الشعر الحديث يستطيع أن يصور حياة الفقراء والمهمشين

الامة برس-متابعات:
2020-12-25 | منذ 4 شهر

الشاعر المصري محمد الحمامصي

محمد السيد إسماعيل: لن تعرف دلالة "يده الأخيرة"، عنوان ديوان الشاعر المصري محمد الحمامصي – الصادر حديثاً عن دار "أروقة" في القاهرة، إلا بقراءة المقطع الثامن من قصيدة "خطيئة" في الديوان نفسه، فضمير الغائب في "يده" لا يعود إلى اسم سابق لنتبين معناه، هناك إذن حالة إرجاء لهذا المعنى وإثارة للتساؤلات المشروعة حول كنه هذا "الشيء". هل هو الشعر؟ أم الحب؟ أم "مبدأ" مفتقد؟ ثم يتضح الأمر حين يضرب الشاعر أفق توقعاتنا ونعلم أنه ذلك العجوز الذي "باعه الوطن/ وطعنته الأفواه والأيدي والأقدام/ وبرى جسدَه التراب"، والذي ظل "خائفاً أن يفقد يده/ يده الأخيرة التي يستند إليها بقاؤه". وهذا يعني أن هذا العجوز قد فقد كل شيء، ولم يعد يملك إلا قوة يده الواهنة التي تستند عليها حياته كلها، والتي لولاها لفقد هذه الحياة وأصبح وجوده مهدداً.

هذا البعد الاجتماعي الذي يصور حياة الفقراء والمهمشين شديد الوضوح في هذا الديوان، حيث نجد إشارات للجوع الذي يعد مرادفاً للموت... "الجوع لا بيت له ولا طريق/ لكنه هنا/ موت يطارد الحياة". فالجوع لا يسكن في بيت ولا حتى في طريق عام، بل يطارد – في صورة استعارية تشخيصية – الحياة. لكن الشاعر لا يصور هذا تصوير المشاهد المحايد بل تصوير المتورط في فعل المواجهة بين القتلة وهؤلاء الجوعى الذين يخاطبهم على هذا النحو "هم بانتظاركم لو تيسر القتل/ فتحَت الشوارع أبوابها/ نادت: هلم إليّ/ أيها الجوعى المقهورون/ حرروا أيديكم وأفواهكم/ اقطفوا الأعناق/ اتخذوا منها كتاباً يقرأه القادم والعابر". فبغض النظر عن المجاز المتداوَل في نداء الشوارع وفتح أبوابها نجد أنفسنا أمام أسلوب مباشر يدعو إلى المواجهة ويذكرنا بقول أمل دنقل "أيها الواقفون على حافة المذبحة/ أشهروا الأسلحة".

ولا يدفع الشاعر إلى هذه المباشرة إلا فداحة ما يراه حوله من وجوه هشمها الفقر وشوارع ملأها الخوف وبيوت أصبحت قبوراً لأهلها. والشاعر يتعامل بوصفه واحداً من هذه الجماعة البشرية المقهورة يتعرض لما تتعرض له ويعيش مأساتها حيث "قفزوا عليه/ قادمين من كل فج عميق/ قطعوا ذراعيه ورجليه/ هشموا صدره/ خصوه وأبقوا على رأسه حصالة/ يجمعون فيها ما مزقه من تاريخهم".

جحيم أرضي

توضح هذه السطور أن الشاعر لا يتلقى فعل القهر فحسب شأن غيره، بل إنه يكشف زيف تاريخ هؤلاء القاهرين؛ هذا الكشف الذي يصل لحد التفكيك والتمزيق، وكما كان يقول ساراماغو "أطلق زمام أمرك للطفل الذي كنته"، فقد توحد الحمامصي مع ذلك الصبي الغر الذي ربما يكون هو الذي توهم أن الطريق آمن إلى أن ركلوه بألسنتهم ورؤوسهم وأيديهم وأرجلهم حتى طفح الدم على روحه وكأننا أمام "جحيم أرضي" يمد الشاعر فيه يديه فلا يجد "سوى خيال عابر لعمرٍ كان"، له وهو لا يملك في هذه الحالة سوى تمني الرجوع إلى رحِم الأم في رحلة عكسية ينسحب فيها من الحياة؛ يقول في ذلك "دخلت النهار/ كما دخلت الليل/ وحيداً أبحث عن رحِم أمي". بل إنه يتمنى لو أصبح غباراً في الهواء لأنه تيقّن أنه "لم يعش ليرى جسده/ وقتَه ومكانه"، وأنه مجرد ظل روح أو غبار نور وفرح ليس له أن يكون. 

 ديوان الشاعر محمد الحمامصي (دار أروقة)

ولا شك في أن هذه المشاعر السلبية ترجع إلى إحساسه بالموت الذي يحيط بكل شيء: البيوت والشوارع والإنسان واختلاطه بالحياة أو تبادلهما المواقع كما يتضح من قوله "قدماي تحملانني ميتاً/ وأقدامكم تحملني حياً/ يا لها من معركة لا تقدس أحداً". وربما كان هذا مما يفسر شيوع دوال من قبيل: الصحراء والفراغ والعراء الذي يتهيأ – كل يوم – لاستقباله كما لو كان قدراً لا يستطيع رده؛ يقول – مثلاً – في تصوير ذلك الفراغ والخواء "لا مطر في الغرفة/ اترك زهورك على الباب وغادِر"، أو قوله "لا شيء يعدل رقصة المذبوح/ على باب غرفة موارب".

وتصل هذه العدمية أقصاها حين يشتهي الشاعر الموتَ ويراه ملاذاً، يقول "مت سريعاً ولا تعر التفاتة غضب أو عقد أو شفقة أو حب أيّ اهتمام/ مت قبل ألا تجد الموت".

باب للرجاء

والحقيقة أن هذه رؤية مأساوية للحياة؛ لكن الشاعر لا يتركنا في هذا الإحساس العدمي التراجيدي بل يفتح باباً صغيراً للرجاء رغم كل ذلك الفراغ حين يقول "لا باب هناك/ لا غرفة/ لا مساء/ لكنه يفضل أن يظل معلقاً برجاء". وتظل الأنثى هي الملاذ الكبير للخروج من هذه الحالات، فهو يستحضرها حقيقة حتى لو كانت وهماً حين يقول "قال إنه ليس وهماً/ إنها سمعت غناء روحه/ ورأت تقلب وجهها في عينيه/ إن الكرسي والطاولة والكأس والرائحة/ شهودٌ على موعدٍ كان/ قال وأغلق الباب وكفّ عن الانتظار". وهو يستريح لذلك الوهم؛ لأنه على يقين من أن "كل شيء في غيابها فراغ"، وأنها الملاذ الذي يحميه من قتلة الأحلام حين "التحف بأنفاسها/ عارياً من الخوف/ مطمئناً أن لا أحد مِن قتلة الأحلام سيراه". بل إن الصحراء التي هي – في بعض تأويلاتها – رمز للجدب تصبح ساحة للأنوثة الضارية على نحو ما نرى في قوله "لا باب للصحراء/ ليغلق به على أنوثتها الضارية"، وهو ما يفتح باب الإيروتيكية التي يقدمها الشاعر في صور كنائية لا تجنح إلى المباشرة الفجة.

والحق أن الشاعر لا تستغرقه هذه الإيروتيكية ولا يبالغ فيها؛ لأنه مشغول بموضوعة أخرى وهي ذلك الصراع بين الجسد والروح الذي يصوره على نحو درامي في قوله "وحيداً في زاوية المقهى/ يتابع حركتها/ فك أزرار قميصها/ صعوده على لحمها/ حواسها/ وصراعها مع الروح". واللافت أن يربط الشاعر بين اللذة التي تتجاوب مع النزعة الشهوانية والألم حين يقول "أحب أن أرى ألمي في عينيها/ أن ترى ألمها في عينيّ/ فقط/ وقت اصطدام الماء بالماء". أو قوله "أغلقت الباب وقالت لي: اصرخ/ حتى تتورم الجدران من هول الألم".

انتقالات المعنى

وإذا كانت دلالات السطور السابقة في الشاهدين مقدمة من خلال الأسلوب الخبري لتأكيدها فإن الشاعر يستخدم – في سطور أخرى – الأسلوب الإنشائي للدلالة على الحيرة والتحسر والدهشة... "لماذا على جسده أن يسقط مرتطماً في حِجرها/ لماذا عليه أن ينزف/ لماذا عليه أن يصرخ ألماً/ كلما قاربَت روحُه على الخلاص؟".

ومع ذلك، فإنه يرى ذلك الألم خيراً مِن الفراغ أو الوحدة أو فقدان الخيال... "أن يكسر كأسه بيديه/ ويغرزها قطعة قطعة في لحمه/ خيرٌ له من أن يرقص وحيداً/ من أن يعانق فراغاً"، بل وأكثر من ذلك يرى أن أظافر الحبيبة التي ترعى في جسده أقل قسوة من خيال ميت. وهناك ما يمكن أن نسميه "انتقالات المعنى"؛ حين يورد الشاعر معنى متداولاً في التراث أو ذاعَ من خلال أحد الأبيات ويضمنه داخل نصه... "أمام عينيها/ يهذي بأي شيء/ يضحك لأي شيء/ وينسى أن يقول/ ما جاء لقوله". فهذه السطور تذكرنا بقول مجنون ليلى "وما هو إلا أن أراها فجاءة/ فأبهت حتى لا أكاد أجيب". والحق أننا نستطيع أن نقول إن الشاعر أكثر انحيازاً للروح في مقابل الجسد، وهذا ما يتجلى في قوله "بُعدكِ/ يكفي لتطهير الجسد لكنه لا يكفي لتحرير الروح". وهذا يعني أن تحرير الروح غايته الأخيرة المنشودة. وفي شاهد آخر يرى البكاء فرحاً للروح؛ ربما لأن البكاء اعتراف بالخطايا ومحاولة للتكفير عنها، ويظهر ذلك في قوله من خلال الأسلوبين الإنشائي – الأمر – والخبري "لتبك الآن/ البكاء فرحُ الروح".



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي