"الداكن وعبوره" إبحار فني في الماورائيات

الامة برس-متابعات:
2020-12-25 | منذ 6 شهر

صفحات بيضاء توحي بكلسيتها

ميموزا العراوي- بيروت: من المعروف أن صالة “جانين ربيز” البيروتية تبنّت منذ مدة الفنانة اللبنانية المتعددة الوسائط أدليتا أسطفان ومنطق نصها الفني الشائك وساهمت في دعم حضورها على الساحة الفنية.

ولم يخرج المعرض الجديد للفنانة اللبنانية عن “صك” الاتفاق الذي عقدت أواصره منذ عدة سنوات، على الرغم من صغر سنها، مع الانشغالات الوجودية ومحاولات تفكيك ألغاز هذا العيش البشري المحفوف بالظلمات والأنوار المُعمّقة لـ”الداكن” في الوجود أكثر من تخفيف حدة وطأته على الإنسان.

وفي عز انتشار وباء كوفيد – 19 في المجتمع اللبناني فُتح باب صالة “جانين ربيز”  لعرض أعمال الفنانة والأهم من ذلك أنها، أي الصالة، أغنت تجربة استكشاف أعمال أسطفان لمن لم يستطع القدوم “جسديا” إلى القاعة بصور كثيرة وعالية الجودة عن كافة الأعمال.

تمزقات وجودية

 

لبنان

أما الفنانة فقد نشرت على صفحتها الفيسبوكية ما يشبه الـ”ترايلر” أي فيديو إعلاني قصير جدا رافقته موسيقى تصويرية ملائمة جدا للمعرض. ساهم ويساهم هذا الفيديو في توطيد العلاقة ما بين نص الفنانة وذاتها ومُشاهد المعرض على السواء.

والأهم من ذلك كله أنه فيديو على شدة قصره يُدخل المُشاهد إلى متاهة التمزّقات الوجودية الصامدة في وجه رياح أسيدية خفية. ليست في كلمة “تمزّقات” أي مبالغة لا معنوية ولا بصرية. فمعرض الفنانة قائم على صفحات بيضاء توحي بكلسيتها. صفحات تبدو أحيانا شفافة وأثيرية مدموغة بكلمات متصلة ومتواصلة وحروف عربية مُحبّرة بـ”الداكن” مُترنحة أحيانا في نسيم مجهول المصدر وتشبه في أحيان أخرى أكفانا متقطعة مرصودة للأبدية وليس للموت، لأنها تحمل في نسيجها “عبور” الداكن التي تجهر به أعمال الفنانة، ليس في هذا المعرض فقط، بل في أحد معارضها السابقة.

وهذا الرصد للأبدية والتعالي عن الموت “الوضيع” والرثّ الذي لا يطال إلا الأجساد الفانية، ربما يكون مُتمثلا أيضا بمنحوتاتها البيضوية التي تأخذ عقل المُشاهد إلى فكرة الخلق واحتواء الروح واستمرارية الحياة في صلب يومياتنا وعلى هامشها الأثيري المُثقل بما يشير إلى حتمية “العبور”.

قد تبدو أعمال أسطفان مُرهقة للروح وكئيبة للوهلة الأولى ولكن سرعان ما تخرج إلى السطح هذه الكلمة الرديئة والساذجة وهي “التفاؤل” من ثوبها الغليظ، لتكون في عُريها الناصع ساردة لمعنى الأمل والنور المُتمثل، وربما شُبه حصرا، بـ”العبور”. عبور الداكن لمياه آثمة وأضوائه الزائفة الفجة المثيرة للصداع أكثر منها المُهيّأة  للرؤية.

ليس نص الفنانة أدليتا أسطفان نصا فنيا بسيطا وهو يتطلب تمعنا في جزئياته المؤلفة لنص واحد ومتكامل. لا بل هو نص سيُفهم أكثر إن عدنا إلى معرض لها منذ عدّة سنوات في الصالة ذاتها. معرض يتكلم أيضا عن حالة العبور والتساؤلات ليس في معنى الداكن، ولكن في معنى الوعي. الوعي الإنساني وما يترتب عنه.

في ذاك المعرض استطاعت الفنانة أن تصنع أشرعة ورقية ومتينة لقوارب عبورها واختراقها للأزمات الوجودية التي تعترض كل إنسان مفطور على أن يعيد باستمرار تقييم أفعاله وتصويب أموره.

خلطة سحرية

أحجية وتمائم مشكلة ضد الضياع

معرض شُيّد على الورق، كما في معرضها الجديد، مشحون بتمتمات بصرية كان أبرز سيماتها الإصرار على تمكين حضور شبحيّ ما، تهاب الفنانة من أن ينسل من بين أصابعها كالدخان.

معظم أعمال الفنانة السابقة والحاضرة (بشكل كامل) مشغولة بالأسود والأبيض بأشرعة من كتان أبيض وخشن ومحتفظ برقّة سحرية. رقة سحرية حضرت أيضا في معرضها الجديد الذي حضرت فيه خاصية القصاصات الورقية المتوازنة والمتعادلة وثيمة لصق أطرافها ببعضها البعض مع العلم أن ليس ما هو مخطوط بالحبر على هذه الأوراق يحتاج إلى “مونتاج” أو إلى توليف لكي يحضر المعنى. فالمعنى هو في التقطّع وفي التهدّج الملجوم بمعرفة، هي أيضا معرفة بأنه لا بدّ للداكن من عبور لا مفرّ منه ومُرتجى.

هذا الكتان، “المنصوبة سحريته” بما هو مكتوب أو مرسوم عليه من أحجية وتمائم مشكلة ضد الضياع أو الغرق، يمثل أيضا ومُجددا في معرضها الجديد، وإن تحوّلت الكلمات التي خطّت عليه إلى كلمات مُبهمة في حين كانت أكثر وضوحا في معرضها السابق، حيث قرأنا هذه الجملة مرارا في أعمالها “لا مفر من الموت”، هو كتان مُسجى ومفتوح على كل احتمالات العودة من الموت.

وخارج المعنى المباشر لـ”لا مفر من الموت” أدركت أسطفان حينها وقبل اليوم في معرضها الجديد الأبعاد العدمية لهذه الكلمات التي تطال كل شيء في هذا الوجود، ولكنها في الآن ذاته استطاعت أن تصنع لذاتها “خلطة سحرية” أبعدت عنها أصابع القلق القاتلة. وهي اليوم في معرض “الداكن وعبوره” أكثر تمرسا وقد غاصت في متاهات النجاة من الداكن، من صلبه هو وليس من خارجه. فلا عبور إلاّ العبور منه إلى النور الأبدي.

تم النشر بواسطة ‏‎Galerie Janine Rubeiz‎‏ في الخميس، ١٠ ديسمبر ٢٠٢٠


إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي