

كسب الكيان الاسرائيلي بعد حرب 67 أوراقا إستراتيجية للمساومة، أثرت بشكل فعلي على القضية الفلسطينية وحولت مسار أهدافها من "التحرير الكامل" الى "التعايش الفلسطيني الإسرائيلي"، كما عجلت النكسة باحتلال ما تبقى من فلسطين مع توسع هستيري للمستوطنات الامر الذي أدى الى فرار الآلاف من الفلسطينيين بسبب المذابح الصهيونية وبدافع الخوف.
وكانت أعمال اسرائيل الاستفزازية قد دفعت مصر لاغلاق خليج العقبة للسفن الإسرائيلية وبدأت استنفار قواتها في شهرمايو/ أيار عام 1967 و كذلك سوريا و الأردن.
في 5 يونيو /حزيران قامت إسرائيل بالعدوان على الدول العربية الثلاث المذكورة مدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية ونتيجة للتفوق التقني والعسكري الهائل تمكنت اسرائيل خلال 6 أيام من احتلال شبه جزيرة سيناء و قطاع غزة و الجولان و الضفة الغربية والقدس الشرقية، وبذلك أصبحت القدس بكاملها تحت الاحتلال الإسرائيلي.
ووفقا لإحصائيات هيئة الأمم المتحدة أدى هذا العدوان إلى تشريد نصف مليون فلسطيني إضافي إلى مصر وسوريا و لبنان و الأردن.
يذكر أن مجموعة الأراضي العربية الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية بلغت 89359 كم أي ما يزيد على أربعة أمثال الأراضي المحتلة قبل الحرب.
ويذكر أن عدد الفلسطينيين المتواجدين في الأراضي الفلسطينية عشية الحرب كان 2.25 مليون فلسطيني، أي يمثلون ما نسبته 70% مقابل 30% من اليهود.
وبعد خمسة أشهر على وقوع النكسة، بدأ الاستيطان الإسرائيلي في الضفة وغزة بإنشاء أول مستوطنة يهودية هي "مستوطنة كفار عتصيون" بالضفة، وفي العام الأول بعد النكسة أقيمت أكثر من 14 مستوطنة، ووصل إلى فلسطين حوالي 13 الف مهاجرا يهوديا.
ورغم اتساع المقاومة الفلسطينية التى كانت أفرزتها حرب 48، الا أن النكسة ساهمت بشكل كبير في تغيير ملامح النضال العربي تجاه القضية الفلسطينية أبرزها خروج فصائل المقاومة الفلسطينية من الأردن عام 1971، حيث أدى ظهور الخلافات الحادة بين قيادات فصائل المقاومة والنظام الحاكم في الأردن الى اندلاع صدامات عسكرية بين الطرفين أدت إلى مقتل اكثر من 5000 فلسطيني في "أيلول الأسود" عام 1970، وقد أدت الوساطات العربية والمفاوضات بين الطرفين إلى الاتفاق على خروج فصائل المقاومة من الأردن، حيث استقرت المنظمة بعد ذلك في لبنان.
يقول الكاتب السوري فادي عرودكي "لا شك أن النضال الشعبي العربي بعد النكسة تغيرت حدته ووجهته بمرور السنين، فتراجعت أهمية القضية الفلسطينية نسبيا على عدة ساحات عربية "الساحة اللبنانية في الحرب الأهلية رغم أن القضية الفلسطينية كانت أساس المشكلة وجوهر الخلاف، الساحة المصرية بعد كامب ديفيد وعزل مصر عربيا، الساحة العراقية بعد حربي الخليج، الساحة الخليجية بعد احتلال الكويت.." وظهر من العرب من يلقي القضية الفلسطينية على ظهور الفلسطينيين وحدهم وكأن العرب غير معنيين، وظهر خلاف "فلسطين كاملة أو الضفة وغزة".
ورغم شن مصر و سوريا هجوما مفاجئا على القوات الإسرائيلية في 6 أكتوبر/ تشرين الأول في سيناء و الجولان حيث تعرضت القوات الإسرائيلية لأضرار بالغة غير أن التدخل السريع للولايات المتحدة الأمريكية وفتحها جسرا جويا لنقل المعدات العسكرية بشكل عاجل إلى إسرائيل أحدث التوازن.
وكان عبور القوات المصرية لقناة السويس وتحطيم "خط بارليف" العسكري الذي أقامته إسرائيل على الشاطئ الشرقي للقناة من أهم إنجازات هذه الحرب العسكرية. وأسفرت الحرب عن تحرير الأراضي المصرية المحتلة عام 1967 فقط.
وفيما اعتبر بعض الملاحظين أن حرب أكتوبر بمثابة النقطة المضيئة الوحيدة فى تاريخ الصراع العربى الاسرائيلي، الا أن البعض الآخر يرى أن حرب 73 لم تستطع محو مرارة النكسة ولا تبعاتها السياسية والاقتصادية بل على العكس مهدت الطريق لمعاهدة السلام المر بين اسرائيل والعرب تاركة الفلسطينيين غارقين في وحلها.
و صدرعقب الحرب القرار 338 عن هيئة الأمم المتحدة الذي يدعو إلى السلام العادل والشامل في الشرق الأوسط. وفي منتصف السبعينيات تحول هدف منظمة التحرير من "التحرير الكامل" إلى "التعايش الفلسطيني الإسرائيلي" الذي طرحه الزعيم الراحل ياسر عرفات في خطابه بالأمم المتحدة في 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 1974، والذي أعلن فيه استعداد الشعب الفلسطيني للتعايش مع اليهود في ظل دولة ثنائية القومية، لكن إسرائيل رفضت هذا الطرح متجاهلة قرارات الأمم المتحدة، وقدمت طرحا بديلاً في كامب ديفد عام 1978 يقوم على مقايضة الحكم الذاتي الفلسطيني "في المناطق التي يقيم فيها الفلسطينيون في الضفة والقطاع" مقابل الاعتراف بإسرائيل وحقها في الوجود، وهذا الطرح رفضته منظمة التحرير. ورغم إعتراف الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة بمنظمة التحرير الفلسطينية فى عام 1974 كممثل للشعب الفلسطيني، وبمشروعية مقاومة الاحتلال من أجل تحرير الأوطان المحتَلَّة، الا ان منظمة التحرير تخلت في 1988 عن شعار الدولة الديمقراطية "الثنائية القومية"، وأعلنت قبولها بالحل الواقعي القائم على تقسيم فلسطين إلى دولتين: إسرائيل ضمن حدود 1967 ودولة فلسطين في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشرقية.
وبعد تولي حكومة اليمين برئاسة مناحيم بيجين الحكم في إسرائيل، تصاعدت سياسة الاستيطان في الضفة الغربية و قطاع غزة بهدف عرقلة الانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967. وعين ارييل شارون الذي كان وقتها وزيراً للزراعة، قائدا لحركة الاستيطان حينما رأس لجنة الاستيطان حتى عام 1981.
وبين النكبة والنكسة كان استرجاع فلسطين موضوعا مفروغا منه لدى العرب وكان النضال الشعبي متجها في هذا الاتجاه لكن الهزيمة أدت إلى فقدان الثقة بالأنظمة العربية والشعور بعدم الأمان، وبالتالي ضياع ما تبقى من فلسطين.
ويرى محللون أن "النكبة محطة أساسية في تحول "العصابات" الإسرائيلية إلى جيش. والنكسة محطة أساسية أخرى في منح الجيش الإسرائيلي إمكانية التحول إلى دولة بمضمون حقيقي".
فالهزيمة في نظر هولاء أدت إلى النظر للكيان الصهيوني كقوة لا تهزم وهو ما رسخ وجودها في العقول العربية بعد أن ترسخ وجودها أصلا على أرض الواقع، كما أدت الهزيمة لانقسام النضال بين مصرّ على استعادة فلسطين كاملة وبين من يطالب بالواقعية والاكتفاء بالضفة وغزة.
هذا النقاش بدا خجولا بعد النكسة، لكنه تصاعد بعد حرب تشرين/أكتوبر وأصبح أكثر وضوحا بعد كامب ديفيد ثم بات "الهدف الواقعي" و"الخيار العقلاني" للمفاوضين العرب والفلسطينيين بعد مؤتمر مدريد، وهذا يعني أن القضية الفلسطينية لم تعد قضية مركزية بل صارت قضية قطرية هامشية.