فورين بوليسي: هكذا تلاعب تقرير ماكرون حول استعمار الجزائر بالحقائق

2021-02-02 | منذ 4 شهر

واشنطن-وكالات:على الرغم من حصول الجزائر على استقلالها عن فرنسا، لا يزال المستعمر المهزوم يسعى لإملاء تاريخ الأمة. ومع اقتراب الذكرى الستين للهزيمة الساحقة لفرنسا عام 1962، فإنَّ الدولة المسؤولة عن واحد من أبشع الأحداث في التاريخ الاستعماري مُصمِّمة على التحكم في سرد التاريخ، كما تقول نبيلة رمضان، الصحفية والكاتبة في مجلة Foreign Policy الأمريكية.

وتحقيقاً لهذه الغاية أصدرت حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون تقريراً جديداً عن ذكرى الاستعمار والحرب الجزائرية، ووضعت بحزم ختم الموافقة الرئاسية على وثيقة متحيزة إلى حد مؤسف. حيث تحاول حكومة ماكرون في هذا التقرير وصف كيف ولماذا تظل العلاقة بين الجزائر وفرنسا مضطربة وتقدم مقترحات للتحسين: كل شيء من تحسين المعلومات العامة حول الاستعمار إلى إعادة القطع الأثرية المنهوبة إلى الجزائر يقترح لتعزيز العلاقات الدبلوماسية الجزائرية الفرنسية.

ما الذي فشل فيه تقرير ماكرون حول استعمار الجزائر؟

بيد أنَّ التقرير يثير الكثير من الجدل بالفعل بسبب ما فشل في التوصية به؛ وهو تقديم اعتذار، كما تقول نبيلة وهي مذيعة فرنسية جزائرية الأصل، حائزة على جوائز عدة.

وعلى الرغم من فقدان الجوهرة في إمبراطوريتهم بعد أكثر من قرن من القهر المميت، بما في ذلك الجرائم المتواصلة ضد الإنسانية، لا يزال الفرنسيون يعتقدون على ما يبدو أنهم لم يكونوا بالوحشية الكافية التي تستلزم إبداء الندم.

وفي تجاهل لاستخدام النابالم وغرف الغاز للقضاء على المدنيين، والمذبحة ضد المتظاهرين الجزائريين في البلدات والمدن الفرنسية، بما في ذلك باريس، والاستخدام المنهجي للتعذيب، أو إرهاب منظمة الجيش السري القومية المتطرفة، التي تألفت من ضباط الشرطة والجيش الفرنسيين المعارضين لتحرير الجزائر، أصر المتحدث باسم ماكرون، عند تقديم الوثيقة الجديدة المكونة من 146 صفحة، على أنه "لن يكون هناك ندم أو اعتذار". وكان الغرض السياسي الظاهري من هذا البيان هو منع استخدام التاريخ لإحداث المزيد من الانقسام، لكنه في الواقع يسمح لفرنسا بالتهرب من المسؤولية.

وبدلاً من الاعتذار والتعويضات وإمكانية الملاحقات القضائية، يبدو أنَّ العبارات الرمزية والرغبة في التقليل من شأن الجرائم، التي يعجز اللسان عن وصفها والحية في الذاكرة، هي ما وجه المؤرخ بنيامين ستورا، الأكاديمي المقيم في باريس، في إعداد التقرير.

ماكرون

هناك أيضاً الكثير من التلاعب في تقرير رئاسة ماكرون حول الجزائر

ويتضح هذا على الفور بتركيز ستورا، فيما يُفترَض أنه "تحقيق تاريخي على الهجمات الوحشية الأخيرة التي نفذها الإرهابيون الإسلامويون" في فرنسا، وليس على وحشية الاستعمار. ويشير ستورا تحديداً إلى الجرائم البشعة التي لا علاقة لها بالجزائر على الإطلاق، بما في ذلك قطع رأس مدرس على يد حامل جواز سفر روسي في إحدى ضواحي باريس، و3 عمليات قتل لرواد كنيسة كاثوليكية على يد مهاجر تونسي في مدينة نيس الجنوبية.

ومع ذلك ووفقاً لمنطق ستورا المُضلِّل، فإنَّ مثل هذه الفظائع مرتبطة في الواقع بالجزائر الحديثة. ويشرح لاحقاً هذه الصلة غير المؤكدة؛ إذ كتب أنَّ تثقيف الشباب المسلمين حول "الاستعمار والحرب الجزائرية" هو "ضمانة ضرورية" ضد انتشار "الإرهاب الإسلامي".

وما يفعله ستورا هو تكرار خطاب ماكرون المثير للجدل، في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، الذي تحدث فيه عن "الانفصالية الإسلامية"، و"صدمات الماضي الاستعماري" لفرنسا- وخاصة الحرب الجزائرية- "مما يغذي مشاعر الاستياء الكامنة"، التي يُزعَم أنها تؤدي إلى تطرف الشباب وتنفيذ هجمات إرهابية.

وفي هذا الصدد هناك الكثير من الأدلة التي يمكن لستورا التحقق من صحتها. على سبيل المثال، قتل الفرنسيين نحو 45000 مدني جزائري في مدن سطيف وقالمة وخراطة والمناطق المحيطة بها على مدار بضعة أيام في مايو/أيار 1945 وحده. وصارت فرنسا، بلد التنوير الذي ادعى أنه يسعى إلى تنفيذ "مهمة حضارية" في الخارج، مشهورة بهذا النوع من الإبادة الجماعية التي ارتكبتها في الجزائر.

واستخدمت فرنسا أيضاً الصحراء الجنوبية للجزائر حقلاً للتجارب النووية. بالإضافة إلى 11 مليون لغم أرضي زرعها الفرنسيون في مساحات شاسعة من البلاد، أسفرت عن مقتل وتشويه عشرات الآلاف من الجزائريين.

وانتقلت تكتيكات القمع الاستعماري من الجزائر إلى البر الرئيسي لفرنسا عندما فُتِحَت النيران على ما يصل إلى 300 رجل جزائري شاركوا في مظاهرة سلمية مؤيدة للاستقلال، وتعرضوا للضرب والتعذيب حتى الموت أو الإغراق في نهر السين بباريس، على يد الشرطة، وعلى مرأى ومسمع من الجميع، في ليلة 17 أكتوبر/تشرين الأول 1961. وظلت عشرات الجثامين تطفو في الأسابيع اللاحقة.

ووصف المؤرخون هذه المذبحة بأنها "الأكثر دموية بين الحملات القمعية من الدول ضد احتجاجات الشوارع في أوروبا الغربية في التاريخ الحديث". وحقيقة أنه لم تُجرَ محاكمة واحدة على الإطلاق فيما حدث، تكشف الكثير عن السرية والتعتيم، والظلم الذي يشعر به الضحايا الناجون.

وإلى جانب عدم تطرق التقرير لأي اعتذار، فإنَّ التوصية الرئيسية التي يقترحها هي إنشاء "لجنة ذاكرة وحقيقة" برئاسة ستورا، التي ستحاول الخروج بدليل نهائي لما حدث بالفعل.

وهذه اللجان ليست بالجديدة؛ فقد شكَّلت جنوب إفريقيا واحدة في محاولة للتعافي بعد نظام الأبارتهيد (الفصل العنصري). واعتبر الكثيرون جلسات استماع اللجنة بنّاءة بسبب كشفها الحقائق على التلفزيون المباشر.

واستشهد ستورا بهذه اللجنة وغيرها نموذجاً على بعثات تقصي الحقائق. ومع ذلك ربما تكون هذه اللجان قد عجَّلت بالمصالحة أو وضعت النهاية للملفات ذات الصلة، لكنها لم تحقق العدالة للضحايا وعائلاتهم.

المشكلة ليست في عدم وجود أدلة بل بعدم الاعتراف بها

وفيما يتعلق بالمعلومات المتاحة حول الجزائر، تنتظر ستورا مهمة شاقة؛ فلطالما تمتع جلادو فرنسا بالحماية. وحتى عام 1999 كانت الحكومة الفرنسية لا تزال تسمي الحرب نفسها "عمليات الحفاظ على النظام" أو مجرد "الأحداث". ومن ثم، فإنَّ المشكلة ليست في "العثور على الأدلة"، بل تكمن في الاعتراف الموجود منها. ويمتلك الفرنسيون المحفوظات الكاملة، لكنهم يعترضون على الكشف الكامل عنها.

منذ الاستقلال جعل الفرنسيون من الصعب للغاية الحصول على وثائق أرشيفية ولم يتم عمل الكثير لحل هذه المشكلة المتعلقة بالملفات المصنفة كأسرار دولة.

ويأتي جزء كبير من معارضة البحث الدقيق في وقائع التاريخ من أولئك الذين لديهم خلفية مرتبطة بالجبهة الوطنية، وهو حزب يميني متطرف أسسه جان ماري لوبان، من قدامى المحاربين المشاركين في حرب الجزائر، المشتبه بارتكابه أعمال تعذيب هناك، وهو الآن مدان بجرائم عنصرية.

ويتظاهر تقرير ستورا العقيم بالاهتمام بالعدالة، بينما في الحقيقة يتكتم على الجرائم الاستعمارية، ويعكس كذلك أنَّ ماكرون يبذل كل ما بوسعه لمحاولة كسب مؤيدي منافسته الانتخابية مارين لوبان، رئيسة حزب "الجبهة الوطنية".

وهذا متوقع من ماكرون. فقد زار مهندس السياسات الجزائر خلال حملته الانتخابية في عام 2017 وقال إنَّ الاستعمار كان "جريمة ضد الإنسانية.. وبربرياً حقاً، وهو جزء من الماضي الذي نحتاج إلى مواجهته بالاعتذار لضحايا هذه الأفعال".

ولا يمكن لأحد فهم كيف يتفق هذا التصريح مع أحدث بيانات قصر الإليزيه، لكن التناقض بين عامي 2017 و2021 يكشف عن قدر كبير من التهكم السوداوي لماكرون عندما يتعلق الأمر بتحقيق أهدافه السياسية التي تخدم مصالحه.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي