كونها الأولى من نوعها منذ سنوات.. هل تنجح طرابلس والقاهرة في مد جسور العلاقات مجدداً؟

متابعات الامة برس:
2020-12-30

زايد هدية: لا يزال الجدل الذي أثارته الزيارة التي أجراها الوفد الرسمي المصري إلى العاصمة الليبية مستمراً، كونها الأولى من نوعها منذ سنوات وجاءت بعد قطيعة كاملة وتوتر كبير في العلاقات بين الحكومة المصرية وحكومة الوفاق، استمرت سنوات طويلة.

وبعيداً من الخلفية السياسية للزيارة، التي لا تزال التحليلات والآراء تقلبها يميناً ويساراً، فقد مهد التقارب بينهما مد جسور الثقة بين الجانبين، بحسب ما أعلنا بعدها، ليظل رهن سير وتطور الأوضاع في المشهد الليبي التي لا تستقر على حال.

وكان أبرز ما اتفق عليه الطرفان خلال الزيارة، استئناف العلاقات الاقتصادية في أقرب وقت، وتفعيل عدد من الاتفاقات المعطلة، وعلى رأسها "الحريات الأربع"، الموقع بينهما خلال السنوات الأخيرة من حكم القذافي في ليبيا، وتعرض تطبيقه لانتكاسات عدة خلال السنوات التي تلتها.

ما هو اتفاق الحريات الأربع؟

اتفاق الحريات الأربع الموقع بين مصر وليبيا بداية التسعينيات من القرن الماضي، عبارة عن حزمة مشتركة تمنح مواطني البلدين الحق في "الإقامة والعمل والتنقل والتملك" في الدولتين الجارتين، وينص على منحهم حرية التنقل والإقامة من دون الحاجة لتأشيرة دخول، وكذلك حق العمل والتملك كل في دولة الآخر.

وكانت ليبيا أول من أخل بالاتفاق قبل سقوط نظام القذافي بعامين، إذ فرضت في يونيو (حزيران) 2009 تأشيرات دخول على المصريين المتجهين إلى أراضيها، وأغضب القرار وقتها السلطات المصرية، التي اعتبرته تفريغاً للاتفاق من مضمونه.

ونص قرار السلطات الليبية وقتها، الذي اشتهر باسم القرار رقم (218)، على أن "الدبلوماسيين ورجال الأعمال والزوار الحكوميين، هم فقط المعفيون من الحصول على تأشيرة دخول ليبيا، بينما فرضتها على باقي المصريين، من خارج الفئات الثلاث" .

وكان نظام القذافي فرض قبلها بسنوات مجموعة من القيود على العمالة المصرية، بداية من العام 2004، بتوقيع وزيري القوى العاملة في مصر عائشة عبدالهادي، ومحمد معتوق من ليبيا آنذاك، مذكرة تنص على أن "العمالة المصرية يتم توظيفها من خلال عقود عمل توثق في السفارة الليبية بالقاهرة، ووزارة القوى العاملة، على أن يكون صاحب العمل حاصلاً على موافقة من السلطات الليبية على استجلاب عدد من العمالة".

وأدى ذلك إلى غلق الحدود البرية في وجه من لا يملك عقوداً موثقة للعمل في ليبيا من المصريين، ولم يعد مسموحاً لأي مصري لا يحمل عقد عمل موثقاً، الذهاب إلى ليبيا إلا من خلال السفر جواً.

وتعللت ليبيا وقت اتخاذ هذا القرار للمسؤولين المصريين بأن "الغرض منه تنظيم العمالة الوافدة إليها بما يتفق ومصالح الدولة العليا، ولمواجهة ظاهرة الهجرة غير الشرعية، التي أصبحت تسبب قلقاً للدول الأوروبية بالبحر الأبيض المتوسط، بخاصة إيطاليا آنذاك".

بعد الثورتين

بعد اندلاع الثورتين الليبية والمصرية في 2011، ونجاحهما في إسقاط نظامي معمر القذافي وحسني مبارك، رفعت بداية القيود المفروضة على مواطني البلدين عند التنقل بينهما، وألغيت التأشيرات، التي أعيد فرضها من الجانبين بعد تعثر اتفاق الحريات الأربع.

لكن التطورات التي جدت على مسرح الأحداث في البلدين خلال السنوات التالية، بخاصة الصدام الذي وقع بين السلطات المصرية وجماعات الإسلام السياسي والتنظيمات المتطرفة في البلاد، وتردي الأوضاع الأمنية في الجارة الغربية لمصر إلى مستويات غير مسبوقة، وظهور تنظيم "داعش" وتمدده في ليبيا، وإنشاء قواعد له على مقربة من الحدود المشتركة خصوصاً في درنة، دفعت القاهرة إلى تشديد القيود على دخول الليبيين إلى أراضيها لأسباب أمنية بحتة.

وفي العام 2015، أصدرت مصلحة الهجرة والجنسية بالداخلية المصرية قراراً يفرض تأشيرات دخول على المواطنين الليبيين من سن 18 إلى 50 عاماً. وفي أغسطس (آب) 2017، خفضت السلطات المصرية سن المواطنين الليبيين المسموح لهم بدخول مصر، من دون الحاجة للحصول على تأشيرة، لتصبح لأقل من 18 وفوق 45 عاماً، مع السماح لليبيين من أمهات مصرية بالدخول إلى الأراضي المصرية من دون قيود.

صعوبة التنفيذ

ويرى أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية الليبي، علي الفايدي، أنه "من الصعب تطبيق اتفاق الحريات الأربع بين مصر وليبيا قبل استقرار الأوضاع في الأخيرة بشكل كامل، والاتفاق على حكومة موحدة وأشخاص منتخبين، يضمن الالتزام بما يتفق به الجانبين الليبي والمصري في هذا الشأن، بخاصة في ما يتعلق بحرية التنقل، لأن خطر التنظيمات الإرهابية في الجوار الليبي لا يزال قائماً، وإن كان أقل مما كان عليه في السنوات السابقة، لكن النشاطات الفردية لمتطرفين ليبيين أو أجانب لم تتوقف".

وأضاف، "أيضاً حرية التملك للمواطنين والمستثمرين المصريين تقع في دائرة الأخطار الأمنية في ليبيا لانتشار السلاح فيها، ووجود جماعات متخصصة في الحرابة والسرقة، لهذا أعتقد من دون ضمانات واضحة من السلطات الليبية سيبقى تنفيذ هذا البند حلماً بعيد المنال".

اتفاقات معلقة

في السياق، أعلن الجانبان الليبي والمصري، عقب زيارة أجراها وفد الأخيرة إلى طرابلس، الأحد، تفعيل عدد من الاتفاقات الموقعة بينهما منذ سنوات عدة، التي تعطل تنفيذها بسبب الظروف السياسية والأمنية في البلدين، أبرزها تلك الموقعة في 3 يوليو (تموز) 2008، بين اللجنة العليا المصرية الليبية بالقاهرة، التي تم خلالها التوقيع على اتفاق استراتيجي للتعاون الاقتصادي بين البلدين.

ونص الاتفاق وقتها، على تحديد المشاريع الاستثمارية المشتركة، ودفع قيمة الاستثمارات الليبية في مصر، وتقديم الأخيرة فرصاً استثمارية بنحو 8 مليارات دولار من خلال مشاريع عدة، أهمها الرافد الرابع بمشروع "توشكي"، التي تعتمد على مياه النيل، وأراضي الفرافرة بالوادي الجديد، المعتمدة على المياه الجوفية، والاتفاق على إقامة خط غاز طبيعي من مدينة طبرق إلى الإسكندرية، وإنشاء مصفاة للنفط غرب الإسكندرية بتمويل ليبي. كما تم الاتفاق على إنشاء المنطقة الصناعية والخدمية الحرة المشتركة، من مرسى مطروح حتى طبرق في نهاية العام 2008، واستثمار 5 مليارات دولار ليبية في ثلاثة مشاريع للطاقة في مصر، وفتح 500 محطة وقود فيها .

وعلى الرغم من أن أغلب هذه المشاريع جُمدت خلال السنوات الماضية، فإن الاتفاقات الخاصة بها لم تلغ، وكانت طوال السنوات الماضية تنتظر تحسن الأوضاع في البلدين لمنحها قبلة الحياة، واستئنافها لتعطي دفعة هائلة لاقتصاد البلدين، كما أن دخول منافسين جدد لمصر على الساحة الليبية، وتوقيعهم اتفاقات تتقاطع مع نظيرتها الموقعة مع القاهرة، يجعل إحياءها محل تساؤل كبير.








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي