤمن بأن كل إنسان يمكن أن ينتزع نفسه من الوضع الذي لم يختره، ظل حبيس الأيديولوجيا الماركسية ولم يجرؤ على إدانة تجاوزاتها، حين صار منفذوها قتلة يقمعون شعبهم ويضطهدون شعوبا أخرى. وهو بذلك يناقض نفسه حين يقول “إن قدر الإنسان أن يكون حرًّا”، ولكن لم يأبه بمن تاقوا إلى الحرية فوجدوا أنفسهم عرضة للنفي والسجن والتعذيب والقتل.

كذلك حال بعض الشعوب التي يصحّ فيها قول أبي القاسم الشّابي ” ترضى بذلّ القيود، وتَحْني لمن كبّلوها الجباه”، وتصرخ رغم ذلك عاليا إنّها تنعم بالحرية.

يقول سبينوزا “ليس أشدّ رِقًّا من عبدٍ يتوهّم أنّه حرّ”.

 

  • كاتب تونسي


إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي